علامات ظهور الإمام الحجة (عج) (6)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، والفتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك..

العلامة الثالثة: خروج السفيانيّ:

الحديث في هذه الجلسة -إن شاء الله تعالى- حول خروج السفياني، والذي وصفته الروايات بأنه من المحتوم(1)، والنصوص الواردة في علاميَّة هذه الواقعة للظهور المبارك قد وردت من طرقنا -نحن الشيعة- دون طرق العامة، نعم ورد في بعض طرق العامة ما يرتبط ببعض التفاصيل المرتبطة بحركة السفياني، إلَّا أنها ليست في الكثرة بمستوى ما ورد من طرق الخاصَّة، وعلى أي تقدير فالروايات الواردة من طرقنا كثيرة جداً، ومستفيضة بل متواترة، وبذلك يثبت هذا الأمر دون ريب، إذ أنَّ مستوى الروايات يُنتج بطبعه الاطمئنان بالصدور، وبالتالي وقوع هذا الحدث الكبير في آخر الزمان.

اسمه ونسبه:

قبل البحث عن حركة السفياني، وارتباطها بظهور الإمام الحجة (عليه أفضل الصلاة والسلام) نرى من المناسب إعطاء تصوّرٍ سريع عن السفياني، وهويته، وحركته.

أما اسمه فقد ورد -في رواياتٍ قليلة- أنَّ اسمه عثمان، وأن اسم أبيه عنبسة(2)، وأنه من نسل أبي سفيان الأمويّ. ومقدار ما دلَّ من الروايات على اسمه واسم أبيه لا يمكن التعويل عليه؛ وذلك لقلَّة ما ورد في ذلك، فلهذا لا يسعنا الجزم بأنَّ اسمه عثمان -مثلاً- وأن اسم أبيه عنبسة. وأما أنَّه من نسل أبي سفيان فأفادته مجموعة من الروايات بعضها وصقته بابن آكلة الأكباد(3) -إشارة إلى هند التي بقرت بطن الحمزة وأكلت شيئاً من كبده أو لاكتها-، وصرَّحت أخرى بأنَّه من نسل أبي سفياني(4)، والروايات في ذلك أكثر من التي تصدَّت لبيان اسمه، إلا أن ما يمكن التثبُّت منه عند ملاحظة مجموع الروايات هو أنَّ السفياني شخصيَّة تنتمي لأبي سفيان -إما نسباً أو انتماءً عقائدياً-، فالتعبير عنه بالسفياني، والذي هو الإطلاق الشائع في مجموع الروايات تقريباً، قد يكشف -بحسب الظهور الأولي- عن أن الرجل من نسل أبي سفيان، ولكن ذلك لا يمنع من أن نفهم من هذا العنوان إرادة الإنتماء العقائدي لأبي سفيان وللأمويين، ولعلنا نستفيد ذلك من بعض ممارساته التي تعبِّر عن نصبه وعدائه لشيعة علي بن أبي طالب (ع) كما سنشير لذلك -إن شاء الله-.

معتقدات السفيانيّ:

هذا ما يرتبط باسمه ونسبه، وأما عقيدته فقد وردت طائفتان من الروايات تتحدث عن انتمائه العقائدي:

الطائفة الأولى:

أفادت أن الرجل مسيحيّ نصرانيّ، أو أنه جاء من عند المسيحيين وينتمي إليهم في حركته وممارساته، فحركته الفكرية امتداد للحركة والمدِّ المسيحي، هكذا نفهم من بعض الروايات، منها ما ورد أنه يُقبل السفياني من بلاد الروم متنصِّراً، في عنقه صليب، وهو صاحب القوم."(5) فقوله (ع): "في عنقه صليب"، كناية عن أنه ينتمي للدين المسيحيّ.

الطائفة الثانية:

إلّا أنَّه في مقابل هذه الروايات ثمة روايات أفادت أنَّ الرجل مسلم (6)، غايته أنه منحرف، ويمارس الكثير من الأفعال المعبِّرة عن عدم تديُّنه والتزامه بالحدود الإسلامية، كإباحته لشرب الخمر، وعدم حجِّه وزيارته للنبي الكريم (ص)، وتعبِّر عن انحرافٍ في السلوك. كما أنَّ بعض الروايات أشارت إلى أنَّ الرجل يحمل عداءً متميزاً لشيعة علي بن أبي طالب (ع)، وهذا غالباً ما يكون في المسلمين المنحرفين عن أهل البيت (ع)، مثلاً: الرواية الواردة عن أبي عبدالله (ع) المتصدِّية لبيان عقيدة الرجل: "كأني بالسفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس رجلٍ من شيعة علٍّي فله ألف درهم. فيثب الجار على جاره ويقول: هذا منهم. يعني من شيعة علي فيضرب عنقه، ويأخذ ألف درهم"(7). هذه الممارسة تُعبِّر عن نصبٍ وحقدٍ دفين للتشيع، ولشيعة علي بن أبي طالب، وذلك لا يتناسب إلَّا مع مسلمٍ منحرف عن خط أهل البيت (ع). على أيّ حال، نحن يمكن أن نجمع بين الطائفتين من الروايات، بهذا الجمع وهو أنَّ الرجل وإنْ كان مسلماً، إلَّا أنه من حيث السلوك، ومن حيث الفكر يعتمد الخطَّ المسيحيّ، والكثير من المسلمين ممن يعتنقون الإسلام، وينحدرون من آباء مسلمين، هم في الواقع جنودٌ للمدّ المسيحيّ في البلاد الإسلامية، وهذا واضح و لا يحتاج إلى مزيدٍ من التأمُّل، لذلك لا منافاة بين الطائفتين من الروايات، فالرجل هواه هوى الرُّومان، وهوى الحضارة المادية، والفكر العلمانيّ، هذا هو هواه. وفي ذات الوقت يحمل روحاً طائفّيةً قذرة بشعة، تحذو به وتبعثه إلى أن يستأصل شيعة آل محمد (ص). فلا مانع من أن نفهم من مجموع الروايات هذا المعنى. هذا ما يرتبط بعقيدة الرجل.

زمن خروج السفياني:

وأما ما يرتبط بزمان خروجه فالروايات ذكرت أنَّ خروجه يكون قُبَيْل خروج الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، وأنَّ حركته المنحرفة تكون واسعة النفوذ -خصوصاً في الشرق الأوسط كما سنوضح ذلك فيما بعد-، وأن حركته ونفوذه وسطوته وقوته تظل حتى بعد ظهور الإمام الحجة (ع)، فلا يكون خروج الحجّة بعد انتهاء حركة السفيانيّ، بل تبدأ حركته قبل ظهور الحجة، وتمتد إلى ما بعد ظهور الحجّة، إلى أن يتم القضاء عليه بواسطة الجيش المهدويّ، -كما سنبين ذلك إن وسع الوقت إن شاء الله-.

ويظهر من الروايات أنَّ حركته ستكون واسعة النفوذ، بحيث يُهيمن على دمشق، وحمص، والأردن، وفلسطين -أو جزءٍ من فلسطين-، وقرقيسيا(8)، بالإضافة إلى هيمنته على مدن من العراق -كما سنوضح ذلك إن شاء الله-، وأن حركته تمتد إلى ثمانية شهور(9) -كما ورد في بعض الروايات-، وفي بعضها تسعة شهور(10)، وأنَّ حركته تكون معاصرة لحركة الخراساني، حتى ورد في الروايات أنهما يستبقان على الكوفة كفرسي رهان(11)، كلٌّ منهما يريد أن يُهيمن على الكوفة، وسنوضح ذلك فيما بعد إن شاء الله.

حادثة الخسف في البيداء:

الروايات أشارت إلى أنَّ خسفاً سيحصل في البيداء -وهو من المحتوم(12)-، وهذه الحادثة أيضاً ترتبط بحركة السفيانيّ. وحادثة الخسف بالبيداء لا نختص بها نحن الشيعة، بل تنقلها روايات العامة أيضاً، أنَّ خسفاً يقع في البيداء، غايته أنهم يقولون أنَّ الخسف يقع على جيشٍ يريد قتل رجلٍ عائذ بمكة(13)، ونحن نقول أنَّ العائذ بمكة هو الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف)، فالخسف بالبيداء أمرٌ لا يسع أحدٌ التنكُّر لوقوعه وذلك لاستفاضة الروايات في ثبوته. والخسف بالبيداء يكون لقطعةٍ من جيش السفياني تخرج من المدينة المنورة، وذلك لغرض ملاحقة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وذلك بعد أن عرفوا أنه قد لجأ إلى مكة الشريفة، بعد خروجه من المدينة خائفاً يترقَّب -على سُنَّة موسى بن عمران (ع)-، فإذا عرف قائد الجيش السفيانيّ بذلك بعث بقطعة من جيشه من المدينة ليقتل المهدي الذي لجأ إلى مكة، فإذا بلغوا البيداء -والبيداء هي منطقة تبعد مقدار مائة ميل عن مسجد الشجرة، وهذه المنطقة تُسمى البيداء من أيام النبي (ص)، وهي التي رفع رسول الله (ص) صوته فيها بالتلبية، ويُستحب -كما هو معروف عندنا- للمعتمر والحاج أن يرفع صوته بالتلبية إذا بلغ البيداء، وهو على بُعد مائة ميل من مسجد الشجرة فإذا وصل جيش السفيانيّ إلى تلك المنطقة نادى منادٍ من السماء: "يا بيداء أبيدي القوم"(14)، فتسيخ بهم الأرض، أي تبتلعهم كما ابتلعت قارون وكنوزه، فلا يفلت منهم -في رواياتنا- إلا المُخبِر، أي الذي يذهب فيخبر عمَّا وقع بجيش السفياني في البيداء(15)، وفي بعض روايات العامة، فلا يُفلت منهم إلا اثنان المنذر والمبشر(16)، ولا تنافي بين الروايات؛ فالمخبر قد يكون واحداً وقد يكون أكثر، وكيف كان فالخسف بالبيداء كما ورد في رواياتنا من علامات الظهور. وكذلك ورد في روايات العامة أنَّه من أشراط الساعة. هذا عرض سريع لحركة للسفيانيّ وهويته، ونحتاج إلى أن نعطي تصوراً أكثر تفصيلاً عن حركة السفيانيّ، وسنتحدث ما وسع الوقت إن شاء الله في ذلك.

مسار حركة السفيانيّ:

حركة السفيانيّ -كما أوضحنا- هي حركة انحرافية واسعة النفوذ تكون في آخر الزمان، ويكون منطلق هذه الحركة هي الشام، وتظلُّ نافذةً حتَّى بعد الظهور.

ثمّ إن دمشق -قبل أن يُهيمن عليها السفيانيّ- تكون مسرحاً لحربٍ داخليّة بين ثلاث فئاتٍ ذات نفوذ، وهذا يعبِّر عن وجود فراغٍ سياسيّ، أو يكون ذلك على خلفيَّة سقوط نظامٍ سياسيّ مهيمن على أرض الشام، فيترتب على سقوطه حدوث حربٍ داخلية طاحنة بين ثلاث فئات، ويمكن التعبير عنها بثلاث حركات كلُّها منحرفة. أما مستوى الانحراف فلم تشر إليه الروايات، وكذلك لم تتصد الروايات للكشف عن هوية هذه الفئات الثلاث غير حركة السفياني وغاية ما أشارت إليه الروايات هو أنَّ لكلِّ واحدةٍ من هذه الفئات قائد واحد، فواحدةٌ من هذه الفئات يقودها السفياني، وفئة أخرى يقودها رجلٌ أبقع، وأخرى يقودها رجل أصهب(17). هذه الحرب الطَّاحنة التي تستمرّ مدَّةً من الزمن، تنتهي بانتصار السفيانيّ، وبذلك يُهيمن على الشام ودمشق، ويترتب على هيمنته وانتصاره على الفئات الأخرى أن يتبعه أكثر أهل الشام، فلا يجد مقاومةً تُذكر بعد أن يبسط نفوذه على الشام، ويبقى القليل ممن وصفتهم الروايات بالممحَّصين المخلصين، أو الأبدال، أو الأولياء، فهؤلاء وإن سكتوا، ولم يُقاوموا، إلاَّ أنَّهم لم يقبلوا بأطروحة السفيانيّ، ولا يعتمدون فكره ولا سلوكه.

وبذلك يُهيمن السفياني على على كلٍّ من دمشق، فلسطين أو جزء منها، وعلى حمص، والأردن، وقنَّسرين، بالإضافة إلى بعض أطراف ومدن العراق.

الحرب بين السفياني وزعيم العراق:

وكيف يُهيمن على بعض أطراف ومدن العراق؟

بعد أن يهيمن على دمشق والمدن التي ذكرناها، وتصبح له قوَّة ضاربة في المنطقة، يوجِّه جيشاً كبيراً إلى العراق، وهناك يُعبِّئ زعيم العراق جيشاً ليواجه جيش السفيانيّ، وتكون هناك معركة وحربٌ ضروس في منطقة تُسمَّى -قرقيسيا، وقرقيسيا منطقةٌ حدودية بين سوريا والعراق-، ويكون القتال ضارياً، فيُقتل من الطرفين -كما ورد في الروايات- مائة ألف من الجبَّارين(18)، -يعني الفسقة المنحرفين-، وهذا يُعبِّر عن أنَّ كلا الجيشين ليس على خط الهداية. ثمّ لمن يكون النصر؟ سيكون للسفيانيّ أيضاً، وينتصر السفيانيّ على جيش العراق.

الحرب بين السفياني واليمانيّ:

وعندما يدخل السفيانيّ العراق يلقى مواجهةً من اليمانيّ. ولعله الذي نعتته الروايات وأفادت أن رايته رايةُ هدى، وأنَّ رايته أهدى من راية الخراساني(19). وهنا تجدر الإشارة إلى أن عنوان اليمانيّ لا يُطلق على اليمنيّ بالضرورة، فالذين قاتلوا مع الإمام الحسين (ع) هم إما من عرب الجنوب أو عرب الشمال، ويسمى عرب الجنوب باليمانيين، باعتبار أنَّ أصول الكثير من العراقيين أصول يمانية، والكوفة بالخصوص لم تكن حاضرة إسلامية، وإنما مُدِّنت عند مواجهة المسلمين لأهل فارس، ثم صارت معسكراً للمسلمين، وترتب على ذلك بناء المدينة، وأكثر أهلها كانوا قد جاؤا من اليمن، فقد لا يكون اليماني من اليمن، نعم أفادت بعض الروايات أنه من اليمن، وكيف كان فهذا(20) الرجل الملقب باليماني يواجه السفياني في منطقة تُسمَّى بالجزيرة، وهذه الجزيرة -كما يقولون- تقع بين النهرين. ولمن يكون النصر؟ أيضاً للسفيانيّ. ولعلّه تتم تصفية اليمانيّ(21) في هذه المعركة بعد أن يُهيمن على جيوب المقاومة التي تحصل في العراق. فيصل إلى الكوفة، ويُمعن فيها قتلاً، وصلباً، وسبياً، ويقتل أعوان آل محمد (ص)، حتى ينادي مناديه: "من جاء برأس رجلٍ من شيعة عليّ فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره فيضرب عنقه، ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم"(22). هناك مقاومة أيضاً تحصل في الكوفة، لكنَّها ضعيفة بالمقارنة إلى مقاومة الرئيس أو زعيم العراق، وبالنسبة إلى مقاومة اليماني. وهذه المقاومة -كما يظهر- مختلفة عن مقاومة اليماني، وهذه المقاومة أيضاً يقضي عليها السفيانيّ، فيمسك بقائد (زعيم) المقاومة ويقتله، وتُراق دما ء كثيرة بين الحيرة والكوفة.

الحرب بين السفياني والخراساني:

في هذه الفترة يثب الخراسانيّ من إيران ويأتي إلى الكوفة، وتكون بين الخراسانيّ والسفيانيّ معركة على الكوفة -هل تحدث المعركة في الكوفة، أو خارجها؟ أنا لا أدري ولكن تكون الغاية فيها هي الكوفة، والدفاع عن أهل الكوفة-، والظاهر أنَّ الغلبة في هذه المرَّة تكون للخراسانيّ، والخراساني لا يستطيع أن يكسر شوكة السفياني إلَّا في هذه المنطقة. وقد أفادت بعض الروايات أن الخراساني يُهيمن بجيشه -الذي فيه من أنصار المهدي كما ورد في الروايات(23) - على أرض الكوفة، فيحمون فيها شيعة آل محمد (ص).

ثم أنَّ وجود الخراسانيّ وهيمنته على الكوفة سيكون مؤثراً، في الحركة المهدوية وذلك لأنه سيتيح للإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أن يأتي الكوفة؛ حيث هي المنطقة التي لا تقع تحت هيمنة ونفوذ السفياني -كما سنبين-. وسيظل الخراساني مهيمناً -كما ورد في بعض الروايات- على هذه المنطقة الخارجة عن نفوذ السفياني.

هذا وسوف لن يقف طمع السفياني عند حدود العراق والشام، لذلك فسوف يُعبِّأ جيشاً إلى أرض الحجاز، وبالتحديد إلى الأماكن المقدَّسة، فيذهب جيشه إلى المدينة المنورة -والظاهر من الروايات أنه لن يكون معهم، وإنما يبعث جيشاً مع قائد من قوَّاده-، وهناك يعيث في المدينة فساداً -وقد أشرنا إلى ذلك-، وفي بعض الروايات أنه يدخل المسجد النبويّ الشريف -وهي روايات عاميّة(24)- فيهدم بناء القبر الشريف، وينتهك حرمة الحضرة الشريفة. وفي بعض طرق العامة أن جماعة من جيش السفياني يلاحقون رجالاً ونساءً من بني هاشم فإذا وقعوا في أيديهم حبسوهم ثم يقتلون رجلاً من آل محمد (ص) اسمه محمد بن الحسن ويقتلون معه أختاً له اسمها فاطمة ثم يصلبان على باب المسجد النبوي الشريف وقد عبَّرت بعض هذه النصوص عن محمد بن الحسن بالنفس الزكية.

السفياني وملاحقة الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف):

ثم إنَّ جيش السفياني يتعرف على أنَّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) قد خرج من المدينة عائذاً بمكة. وحينها يبعث قسماً من الجيش كبيراً؛ ليلاحق الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، إلا أنَّه ونظراً لكون الإمام الحجة مذخور ليوم موعود، فلابد من حياطته بالعناية الإلهية، تلك العناية التي رعته سنينَ متمادية لابد وأن ترعاه قُبَيْل خروجه، لذلك لا يبلغ السفيانيّ غايته، فيقع الخسف بالبيداء -الذي وضحنا كيفيته-، فيشعر السفيانيّ بأنه قد فشل في القضاء على الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، والظاهر من الروايات أيضاً أنه لا يتمكن من الهيمنة على الحجاز.

بعد ذلك يقع الكلام حول مصير السفيانيّ، وكيف يُقتل. إلا أنَّه وقبل ذلك تجدر الإشارة إلى أمرين:

الأمر الأول:

هو أنه يبدو من الروايات أنَّ حركة الجيوش تناسب الطراز القديم في تحرّك المحاربين، وذلك لايتناسب مع عصرنا، فهنا حدود دولية إقليمية، وأمم متحدة، ومجلس أمن كيف يخرج السفيانيّ ويأخذ العراق، ثم ينطلق إلى بلادٍ أخرى؟ ألا يوجد حدود؟ ألا يوجد أعراف دولية؟!

المسألة قد يكون فيها شيء من الغرابة، وقد تبعث على شيء من التأمل في هذه الروايات، إلَّا أنَّ الجواب عن هذا الإشكال واضح، وهو أنه إما أن تكون حركة السفيانيّ تحت نظر الأمم المتحدة، ومحلاً لقبولها وقبول الدول العظمى، وإذا كان الأمر كذلك فإنها ستغضُّ الطرف، إذ أنَّ تحرّك السفياني لو كان متناسباً مع مصالحها فمن الطبيعي أن لا تُعمل نفوذها لصدِّه. وإما أن لا تكون حركة السفياني تحت نظر هذه الكيانات الدولية، إلا أنَّه ومن الناحية العملية -وأنتم تعرفون- متى ستجتمع الأمم المتحدة؟ ومتى سوف يصدرون قراراً؟ حينها يكون السفياني قد سيطر على جزءٍ كبير من العراق، ثم تحرك جيشه إلى الحجاز -خصوصاً إذا كان هناك فراغ سياسي في الحجاز-، وحتى يصدر قرار من الأمم المتحدة، ويتم تنفيذه، تكون قد (طارت الطيور بأرزاقها) -كما يقول المثل-. الآن، لاحظوا قضية (دارفور)، منذ متى والحرب تطحنها، والأمم المتحدة لم تحسم الموضوع بعدُ! وصدام دخل الكويت وأخذها، ودخل الحجاز وأراد أن يبتلع الخليج كاملاً، متى جاءت الأمم المتحدة؟! المسألة إذن تأخذ وقت.

وقد تكون هناك صفقات ومصالح مع الدول الأخرى، وبطبيعة الحال ستغضُّ الطرف، وستُمدِدَه كما مدَّدت وقت إيقاف إطلاق النار في بيروت وحرب تموز. أو تكون حركة السفياني قد أضفت عليها الأمم المتحدة الصِّبغة الشرعيّة القانونية، إذا كان ذلك مناسباً لمصلحتها وعلى أيّ حال فهذا الأمر لا يمثل عائقاً من قبول الروايات التي بيناها.

الأمر الثاني:

كيف عرف السفيانيّ بوجود الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) وهو لم يعلن الظهور بعدُ؟!

هذا يمكن أن نفهمه على أساس أنَّ الإمام الحجة قد تكون له في بداية الأمر حركة تصحيحية، ولكن مع خفاء عنوانه، وبإسم مستعار، فيكون ذلك منافياً لمصلحة ونفوذ وحركة وسياسة السفيانيّ فيلاحقه. ثم بعد ذلك يظهر أنَّ المُلاحَق هو الحجة. وقد يكون الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) قد تمَّت معرفته في تلك الفترة، لأنَّ الذي يمنع من إشهار الإمام الحجة لاسمه -كما ورد في الروايات- هو تليفه بالغيبة والتكليف بالغيبة ينتهي أمره بالصيحة، وظهور السفيانيّ -كما ورد في التوقيع الشريف- وحين أنَّ السفياني قد ظهر ووقعت الصيحة فإن مؤشرات الظهور تكون قد بانت بوادرها فلا مانع من أن يعرف السفياني أو غيره موقع وجود الإمام الحجة (ع).

إذن هذا لا يمثل عائقاً أيضاً عن القبول بالروايات.

على أي حال، بعد أن تخسف البيداء بجيش السفياني إثر ملاحقته للإمام الحجّة (عجل الله فرجه الشريف)، ويظهر للسفياني -كما ورد في الروايات-: أن هذا الرجل إلهيٌّ قد حمته السماء وأنه كريم على الله فلا جدوى من ملاحقته. إلا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ السفياني يقلُّ نفوذه في الشام والعراق، بل يبقى له نفوذه.

والإمام الحجَّة (عجل الله فرجه الشريف) في هذه المرحلة، وبعد أن تُقتل النفس الزكية ويظهر، يخرج من مكَّة، وفي الروايات -التي لن يسعنا بيانها- سوف لن يخرج من مكة الشريفة إلَّا ومعه عشرة آلاف رجل(25)، ويكون جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله والملائكة تمدُّه بالنصر. ثم تكون المحطة الأولى للإمام الحجة -كما ورد في الروايات- هي الكوفة إذ أنَّ الإمام يستثمر هيمنة الخراساني على تلك المنطقة، فيُتاح له الدخول إليها بيسر ودون مواجهة وحين يصل إليها يكون معه اثنى عشر ألف مقاتل. أما السفياني فنظراً لكونه قد واجه أمراً أوجب خشيته من الإمام الحجة (ع) -وهي حادثة الخسف في البيداء-، لذلك فإنه سيُحجم عن مبادرة الإمام بالحرب بل ورد أنَّه يلتقي بالإمام الحجة، للتغاوض معه وحينئذٍ يبدي له الإمام مجموعة من الأمارات على أنه صاحب العصر، وأنه لا جدوى من المواجهة، وأنَّ عليه أن يستسلم، وهنا مجموعة من الروايات مفادها أنَّ السفيانيّ يقبل بعرض الإمام، إلاَّ أنه عندما يعود بعد هذه المفاوضات إلى بطانته في الشام يوبِّخونه(26)، فيسألهم الرأي، فيشيرون عليه بمواجهة جيش المهديّ (عجل الله فرجه الشريف).

المعركة الأخيرة:

وعلى إثر ذلك تكون المعركة، وهي المعركة الأولى للإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، ولعلها الأخيرة، لكن كيف تكون الأخيرة؟

هي المعركة الأولى، وهي معركة واسعة، يُقتل فيها كثير من الخلق من جيش السفياني، ثم إنَّ السفياني يُقتل في المعركة، وفي بعض الروايات إنه يتم أسره فيتولَّى الإمام قتله بنفسه في الكوفة(27).

أما أنها أوَّل حرب فواضح، هي أول حرب، وسيكون النصر فيها للمهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وأما أنها الحرب الوحيدة فمحتمل، وليس أكيداً؛ لأن مصالح الدول الكبرى في المنطقة مناطة -كما يظهر في الروايات- بالسفيانيّ، حتى ورد في الروايات أنَّ المهدي يسير وبيده الرَّاية، فيلعن تلك الراية من بالمشرق ومن بالمغرب(28)، وكلُّهم ينتصرون للسفياني! فيبدو أنه يكون محلَّ رضا وقبول، وأنَّ مخططات الحضارة المادية في المنطقة -على أقل تقدير- تكون مناطة بحركة السفيانيّ، فإذا انتصر الإمام الحجة ينبثُّ الرعب في قلوب الكثير من الدول، لذلك ورد في الروايات أنه إذا ظهر، يسير الرعب من أمامه شهراً، وعن يمينه شهراً، وعن شماله شهراً، وينتصر بالرعب(29). سُئل أهل البيت (ع): بأيِّ شيء ينتصر الحجة؟ فأجابوا بأنَّ أمضى سلاح للحجة هو الرعب الذي يبعثه الله عز وجل في قلوب أعدائه. ويقوم الإمام بمجموعة من الاجراءات التي تبعث الرعب في قلوب أعداء الله.

على أي حال، فإن المنطقة بأكملها بعد سقوط السفياني ومقتله، سوف تدين للإمام الحجة ابن الحسن (ع).

إذن عرفنا الحركة التي سوف، تبدأ بخروج الحجة من المدينة، ثم إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، تكون هناك حرب كبيرة، هي الحرب الأولى التي يخوضها الإمام الحجة، ويخوضها الجيش المهدويّ، ويترتب عليها سقوط السفياني وسقوط دولته ونفوذه، وعندئذ يهيمن الإمام على العراق وعلى الشام -على أقل تقدير-.

وتنتظر الإمام المهدي معركة أخرى -لا أقول أنها جزميَّة ولكن ورد في الروايات أنها معركة في بيت المقدس-، في بيت المقدس، فيفتح الله على يديه بيت المقدس. فإما أن تدين له بيت المقدس بعد سقوط السفياني، أو أنها تكون معركة يهيمن فيها الإمام الحجة على بيت المقدس، وعلى عموم أرض فلسطين، وبيت لحم، وغيرها من مدن فلسطين.

تحقق الوعد الإلهي وانتصار الحقّ:

بعد ذلك تبدأ حركة الإمام المهدي بالاتساع شرقاً وغرباً، ويضع السَّيف على عاتقه ثمانية أشهر (30)، فتكون مدَّة الحركة المهدوية -حركة الفتح العالمي- مستغرقة لثمانية أشهر -كما ورد في الكثير من الروايات-.

وفي النهاية، بعد أن يبسط الإمام نفوذه -وقلنا أن القتل سيكون في أول الأمر ثم بعد ذلك ينتصر بالرعب-، بعد ذلك يمارس الإمام دور التربية العالمية، وهي التي ستنال القسط الأكبر من حركته. فما يتوهمه الكثير من أنَّ الحركة المهدوية سوف تتسم بالدم و السيف والعنف إلى آخر الوقت، هو غير صحيح. نعم، ستبدأ بالحرب، وذلك من مقتضيات الظروف التي يُحتِّمها إصرار الجبَّارين والمتنفِّذين، والذين يحرصون على بقاء ملكهم، فيقتضي ذلك المواجهة. ولكن سيجد الآخرون أنه لا معنى للمواجهة، بعد أن يبعث الله -عز وجل- فيهم الرعب، ويسير الرعب أمام جيش المهدي شهراً، وعن يمينه شهراً، وعن شماله شهراً.

للأسف الشديد لا نستطيع أن نتحدّث أكثر من ذلك لانتهاء الوقت، ولعلنا نتحدَّث عن الحركة المهدوَّية في مستقبل الزمان بشيء من التفصيل -إن شاء الله-.

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور


1- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: 650.

2- الخراج والجرائح للرواندي ج3/ 1150.

3- الغيبة للشيخ الطوسي: 461.

4- عن أمير المؤمنين (ع): "يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس وهو رجل ربعة وحش الوجه ضخم الهامة بوجهه أثر جدري إذا رأيته حسبته أعور اسمه عثمان وأبوه عنبسه وهو من ولد أبي سفيان .." كمال الدين وتمام النعمة: 651.

5- الغيبة للشبخ الطوسي: 463.

6- كتاب الغيبة للنعماني: 381، بحار الأنوار ج52/ 206.

7- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج52 ص215، الغيبة للشيخ الطوسي: 450.

8- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: 651، 652.

9- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: 651.

10- كتاب الغيبة للنعماني: 312.

11- كتاب الغيبة للنعماني: 264.

12- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: 650.

13- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج8/ 608.

14- الملاحم والفتن لابن طاووس: 160، النهاية لابن الأثير ج1/ 171.

15- وورد في بعض رواياتنا أنهم ثلاثة كتاب، الغيبة للنعماني: 290.

16- كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي: 204- المنذر هو من يبلغ الخبر لقائد الجيش السفياني في المدينة المنور والمبشر هو من يبلغ الخبر للقائد بمكة وهو الإمام المهدي (ع).

17- بحار الأنوار للمجلسي ج52/ 208.

18- كتاب الغيبة للنعماني: 289.

19- كتاب الغيبة للنعماني: 264.

20- كمال الدين وتمام النعمة: 331.

21- الغيبة للشيخ الطوسي: 464.

22- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج52 ص215.

23- كتاب الغيبة للنعماني: 289.

24- كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي: 203.

25- تفسير العياشي ج2/ 59.

26- تفسير العياشي ج2/ 59.

27- الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس: 296.

28- عن أبي عبدالله (ع): ".. عشرة آلاف جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم يهز الراية ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلا لعنها". كتاب الغيبة ص 320.

29- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: 331 عن أبي جعفر الباقر (ع): القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر الله عزوجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون فلا يبقى في الأرض خراب إلا قد عمر ..".

30- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: 318.