الجاهليَّة في القرآن الكريم

أعوذ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحًا لِذِكْرِهِ، وسَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، ودَلِيلًا عَلَى آلَائِهِ وعَظَمَتِهِ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهً إِلَّا اللَّهُ، شَهَادَةَ إِيمَانٍ وإِيقَانٍ وإِخْلَاصٍ وإِذْعَانٍ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وأَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ، ومَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، ونَصَحَ لِلْخَلْقِ وهَدَى إلى الرُّشْدِ، وأَمَرَ بِالْقَصْدِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ ونفسي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ والْقِوَامُ، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، واعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِكُمْ إلى أَكْنَانِ الدَّعَةِ، وأَوْطَانِ السَّعَةِ ومَعَاقِلِ الْحِرْزِ ومَنَازِلِ الْعِزِّ.

قال اللهُ تعالى في مُحكمِ كتابِه المجيدِ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(1).

اشتملتْ هذه الآيةُ من سورةِ الفتحِ على كلمةِ الجاهليَّةِ في اشارةٍ منها إلى العهدِ الذي سبقَ المبعثَ النبويَّ الشريفَ، وقد ورد هذا التوصيفُ لعهدِ ما قبل البِعثةِ في القرآنِ الكريمِ في أربعةِ مواضعَ منه، فمضافًا إلى الآيةِ التي تلوناها من سورةِ الفتحِ، فقد ورد توصيفُ هذا العهدِ بعهدِ الجاهليَّةِ في سورةِ آلِ عِمرآنَ عند قولِه تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾(2) وفي سورةِ المائدةِ في قولِه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(3) وفي سورةِ الأحزابِ في قولِه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾(4).

والملاحَظُ -كما قيل- أنَّ لفظَ الجاهليَّةِ -وهو مصدرٌ صناعيٌّ- لم يكن استعمالُه معهودًا قبل أنْ يستعملَه القرآنُ في هذه الآياتِ الأربعِ، ولعلَّه لذلك صارَ هذا الوصفُ علَمًا على هذه الحُقبةِ الزمنيَّةِ التي سبقتْ المبعثَ النبويَّ الشريفَ، والملاحظةُ الأخرى أنَّ الآياتِ التي وصفتْ عصرَ ما قبلَ المبعثِ بعصرِ الجاهليَّة كلَّها مدنيَّةٌ، وكلَّها وردتْ في سياقِ الذمِّ لهذا العصرِ، والوصفُ بالجاهليَّةِ في كلِّ هذه الآياتِ جاء في موقعِ المضافِ إليه، ففي سورةِ الفتحِ أُضفيت الحميَّةُ لوصفِ الجاهليَّةِ، فكان مؤدَّى ذلك هو الذمَّ لحميَّةِ الجاهليَّةِ، وفي سورةِ آلِ عِمرانَ أُضيفَ الظنُّ لوصفِ الجاهليَّة فكان مؤدَّى الإضافةِ هو الذمَّ لظنِّ الجاهليَّة، وفي سورةِ المائدةِ أُضيفَ الحكمُ لوصفِ الجاهليَّةِ فكانَ مؤدَّى الآيةِ هو الذمَّ لحكمِ الجاهليَّةِ، وفي سورةِ الأحزابِ أُضيفَ التبرَّجُ لوصفِ الجاهليَّةِ فكان مؤدَّى الأضافةِ هو التشنيعَ على تبرُّجِ الجاهليَّةِ.

وثمة أمرٌ آخرُ يتَّضحُ من ملاحظةِ الآياتِ الأربعِ وهو أنَّ كلَّ اضافةٍ من الإضافاتِ الأربعِ لوصفِ الجاهليَّةِ كانت تُؤشِّرُ إلى شأنٍ يختلفُ عمَّا تُؤشِّرُ له الإضافةُ ألأخرى، فإضافةُ الحميَّةِ لوصفِ الجاهليَّةِ تُؤشِّرُ بل وتُؤرخُ للمشاعرِ التي كانتْ تغلبُ على أبناءِ ذلك العصرِ وهي مشاعرُ الحميَّةِ التي تختزلُ معنى العصبيَّةِ القوميَّةِ، والإعتدادِ بالنفسِ، والكبرِ والغطرسةِ وما يلازمُ ذلك من التباغضِ والتحاسُدِ، والاستضعافِ للضعيفِ، والتمجيدِ للقوَّةِ والبطشِ والمغالبةِ باعتبارِها وسيلةُ الحمايةِ لمشاعرِ العصبيَّةِ القوميَّةِ والاعتزازِ والتفاخرِ بالنسبِ والحسَبِ.

وأمَّا اضافةُ الظنِّ لوصفِ الجاهليَّةِ في سورةِ آلِ عمرانَ فتُشير إلى مبلغ ما يعتقدُه أهلُ الجاهليَّةِ باللهِ تعالى في تدبيرِه، وأمَّا إضافةُ الحكمِ للجاهليَّةِ في مقابلِ حكمِ الله فتُشيرُ إلى اعتمادِ الأهواء واستقلالِهم عن الله تعالى وشرائعِه في تدبيرِ شؤونِهمُ العامَّةِ في قضايا الحكمِ والحربِ والصلحِ والمهادنةِ والتحالفِ، وفيما يتَّصلُ بأحكامِهم في فصلِ خصوماتِهم، وما يتَّصلُ بمعاملاتِهم وتجاراتِهم وموارد كسبِهم، وأمَّا اضافةُ التبرُّجِ إلى وصفِ الجاهليَّةِ فتُؤشِّرُ إلى ما كانوا عليه من تحلُّلٍ وتهتُّكٍ، ومن ذلك يتَّضحُ انَّ الإضافاتِ الأربعِ صالحةٌ لإعطاءِ تصوُّرٍ اجماليٍّ عن كلٍّ مِن الأوضاعِ النفسيَّة والعقائديَّةِ والسياسيَّة والإجتماعيَّة للمجتمعِ الجاهليِّ.

ثم إنَّ ما أجلمتْه هذه الآياتُ بيَّنته آياتٌ أخرى كثيرةٌ تصدَّت للكشفِ عمَّا كان عليه المجتمعُ الجاهليُّ من أوضاعٍ في مختلفِ شؤونِه الثقافيَّةِ والدينيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة. وبالتأمُّلِ فيها والربطِ بينها تتجلَّى صورةٌ قاتمةٌ بل ومرعبةٌ للعهدِ الذي سبقَ المبعثَ النبويَّ الشريفَ.

وقبل استعراض عددٍ من هذه الآيات يحسنُ بنا الوقوفُ على مُفردةِ الجاهليَّةِ التي وصمَ بها القرآنُ الكريمُ العهدَ الذي سبقَ المبعثَ النبويَّ الشريفَ.

قلنا: إنَّ لفظَ الجاهليَّةِ مصدرٌ صناعي، وجذرُه اللغويُّ من الجهلِ، والمصدرُ الصناعيُّ هو المصدرُ الذي تلحقُه ياءٌ مشدَّدةٌ بعدها تاءٌ مربوطةٌ مثلُ الإنسانيَّة والقوميَّة والعربيَّة، ويُصاغُ المصدرُ على هيئةِ المصدرِ الصناعيِّ للدلالةِ على اشتمال المتَّصفِ به على تمامِ خصائصِ معنى المصدرِ، فحينَ يُقال مثلًا: مطالبنُا انسانيَّةٌ فإنَّ معنى ذلك هو انَّها تحملُ كلَّ الخصائصِ الإنسانيَّة، وعليه فالغرضُ من وصمِ القرآنِ العهدَ الذي سبقَ المبعثَ بعهدِ الجاهليَّةِ هو الإشارةُ إلى أنَّه عهدٌ يحملُ كلَّ خصائصِ الجهلِ، وفي ذلك تعبيرٌ عن انحدارِه لأدنى درجاتِ الجهالِة.

والمرادُ من الجهلِ هو المقابلُ للعقلِ والحلمِ والرُشدِ والحكمةِ، فيكونُ معنى الجهلِ هو الحماقةُ والسفاهةُ، وضيق الصدر، وضعفُ الرأيِ، وقصرُ النظرِ المنتجُ ذلك بطبعِه لمثل التهوُّرِ والطيشِ والنزَقِ والهمجيَّةِ.

وهذا المعنى لكلمةِ الجهلِ هو المُستعملُ غالبًا في آياتِ القرآنِ الكريمِ والسُنَّةِ الشريفةِ وكلماتِ العربِ، فليس المرادُ غالبًا من لفظِ الجهلِ في القرآنِ الكريمِ وكلماتِ العربِ ما يُقابل معنى العلمِ والمعرفةِ بل المرادُ منه غالبًا ما يُقابلُ العقلَ والرُشدَ. وقد أوضحنا ذلك بشيءٍ من التفصيلِ عند الحديثِ حولَ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾(5) نعم كان لعدمِ العلمِ وافتقارِ أبناءِ ذلك العصرِ لأدوات ومصادر المعرفة أثرُه الواضحُ فيما كانوا عليه من جهالةٍ وهمجيَّةٍ لكنَّ ذلك ليس هو المنشأَ لوصفِ عهدِهم بعهدِ الجاهليَّةِ، ولهذا يَصحُّ وصفُ كلِّ مجتمعٍ بالجهالةِ وإنْ كانَ على مرتبةٍ من العلمِ والمعرفةِ إذا كان واجدًا لما عليه مجتمعُ الجاهليَّةِ من سِماتِ، فعبَّادُ البقرِ مثلًا والمتوحشونُ من الناسِ المُولعونَ بسفكِ الدمِ الحرامِ، وكذلك المتهتِّكونَ الغارقونَ في وحلِ الرذيلةِ وتعاطي السلوكِ البهيميِّ مثلُ هؤلاء يصحُّ وصفُهم بالجهالةِ والجاهلينَ وإنْ كانوا على درجةٍ من العلمِ والمعرفةِ.

وباتَّضاحِ المرادِ من لفظِ الجاهليَّةِ الذي صارَ علمًا للعهدِ الذي سبقَ المبعثَ النبويَّ الشريفَ يقعُ الحديثُ موجزًا حولَ ما كشفَ عنه القرآنُ من سِماتِ هذا العهدِ.

وأبدأ أولًا بالشأنِ الدينيِّ -وأختمُ به إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، فقد كانَ أكثرُ العربِ وثنيينَ، والأقلُّ منهم على مذاهبَ شتَّى، فمنهم الملاحدةُ الذين يعتقدونَ أنَّ الطبيعةَ هي التي اقتضتْ وجودَهم، وهي التي تقتضي فناءَهم وصيرورتَهم في حيِّزِ العدمِ المطلَقِ، وهؤلاء هم الذين أشارَ إليهمُ القرآنُ بقولِه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾(6)، ومنهم -أي من الأقلِّ- أهلُ الكتابِ كنصارى نجرانَ الذين وفدوا على الرسولِ (ص) ونصارى أرضِ اليمامةِ التي خرج منها مسيلمةُ وبني تغلب وآخرينَ، ومن أهلِ الكتابِ اليهودُ وهم الأكثرُ في جزيرةِ العربِ من النصارى، فكانَ منهم جماعةٌ من التبابعةِ وملوكِ اليمنِ، وكان لليهود وجودٌ واسعٌ نسبيًَّا في أطرافِ يثربَ، وهم قبائلُ كقبيلة بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع، وبعضُهم استوطنوا أرضَ خيبر وبنوا فيها حصونًا وقلاعًا منيعةً كما انَّ القاطنينَ في أطرافِ يثربَ قد بنوا كذلك لأنفسِهم حصونًا، وقد تحدَّثَ القرآنُ عن عن عربِ أهلِ الكتابِ كثيرًا خصوصًا اليهودَ منهم.

ومن الأقلِّياتِ الدينيَّةِ في جزيرةِ العربِ المتألِّهونَ الذينَ وصفَهم بعضُ المؤرخينَ بأصحابِ الورعِ والتحرُّجِ عن القبائحِ، وهؤلاءِ على ملَّةِ ابراهيمَ (ع) يتديَّنونَ بما يُعبَّرُ عنه بالحنيفيَّةِ، وهؤلاءِ من القلَّةِ بحيثُ لا يشقُّ عدُّهم بأسمائِهم، وقد ضبطَ لنا التأريخُ أسماءَ عددٍ منهم مثلَ عبدِ المطلِّبِ وابنِه أبى طالب وعبدِاللهِ والدِ النبيِّ الكريمِ (ص) وآخرينَ من بني هاشمٍ ولعلَّهم الأكثرُ وزيدِ بن عمرو بن نفيلِ، وقسِّ بنِ ساعدةِ الأيادي، وعامرِ بنِ الظربِ العدواني وآخريَن، هذه هي الأقلِّيَّاتُ الدينيَّةُ في بلادِ العربِ.

وأما الأكثريةُ الساحقةُ فكانوا وثنيينَ، وكان أكثرُ الأكثريَّة يعبدونَ الأصنامَ ويطوفونَ حولَها، ويعتقدون أنَّها تضرُّ وتنفعُ وتسخطُ وترضى وتنتقمُ، فكانوا يُقرِّبونَ لها القرابينَ ويذبحونَ لها وعندَها الذبائحَ، وينذرونَ لها النذورَ الخطيرةَ، ويستقسمونَ لها بالأزلامِ يستشيرونَها بذلك في الحربِ والصلحِ والمهادنةِ والسفرِ والزواجِ، ويتعرَّفون كذلك بواسطةِ الاستقسامِ بالأزلامِ عند الأصنامِ على مَن لَه الحقُّ ومَن عليه، وعلى صلاحِ أو فسادِ طويَّةِ مَن يجهلونَ حالَه، وكانت للعربِ أصنامٌ يشتركُ الجميعُ في عبادتِها، وكانوا يحجُّونَ إلى المنصوبِ منها على ظهرِ الكعبةِ وفي فنائِها، ويطوفُ بعضُهم حولها عُراة، وقد وردَ أنَّ عددَ الأصنامِ المنصوبةِ على ظهرِ الكعبةِ وفي فنائِها ثلاثُمائةٍ وستونَ صنمًا، وثمة أصنامٌ تختصُّ بها كلُّ قبيلةٍ أو أكثر، فكانتِ اللاتُ لقبيلةِ ثقيفٍ في الطائفِ، والعُزَّى لكنانةَ وقريشٍ وبعضِ بنى سليمٍ، ويغوثُ لقبيلةِ همدانَ، ونسرٌ لقبيلةِ حِميَر، ومناةٌ لغسَّانٍ والأوسِ والخزرجِ، وسُواعٌ لهُذيلٍ، وأما قبيلةُ كُليبٍ في دومةِ الجندلِ فكانت تعبدُ ودًَّا، وكانت قريشٌ تختصُّ دون سائرِ العربِ بالصنمِ الشهيرِ هبَل الذي كان منصوبًا على ظهرِ الكعبةِ، وقد حطَّمَه عليٌّ (ع) يومَ الفتحِ، وثمة صنمٌ يُقالُ له اِسافٌ وآخرُ يُقالُ له نائلةٌ أحدُهما منصوبٌ على جبلِ الصفا والآخرُ على جبلِ المروةِ كانوا يطوَّفونَ بهما، وقد نُسجتْ لكلِّ واحدٍ من هذه الأصنامِ أساطيرُ لا ينقضي العجبُ منها، وكان لهذه الأصنامِ أصنامٌ صغارُ ترمزُ إليها يتَّخذونَها أو يتخذُها بعضُهم في بيوتِهم ويحملونَها معهم في أسفارِهم ويطوفونَ حولَها كلَّما نزلوا يستدرُّون بها الخير ويدفعون بها الأخطار، وأكثرُ هذه الأصنامِ قد ذُكرتْ بأسمائها في القرآنِ الكريمِ في مثل سورةِ نوحٍ، وكذلك في سورةِ النجمِ عندَ قولِه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى / وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى / أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى / تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى / إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾(7) وقد عرَّضَ القرآنُ بما كانوا يفعلونه من الذبحِ على النُصُبِ قربانًا لآلهتِهم، وما كانوا يفعلونَه من الاستقسامِ بالأزلامِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾(8) وقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(9).

وأكثريَّةُ الأكثريَّةِ من العربِ وإنْ كانوا يعبدونَ الأصنامَ لكنَّهم لم يكونوا على مذهبٍ واحدٍ فيها بل كانوا على مذاهبَ شتَّى، فمنهم مَن يرى أنَّها ترمزُ إلى آلهةٍ متعدِّدةٍ يدبِّرُ كلٍّ منها شأنًا من شؤونِ الكونِ، فتدبيرُ الكونِ لا يختصُّ به إلهٌ واحدٌ كما يزعُمونَ، وبعضُهم ذهبَ إلى انَّ الآلهة المتعدِّدة والمدبِّرة قد حلَّت في الأصنام، وبعضُهم ذهبَ إلى أبعدَ من ذلكَ فزعمَ أنَّ الكونَ قد تقاسمَ في خلقِه أكثرُ من إلهٍ، وهؤلاءِ هم الذينَ عناهمُ القرآنُ بقولِه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(10) وقولِه تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(11) ومنهم من يزعمُ أنَّ هذه الآلهةَ المتعدِّدةَ ليست سوى ذرائعَ وشفعاءَ إلى اللهِ تعالى، وهؤلاءِ هم الذينَ عناهم القرآنُ بمثلِ قولِه تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى﴾(12).

وكان في العربِ أقليَّةٌ ظاهرًا يعبدونَ الجنَّ، وبعضُهم كانَ يعبدُ الملائكةَ، وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ لكلا الطائفتينِ بقولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ / قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾(13) ولعلَّ هؤلاءِ الذين كانوا يعبدونَ الملائكةَ والجنَّ هم عبدةُ الأصنامِ ذاتُهم، وكان الجنُّ والملائكةُ هم ضمنَ مَن يعبدونَهم ويعتقدونَهم شركاءَ للهِ تعالى كما ربَّما يظهرُ ذلك من قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾(14) وكانوا أو كانَ بعضُهم يعتقدُ أنَّ الملائكةَ إناثٌ وأنَّهم بناتُ اللهِ كما أفاد ذلك القرآنُ في أكثرِ من موضعٍ كقولِه تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ / أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ / أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ / وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ / أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾(15).

وكان بعضُهم يعبدونَ الشمسَ والقمرَ كما أشارَ القرآنُ لذلك في سورةِ فُصِّلتْ في آيةِ السجدةِ، ونُسب إلى قبيلةِ خُزاعةَ أنَّها تعبدُ كوكبَ الشعرى أو هو نجمُ الشعرى، ويذكرونَ لذلك أساطيرَ لا مجالَ لعرضِها، وقد عرَّض بهم القرآنُ في قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾(16).

هذا ما كانت عليه أديانُ العربِ في زمنِ المبعثِ النبويِّ الشريفِ وقبلَه، وهذه الفوضى من المعقتدات الرائجة في الوسطِ العربيِّ تكشفُ جليًَّا عن عميقِ الجهلِ الذي كانت تَغرَقُ فيه بلادُ العربِ قبلَ المبعثِ النبويِّ الشريفِ، وأمَّا غيرُ العربِ فلم يكونوا أحسنَ حالًا منهم فيما يتَّصلُ بالشأنِ الدينيِّ، فبلادُ العربِ كانت تتَّصلُ من جهةِ الجنوبِ ببلادِ الحبشةِ، وكان أهلُها من النصارى، وتتَّصلُ من جهةِ المغربِ بالإمبراطوريَّةِ الرومانيَّةِ، وكان أهلُها مِن النصارى أيضًا، وتتَّصلُ من جهةِ الشمال بالإمبراطوريَّة الفارسيَّةِ وكانوا من المجوسِ، وكانت مصرُ وثنيَّةً وكانتِ الهندُ الكبرى وثنيَّةً، والواقعُ انَّ الامبراطوريَّةَ الفارسيَّةَ وكذلك الرومانيَّةَ كانتا وثنيتينِ، فالمجوسُ -بعد انحرافِهم المبكِّرِ- وهم أو ومنهم أتباعُ الديانةِ الزرادشتيَّةِ يعتقدونِ بإلهينِ اثنينِ إلهٍ للخيرِ والنورِ وإلهٍ آخرَ للشرِّ والظلمةِ، ويُقدِّسونَ النارَ، وهي من رسومِ طقوسِهم في معابدِهم، وهم على مذاهبَ شتَّى متشعِّبةٍ، والرومانُ وكذلك أهلُ الحبشةِ كانوا يعتقدونَ ببنوَّةَ المسيحِ للهِ تعالى، ويؤمنونَ أو يؤمنُ أكثرهم بالثالوثِ وهم على مذاهبَ شتى تشتركُ جميعًا في اعتبارِ المسيحِ صنمًا يُعبدُ كما أشار لذلك القرآنُ الكريمُ في أكثرَ من موضعٍ كقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾(17) ولذلك كانَ الرسولُ (ص) يدعوهم للتوحيدِ ونبذِ الشركِ كما كان يدعو العربَ لذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(18).

فكلُّ مَن في الأرضِ زمنَ المبعثِ النبويِّ الشريفِ إلا من رحمَ اللهُ كانوا وثنيينَ غارقينَ في الشركِ والضلالةِ، وقد وصفَ القرآنَ أهلَ الأرضِ زمنَ المبعثِ وصفًا دقيقًا جامعًا بقولِه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾(19).

وقد أجمل أميرُ المؤمنينَ ما كان عليه أهلُ الأرضِ من حيرةٍ وضلالٍ زمنَ المبعثِ النبويِّ الشريف بقوله: "إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه سُبْحَانَه مُحَمَّدًا، رَسُولَ اللَّه (ص) .. وأَهْلُ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه لِلَّه بِخَلْقِه أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِه، أَوْ مُشِيرٍ إلى غَيْرِه، فَهَدَاهُمْ بِه مِنَ الضَّلَالَةِ وأَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِه مِنَ الْجَهَالَةِ .."(20).

ونستكمل الحديثَ فيما بعد إن شاء الله تعالى.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ / وَالْعَصْرِ / إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ / إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(21) 

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

28 من رجب 1437هـ - الموافق 06 مايو 2016م

جامع الإمام الصّادق عليه السّلام - الدّراز


1- سورة الفتح / 26.

2- سورة آل عمران / 154.

3- سورة المائدة / 50.

4- سورة الأحزاب / 33.

5- سورة الفرقان / 63.

6- سورة الجاثية / 24.

7- سورة النجم / 19-23.

8- سورة المائدة / 3.

9- سورة المائدة / 90.

10- سورة الأنبياء / 22.

11- سورة المؤمنون / 91.

12- سورة الزمر / 3.

13- سورة سبأ / 40-41.

14- سورة الأنعام / 100.

15- سورة الصافات / 149-153.

16- سورة النجم / 49.

17- سورة المائدة / 116.

18- سورة آل عمران / 64.

19- سورة الأنعام / 116.

20- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ج1 / ص25.

21- سورة العصر / 1-3.