العقل أساس النقل

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

قالوا إنَّ الدليل العقلي مقدَّمٌ على ظواهر النصوص، ومن مناشئ ذلك كما قيل هو أنَّ تقديم النقل على الدليل العقلي يهدم أساس النقل، فما هو الوجه في ذلك؟ ولماذا لا يُلتزم بالتفصيل فيُقدَّم العقل على النقل في مثل التوحيد والنبوة، ويُقدَّم النقل على العقل في غيرها لأنَّ تقديم النقل في ذلك لا يستلزم هدم أساس النقل.

الجواب:

المراد من الدليل العقلي هو القطعي وليس الظنِّي، والدليل العقلي القطعي لا يُعارضه النقل أبدًا إلا بدْوًا، وذلك لأنَّ الدليل النقلي لا يخلو إما أنْ يكون ظنِّي الصدور أو ظنِّي الدلالة.

فإنْ كان الدليل النقلي ظنِّيَّ الصدور فقيام الدليل العقلي القطعي على خلافه يكون مانعًا من الوثوق بصدوره، فلا تكون للدليل النقلي في هذا الفرض حجيَّة بل إنَّ الدليل القطعي يُوجب القطع بعدم صدور الدليل النقلي المنافي لمقتضى الدليل العقلي القطعي، وهذا معناه أنَّه لا يُوجد في البين دليلٌ نقلي، والموجود إنَّما هو كلام مقطوع الكذب على الله ورسوله (ص)، والمقطوع الكذب لا يُعارض الدليل العقلي كما هو واضح.

فلو دلَّ خبرُ الواحد -والذي هو ظنِّيُّ الصدور- على أنَّ الله تعالى جسمٌ أو متحيِّز أو في جهة فإنَّ مثل هذا الخبر المنسوب للرسول (ص) لمَّا كان منافيًا لمقتضى الدليل العقلي القطعي فإنَّه يكون مانعًا من الوثوق بصدوره عن الرسول (ص) بل إنَّ الدليل العقلي القطعي يكون موجبًا للقطع بعدم صدوره وأنَّه مكذوبٌ على الرسول (ص) وحينئذٍ لا يصلح لمعارضة الدليل العقلي كما هو واضح.

ولو كان الدليل النقلي ظنِّي الدلالة فإنَّ مباينته لمقتضى الدليل العقلي يكون مانعًا عن انعقاد ظهورٍ له فيما يُنافي دليل العقل القطعي أي أنَّ الدليل العقلي يسلب عن الدليل النقلي الوثوق بإرادة المعنى المنافي للعقل، وإذا لم يكن للدليل النقلي ظهورٌ في المعنى المنافي لدليل العقل فمن أين تثبت له الحجيَّة؟!

بل إنَّ مباينة الدليل العقلي القطعي لما هو المستظهَر بدْوًا من الدليل النقلي يُوجب القطع بعدم إرادة النص لهذا المعنى المستظهَر بدوًا، وحينئذٍ كيف تثبت له الحجيَّة رغم القطع بأنَّه غير مرادٍ من النص.

فلو ورد نصٌّ ظاهرٌ بدْوًا في أنَّ الله تعالى قابلٌ للرؤية فإنَّ هذا النص حتى وإنْ كان قطعيَ الصدور لا ينعقد له ظهورٌ جدِّي في المعنى المنافي للدليل العقلي القطعي، لأنَّ اقتضاء العقل القطعي لاستحالة الرؤية لله جلَّ وعلا يمنع من الوثوق بإرادة هذا المعنى بل يُوجب الجزم بعدم إرادته فيكون الدليل العقلي إما مقتضيًا لانعقاد ظهورٍ النص في معنًى آخر أو مقتضيًا لإجمال النص.

والمتحصَّل أنَّه لا يثبت صدور ولا ينعقد ظهور لدليل نقليٍّ فيما يُنافي الدليل العقلي القطعي، وهذا هو معنى أنَّ الدليل العقلي القطعي لا يُعارضه الدليل النقلي أبدًا.

وأمَّا فرض أنَّ الدليل النقلي قطعيُّ الصدور والدلالة فإنَّ هذا الفرض لا يتَّفق له المنافاة للدليل العقلي القطعي لأنَّ العقل إذا قطع باستحالة أمرٍ مثلا فإنَّه يقطع بأنَّ المعنى المستلزِم للاستحالة غير مرادٍ من النص جزمًا، فلا يكون الدليل النقلي قطعيَ الدلالة على أمرٍ منافٍ لما يُدركه العقل القطعي.

فلو فُرض أنَّ القرآن وهو قطعي الصدور كان صريحًا في أنَّ الله تعالى جسم أو كان الخبر المتواتر صريحًا في ذلك فإنَّ قيام الدليل العقلي القطعي على استحالة الجسمية لله تعالى تقتضي القطع بعدم إرادة هذا المعنى، وبذلك لا يكون هذا النصُّ قطعيَ الدلالة وإنْ تَوهَّم صراحتَه العاجزُ عن إدراك الدليل العقلي القطعي، وهذا القاطع بالدلالة تُصبح الدلالة عنده وهمًا بمجرَّد الالتفات إلى الدليل العقلي القطعي، فقطعُه إنَّما نشأ عن عدم التفاته إلى المُدرَك العقلي والذي هو دخيلٌ في الكشف عن مراد النص، بمعنى أنَّ الكشف عن المراد يعتمد عددًا من العناصر أحدها عدم المنافاة للمُدرَك العقلي القطعي، فلا يكفي للحكم على نصٍّ من النصوص بالصراحة لمجرَّد الملاحظة لمثل الأوضاع اللغوية والتركيب اللفظي، فإنَّ ذلك لا يكشف كشفًا قطعيًا عن المراد الجدِّي للنص والذي هو مدار الحجيَّة والدليليَّة للنص، فلأنَّ دليليَّة النص تنشأ عن كشفه للمراد الجدِّي للنص لذلك لا يكون النصُّ دليلًا على معنى إذا لم نُحرز إرادته من النصِّ فضلًا عمَّا لو أحرزنا عدم إرادة ذلك المعنى من النص.

وبما ذكرناه يتَّضح أنَّ الدليل العقلي لا يُعارضه الدليل النقلي أبدًا، وفي كل مورد أوهم المباينة بين الدليل النقلي والدليل العقلي القطعي فإنَّ هذه المباينة تكون مقتضية لنفي دليليَّة الدليل النقلي وأنَّ هذا الدليل ليس دليلًا نقليًا واقعًا، فهو إمَّا مكذوب أو أنَّ المعنى المباين للمُدرَك العقلي غيرُ مرادٍ من النقل.

ولو استقام الدليل النقلي مع قيام الدليل العقلي على نقيضه لكان معنى ذلك امكانية أنْ لا يثبت دليلٌ عقلي أصلًا حتى في اصول العقيدة، لأنَّه إذا صحَّ التشكيك أو النفي للدليل العقلي القطعي في موردٍ فما الذي يمنع من التشكيك أو النفي في موردٍ آخر؟! وهذا هو منشأ ما يُقال من أنَّ تقديم الدليل النقلي على الدليل العقلي القطعي يهدم أساس النقل.

فالدليل النقلي إنَّما ثبتت له الحجيَّة لأنَّه صادر عن الله تعالى والذي هو عالم بحقائق الأمور على ما هي عليه واقعًا والذي له كذلك حقُّ الطاعة على العباد، وهذا إنَّما يتم بواسطة الدليل العقلي القطعي، وكذلك فإنَّ إثبات الصدور عن الله تعالى إنَّما ثبت بواسطة الدليل العقلي، فالنبوة التي هي طريق الوصول إلى ما يصدر عن الله تعالى إنَّما تثبت بالدليل العقلي، وكذلك فإنَّ وسيلة الوصول وهو التواتر مثلًا إلى ما صدر عن الرسول (ص) يثبت من طريق العقل.

فأساس النقل هو حجيَّة ما يُدركه العقل القطعي، ومدركات العقل القطعي لها شأنٌ واحد لا يتثنَّى، فإما أنْ تكون موصلة للواقع دائمًا أو لا تكون موصلة للواقع، فإذا لم تكن موصلة للواقع انهدم أساس النقل فلا تكون له حجيَّة أصلًا، وإذا كانت موصلة للواقع في أصول العقيدة فهي موصلة في كلِّ موردٍ يكون للعقل فيه إراءة للواقع.

فحقيقة الدليل العقلي القطعي هي الإراءة التامة للواقع، فإذا صحَّ التشكيك أو النفي لواقعيَّة هذه الإراءة للواقع في موردٍ فما الذي يمنع من التشكيك في صدقية الإراءة في موردٍ آخر، وإذا كان البناء هو التشكيك في إراءة العقل القطعي للواقع في كلِّ مورد انهدم أساس النقل بل وانهدم كلُّ شيء وصرنا إلى مذهب السفسطة. 

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور