حديثٌ حول مصحف فاطمة (ع)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهً إِلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ (ص).

عبادَ اللهِ اتّقوا اللهَ، وتفكّروا، واعمَلوا لِما خُلقتم له، فإنّ اللهَ لم يخلقْكم عبثاً، ولم يترككم سُدى، قد عرّفكم نفسَه، وبعثَ إليكم رسولَه (ص)، وأنزَلَ عليكم كتابَه، فيه حلالُه وحرامُه، وحُججُه وأمثالُه، فاتّقوا اللهَ ما استطعتُم، فإنَّه لا قوّةَ إلاّ باللهِ، ولا تُكلانَ إلاّ عليْهِ، وصلّى اللهُ على محمَّدٍ نبيِّه وآلِه.

أحسن الله عزاءكم بمُصابِكم بسيدةِ نساءِ العالمينَ (ع) ونستثمرُ هذه المناسبةَ الجليلةَ لنْتحدَّثَ حولَ موضوعٍ طالما كان مثاراً للجدلِ وهو (مصحفُ فاطمة) عليها أفضل الصلاة، وأتمُّ التسليمِ.

مصحف فاطمة (ع) ليس فيه شيء من القرآن:

فلقد اتَّخذَ بعضُهم من هذا العنوانِ مَدخلاً للطعنِ على الشيعةِ حيثُ ادَّعوا -بعلمٍ، أو بغيرِ علمٍ- أنَّ لنا قُرآناً غيرَ قرآنِ بقيةِ المسلمين، وهو: مصحفُ فاطمة! وقد بُحَّ صوتُ علمائِنا، وعجَّت كتبُ أسلافِنا والمعاصرينَ من العلماءِ بالإيضاحِ والتأكيدِ على أنَّ مِصحفَ فاطمةَ (ع) كتابٌ ليس من القرآنِ في شيءٍ، ولا يشتملُ على شيءٍ من القرآنِ، وانَّ القرآنَ الذي نؤمنُ به وبعصمتِه من التحريفِ والزيادةِ والنقصانِ هو الذي في مساجدنا وفي أيدينا وفي أيدي سائرِ المسلمين، وإنَّ من ادَّعى علينا غيرَ ذلك فهو مفترٍ وظالمٌ أو جاهلٌ قد لُبِّس عليه، فقرآنُ اللهِ تعالى الذي بين يدي المسلمينَ والذي يبدأُ بسورةِ الفاتحةِ وينتهي بسورةِ الناسِ لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا مِن خلفِه، فهو معصومٌ عن التحريفِ، معصومٌ عن أنْ يُزاد عليه، ومعصومٌ عن أن يُحذف منه شيءٌ؛ فهو محفوظٌ بحفظِ اللهِ عزَّ وجلَّ حيثُ قال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(1) هذا ما يُؤمنُ به علماؤنا، وهذا ما تُؤمنُ به الشيعةُ قاطبة.

الفِريةُ قديمة:

أما مصحفُ فاطمةَ (ع) فله شأنٌ آخر، فمصحفُ فاطمةَ -كما أفادَ أهلُ البيت (ع)- هو كتابٌ من خطِّ عليٍّ (ع) بحجمِ كتابِ الله ثلاثَ مراتٍ، وليس مشتملاً على شيءٍ من كتابٌ الله كما أفاد أبو عبداللهِ الصادقُ (ع)، فهو ليس قرآناً .. وتَصدِّي الإمامِ الصادقِ (ع) لبيانِ ذلك يعبِّرُ عن أنَّ هذه الفِرية قد رُوِّج لها منذُ زمنٍ قديم، من أيامِ الأئمةِ (ع)، ولذلك تصدَّى أئمةُ أهلِ البيتِ (ع) لتفنيدِ هذه الفِريةِ، فقال أبو عبدالله (ع) "نَّ" مصحفَ فاطمةَ ما فيه آيةٌ من كتاب الله .."(2).

فصول كتاب فاطمة (مصحف فاطمة (ع)):

إذن، فمصحفُ فاطمة (ع) إنَّما هو كتابٌ، ونستطيعُ القولَ بأنَّه مشتملٌ على ثلاثةِ فصولٍ بمقتضى ما أفادتْه الرواياتُ المعتبرةُ:

الفصل الأول: ما أملاه رسول الله (ص)

كان بإملاءِ رسولِ اللهِ (ص)، وخطِّ عليِّ بن أبي طالب (ع)، ونُسبَ للسيدةِ فاطمةَ (ع) تشريفاً، ولأنَّه كُتبَ للسيدةِ فاطمةَ (ع) كتبَه عليٌّ (ع) بإملاءِ رسولِ الله (ص). هذا هو الفصلُ الأولُ من كتابِ مصحفِ فاطمةَ (ع)

الفصل الثاني: وصيَّة فاطمة (ع)

وأما الفصلُ الثاني من فصولِ مصحفِ فاطمةَ (ع)، فكان مشتملاً على وصيّةِ فاطمةَ (ع)، فقد أفادتْ بعضُ الرواياتِ بأنَّ مصحفَ فاطمةَ (ع) قد تضمَّن وصيةَ فاطمة(ع).

الفصل الثالث: ما أملاه الملك:

وأما الفصلُ الثالثُ فكَتبَه عليٌّ (ع) بعد رحيلِ رسولِ الله (ص)، وكان بإملاء الملَك الذي كان يُحدِّثُ فاطمةَ (ع) بعد وفاةِ رسولِ الله (ص). فقد نصتْ العديدُ من الرواياتِ أنَّ ملَكاً كان يأتي فاطمةَ (ع) فيحدِّثُها بعد رحيل رسول الله (ص)، ويُواسيها، ويُسلِّيها بمصابِها بأبيها، وكان يُحدِّثها بمقامِ رسولِ الله (ص)، وبمآله بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى، وبالمحلِّ الذي هو فيه وعن موقعه في الملكوتِ الأعلى وفي جنان الله -عزّ اسمه وتقدّس-، فيسلِّيها بذلك

هذه هي مضامينُ، أو بعضُ مضامينِ ما كان يتحدّثُ به الملَكُ مع فاطمةَ (ع). فكانت فاطمةُ هي المُحدَّثة في هذه الواقعة، وكان عليٌّ (ع) يكتب ما تُحدِّثُ به الملائكةُ -أو الملَك-. فهذا الفصلُ من الكتاب كان من حديثِ الملَك وخطِّ عليِّ بن أبي طالب (ع) هذا من جهة فصولِ الكتاب، ومن كَتَبه، وبإملاء مَنْ.

مضامين المصحف:

وأما مضامينُ هذا الكتابِ فقد أشارتْ الرواياتُ إلى عددٍ من المضامينِ، منها:

اشتمالُه على تاريخِ الرسالاتِ:

هو يتضمنُ تاريخَ الأنبياءِ: كآدم (ع)، ونوحٍ، وموسى، وعيسى، وما وقعَ لهم، وما حدثَ لهم مع أقوامِهم. كما أنَّه مشتملٌ على كثيرٍ من المغيَّبات التي سوف تقعُ في مستقبلِ الزمان.

أحوال رسول الله (ص):

وكذلك هو مشتملٌ على بيانِ مقاماتِ رسول الله (ص) في الملأ الأعلى، وفي الجنانِ وما حباهُ اللهُ عز وجل من الكرامةِ عنده، واشتملَ مصحفُ فاطمة (ع) على مضامينَ أخرى، وهي الحِكَم، والمواعظ، والأمثال، وغيرها مما لو اطلع عليه أحدٌ لأنتفع به.

تفاصيل الأحكام الشرعية:

وثمَّة رواياتٌ فيها ما هو معتبَرٌ سنداً أفادتْ بأنَّ مصحفَ فاطمةَ (ع) اشتمل على ما يحتاجُه الناسُ من أحكامٍ شرعيةٍ في مختلفِ شئونِهم من عباداتٍ ومعاملاتٍ والأحكامِ المرتبطةِ بالحدودِ والديات، وحتى أرشِ الخدشِ، والجلدةِ ونصفِ الجلدة، فهو مشتملٌ على تفاصيلِ التفاصيلِ من الأحكام الشرعية، هذا ما يرتبط بمضامينِ مصحفِ فاطمة (ع).

أما لماذا سُمِّي مصحفا؟

فالجوابُ واضحٌ، هو أنَّ المِصحفَ -كما أفاد اللغويُّونَ- اسمٌ للمجتَمِع من الصحائفِ، فإذا جمَعنا عدداً من صحائفَ بعضَها إلى بعضٍ، فإنَّه يتألَّف من مجموعِها ما يسمَّى في اللغة بالمِصحف. ولكنْ بعد زمنٍ أصبحَ اسمُ المصحفِ إذا أُطلقَ دونَ قرينةٍ أو اضافةٍ ينصرفُ إلى القرآنِ الكريمِ، إلا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ اسمَ المصحفِ لا يطلقُ في لسانِ العربِ على غير القرآن، فاسمُ المصحفِ يُطلقُ في اللغةِ على كلِّ كتابٍ، فكلُّ كتابٍ فهو مصحفٌ خصوصاً إذا أضيفَ إلى ما يمنعُ من توهُّمِ إرادة القرآنِ منه، هذا هو منشأُ تسميةِ كتابِ فاطمةَ بمصحفِ فاطمة (ع)، وقد أكدَّت الرواياتُ المتظافرةُ على ذلك.

إشكالان:

ثمَّة إشكالان: هما منشأُ الجدل بيننا وبينَ الآخرين:

الإشكالُ الأول: هل إنّ مصحف فاطمة (ع) قرآن آخر؟

هو ما توهَّمه بعضُهم من أنَّ مِصحفَ فاطمةَ (ع) هو قرآنٌ آخر غيرُ قرآنِ المسلمينَ الذي نزلَ على قلبِ رسولِ اللهِ (ص).

الجواب:

فلأنَّ هؤلاءِ قد توهَّموا، أو أرادوا أن يُوهِموا الغافلينَ من الناسِ بذلك، لهذا صار هذا الاسمُ مُستوحَشَاً عند المسلمين، فحينَ يسمعونَ بأنَّ ثمة مصحفاً يُسمَّى بمصحفِ فاطمةَ (ع) يتوهَّمون نتيجةَ إيهامِ الآخرين لهم أنَّه قرآنٌ والحال أنَّ الأمرَ ليس كذلك قطعاً، فمصحفُ فاطمةَ كتابٌ كسائرِ الكتبِ، غايتُه أنَّ هذا الكتابَ كانت بعضُ فصولِه مُتلقَّاةً بواسطةِ حديثِ الملائكةِ، إلا أنَّه لم يكنْ قرآناً كما صرَّحَ بذلك أبو عبداللهِ الصادقِ (ع) بل ليس فيه شيءٌ من القرآنِ كما أفادَ (ع).

إنَّ القرآنَ الذي نؤمنُ به، وبعصمتِه، وبأنَّه الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديِه ولا من خلفِه، وأنَّه لا يُزادُ عليه، ولا ينقصُ منه شيءٌ هو القرآنُ الذي بيدِ المسلمينَ، وهو الذي يبدأُ بسورةِ الفاتحةِ، وينتهي بسورةِ الناسِ، هذا هو قرآنُنا الذي نتلوه ليلَ ونهار، والذي نتعبّدُ بقراءتِه وتلاوتِه في الصلاةِ وفي خلواتِنا ومحافلنِا. فإذن، هذا الإشكالُ منتفٍ.

الإشكال الثاني: كيف تحدثها الملائكة وهي ليست نبياًّ؟

والاشكالُ الآخرُ الذي أثاره البعضُ -وهو اشكالٌ متأخِّر- هو انَّه كيف يتسنَّى لفاطمةَ (ع) أن تُحدَّثَ من قبلِ الملائكةِ وهي لم تكن نبيَّاً ؟!

مقدمة الجواب:

وقبل أنْ نجيبَ عن هذا الإشكال نذكرُ بعضَ الرواياتِ التي أفادتْ أنَّ فاطمة كانت محدَّثة وأنَّ مصحفَها قد كُتبَ بعضُه بإملاءِ الملك، وخطِّ عليٍّ (ع):

الروايات التي تثبت أنها كانت مُحدَّثة:

فمن ذلك ما أورده الطبري في دلائلِ الإمامةِ وكذلك الصدوقُ في العللِ بسندٍ متَّصل عن عيسى بن زيدِ بن عليٍّ، قال: سمعتُ أبا عبدالله (ع) يقول: "سُمِّيتْ فاطمةُ مُحدَّثة؛ لأنَّ الملائكةَ كانتْ تهبطُ من السماءِ فتناديها كما كانت تُنادي مريمَ ابنةَ عمرانَ "(3).

ومنه ما أورده الكلينيُّ بسندٍ صحيحٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سُئل أَبَو عَبْدِ اللَّهِ (ع) عن مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (ع): إِنَّ فَاطِمَةَ مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه (ص) خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا، وكَانَ جَبْرَئِيلُ (ع) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا، ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه، ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا وكَانَ عَلِيٌّ (ع) يَكْتُبُ ذَلِكَ فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (ع)"(4).

فالإمامُ أشار في هذه الروايةِ الشريفةِ إلى بعضِ فصول هذا المصحفِ، فأفاد أنَّه مشتملٌ على ما كان يُحدِّثُ به جبرئيلُ فاطمةَ عن رسولِ الله (ص)، وعن مقامِه، وعن درجتِه، وعن المحلِّ الذي تبوأَه عند ربِّه بعد رحيله كما أنَّه مشتمِلٌ على التعزيةِ والتسليةِ لفاطمةَ بفقد لأبيها، والتعزيةُ والتسليةُ إنَّما تكون بالموعظةِ، وبيانِ بعضِ الحكَمِ والأمثالِ.

والإشكالُ الذي أُثيرَ حولَ تحديثِ الملائكةِ لفاطمةَ، منشأُه أنَّ فاطمةَ لم تكن نبيَّاًّ، فكيف حُدِّثت؟

والجواب عن هذا الإشكال واضحُ، ونعرضُه في أمور:

الأمر الأول: فاطمة (ع) ليست أول امرأة حدّثتها الملائكة!

انَّه ليس ثمَّة ما يمنعُ من أنْ تُحدِّثَ الملائكةُ غيرَ الأنبياءِ، وقد أكَّدَ القرآنُ ذلك في آياتٍ عديدةٍ:

السيدة مريم المُحدَّثة:

فمريمُ ابنةُ عمران (ع) لم تكن نبيَّاًّ بإجماعِ المسلمين، بل وبإجماعِ أهلِ الكتاب، ولم ينكر أحدٌ يؤمنُ بالقرآن أنَّ مريم (ع) كانت تُحدَّثُ من قِبل الملائكة؟! فلقد صرَّح القرآنُ بذلك، فلا يسع من أحد مسلم أنْ يتنكر لهذه الحقيقة بعد صرَّح بها القرآن في آيات عديدة وأفاد بأنَّ مريمَ كانت محدَّثة، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ -المخاطِبون هم الملائكة والمخاطَب هي مريم-، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ / وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(5). فهم قد خاطبوا مريم، ولم يخاطبوها بالتحيَّةِ وحسب، وإنَّما أنبؤوها عن أمورٍ هي من مكنون الغيبِ، فقالوا لها إنَّك ستلدينَ ولداً ذكراً اسمُه المسيحُ عيسى بنُ مريم، وسوفَ يكونُ وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرَّبينَ، وسوف يُحدِّثُ الناسَ وهو في المهدِ، وسوف يمتدُّ به العمرُ فيُصبحُ كهلاً، وكلُّ هذه من أنباءِ الغيبِ التي لم تكن قد وقعتْ، وقد أخبرتْ بها الملائكةُ مريم (ع) مشافهةً رغم أنَّها لم تكن نبيَّاّ، وآياتٌ أخرى أيضاً أفادتْ هذا المعنى: منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾(6).

السيدة سارة أيضاً:

وثمَّة امرأةٌ أخرى حدَّثتها الملائكةُ ولم تكن نبيَّاًّ، وهي السيدةُ سارةُ -زوجةُ الخليلِ إبراهيمَ (ع) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ / فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾(7) وفي هذه الواقعة كانت زوجتُه سارة معه ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا﴾(8) البشارة جاءت بواسطة الملائكة، ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ / قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ / قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾(9). الملائكة حدَّثت السيدةَ سارة، وبأيِّ شيء حدَّثتها؟ حدثتها بمكنونِ الغيب، فأخبرتْها عن مغيباتٍ تقعُ في مستقبلِ الزمانِ، إذ أخبرتها ملائكة اللهِ بأنَّها ستلدُ ذكراً رغم انَّها كانت عجوزاً، فهي قد أخبرتها عن كرامةٍ سيمنحُها اللهُ تعالى إيَّاها، والمرأةُ قد تلدُ ذكراً، وربما تلدُ أنثى ولكنَّ الملائكة أخبرتها بأنها ستلدُ ذكراً-، وإسمه إسحاق، ثم يُولدُ لإسحاقَ ولدٌ ذكرٌ اسمُه يعقوب، فهو أيضاً إخبارٌ بالغيبِ أخبرَ به الملائكةُ امرأةً لم تكنْ نبيَّاًّ.

أتستكثرون ذلك على سيدة نساء العالمين؟!

فلماذا نستكثرُ على فاطمةَ (ع) أن تُحدِّثَها الملائكة؟! ألم تكنْ فاطمةُ أفضلَ من السيدةِ سارة، بل ومن السيدةِ مريم؟ فقد أفادت الصحاحُ -الواردة من طرقِ العامَّة فضلاً عن طرقنا- أنَّ مريمَ كانت سيدةَ نساءِ عالمِها، وفاطمةُ سيدةُ نساءِ العالمينَ من الأولينَ والآخرينَ، وأنَّ فاطمةَ -كما في المُستدركِ على الصحيحين وغيرِه- سيدةُ نساءِ أهل الجنة أليست مريم من أهلِ في الجنة؟! إذن، ففاطمةُ سيدتُها. فلِمَ لا تستكثرونَ على مريمَ أنْ تحدِّثها الملائكةُ وتستكثرونَ على بنت محمدٍ (ص)؟!.

الأمر الثاني: إنَّ تحديثَ الملائكةِ لغيرِ الأنبياءِ قد نصَّت عليه الكثيرُ من الرواياتِ الصحيحةِ الواردةِ من طُرقِ العامَّةِ:

فمن ذلك ما أورده البخاريُّ في صحيحِه بسنده عن أبي هريرةَ عن النبيِّ (ص) قال: إنَّه قد كان فيما مضى قبلَكم من الأممِ مُحدَّثون .."(10) النسائي في الفضائل

ومنه ما أوردَهُ مسلمٌ في صحيحِه بسندِه أبي سلمةَ عن عائشةَ عن النبيِّ (ص) أنَّه كان يقولُ: "قد كان في الأممِ قبلَكم مُحدَّثون .."(11) وأخرجه الترمذي في سُننِه والنسائيُّ في الفضائل وفي السُننِ الكبرى وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه وغيرهم.

وقال ابنُ عبد البَرِّ في الاستذكار: "وقد روي عن النبيِّ (ص) من طُرقٍ حسانٍ أنَّه قال: "سيكونُ في أُمتي محدَّثونَ .."(12) فوجودُ المُحدَّثينَ لا تختصُّ به الأممُ السابقةُ بل ثمة محدَّثون في أمةِ الرسولِ (ص) بمقتضى هذا النصِّ المعتَبَر.

وهناكَ رواياتٌ أُخرى كثيرةٌ وردتْ عن الرسولِ (ص) من طُرقِ العامَّةِ تَصلحُ للنقضِ على مَن أنكرَ تحديثَ الملائكةِ لغيرِ الأنبياءِ (ع)

مَلَك يُعلِّم حذيفة ابن اليماني!

فمن ذلك ما أخرجَه أحمدُ بنُ حنبل في كتابِه المسندِ، عن حذيفةَ بنِ اليماني -وهو أحدُ الصحابةِ الأجلاءِ -، قال: "بينما أنا أُصلِّي -حذيفة يُخبر- بينما أنا أُصلِّي، إذ سمعتُ متكلمِّا يقول: "اللهمَّ لكَ الحمدُ كلُّه، ولكَ المُلكُ كلُّه، بيدكَ الخيرُ كلُّه، إليكَ يرجعُ الأمرُ كلُّه، علانيتُه وسرُّه، فأهلٌ أنْ تُحمدَ، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ". يقول حذيفةُ: فحفظتُه، وجئتُ إلى رسولِ اللهِ (ص)، وحكيتُ له الأمرَ، فقلتُ له: بينا أنا كنتُ أصلِّي، سمعتُ أحداً لم أره يقولُ ذلك. -فأيُّ شيءٍ قال الرسولُ (ص)؟ كما يروي أحمد بن حنبل في مسنده-، فقال النبي (ص): "ذاك مَلَكٌ، أتاك يُعلمُّك تحميد ربك"(13).

فلمَ تقبلونَ على حذيفةَ بن اليماني أنْ تُحدِّثه الملائكة وتعلِّمُه، ولا تقبلونَ على فاطمةَ (ع)، ولا تقبلونَ على عليّ (ع) أنه تُحدِّثه الملائكة؟! -وهذه الرواية لا يختصُّ أحمد بن حنبل بإخراجها، بل أخرجها العديدُ من المحدثين-.

وقد تظافر النقلُ من قبل المحدِّثين ورجال الجرح والتعديلِ أنَّ عمرانَ بنَ الحصينِ أحدَ الصحابة كان ممَّن يسلِّم عليه الملائكة مشافهةً وذكر ابن سعدٍ في الطبقاتِ يروي عن قتادةَ، قال: "إنَّ الملائكةَ تُصافح عمرانَ بن الحصين"(14). وذكر النووي في المجموع قال: "كانت الملائكةُ تُسلِّم عليه"(15)، و"كان يرى الحفَظةَ"(16) كما نقل ابنُ حجرٍ في الإصابة وغيرُه, يعني يرى الملكين الذين يكتبانِ ما يفعلُه الإنسان ويلفظه! فعمرانُ بن الحصين كان يرى الملائكة ويحادثهم ويحادثونه!!

ومما أورده العامَّة في طرقِهم ما أخرجَه الحاكمُ النيسابوريُّ وغيره بسندٍ صحَّحه عن جابرِ الأنصاري قال: لما تُوفي رسولُ الله (ص) عزَّتهم الملائكةُ، يسمعون الحسَّ ولا يرون الشخصَ فقالت: السلامُ عليكم أهلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه إنَّ في الله عزاءً من كلِّ مصيبةٍ وخلفاً من كلِّ فائتٍ، فبالله فثقوا وإيَّاه فارجُوا، فإنَّما المحرومُ من حُرمَ الثوابُ، والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه"(17).

عامة الصحابة يرون جبرائيل ويسمعون حديثه!

رواية أخرى يرويها أبو هريرة -وهي مروية في صحيح مسلم، والترمذي، وأبي داوود-، يقول: كنا حول رسول الله (ص)، فجاء أحد وقال: "يا رسول الله، ما هو الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وحده، وبرسله، وكتبه، وملائكته. قال: وما الإسلام؟ قال: الإسلام؛ أن تقيم الصلاة المفروضة، وأن تؤدي الحج، وأن تؤدي الزكاة. ثم سأله أسئلة أخرى، ثم انصرف. بعد أن انصرف قال النبي: اذهبوا في أثره، وآتوني به. يقول: فذهبنا في أثره، فلم نجد شيئا، ولم نجد أحدا، فرجعنا وقلنا: لم ندركه يا رسول الله، فقد ذهب. فقال: أتعرفون من هذا؟ قالوا: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا جبرائيل جاء ليعلِّم الناس دينَهم(18). إذن، ليس كبارُ الصحابةِ -وحدهم- من رأى جبرائيلَ، بل حتى عموم الناسِ رأوا جبرائيل، وسمعوا كلامَه، إلَّا فاطمة، فلا يمكن أن يُحدِّثَها جبرئيلُ، فهل هي أقلُّ شأناً من أقلِّ الصحابةِ!!.

الخلاصة:

هذه مجموعة من الروايات تؤكِّد -ومن طرقهم- على أن الملائكة تحدث، وتصافح، وتلتقي، بغير الأنبياء. إذن، هذا الإشكال أيضا منتف، خصوصا بعد ما تلوناه من آياتٍ عديدة أكَّدت أن هناك من النساء مَن حدَّثتهم الملائكة.

خاتمة: مصحف فاطمة (ع) هو من مصادر علم الأئمة (ع)

نختمُ الحديثَ بإلاشارة إلى أنَّ مصحف فاطمة هو من ودائع النبّوة، وودائع الإمامة .. وإنَّ هذا الكتاب كانَ ينتقل من إمامٍ إلى إمامٍ، وأنَّهم يقرؤونه، وينقلون للمسلمين بعضاً مما ورد من علومه، ومما اشتمل عليه من مضامين -بعضها يرتبط بالمغيبات، وبعضها يرتبط بالوعظ والإرشاد-.

ويُستظهر من بعض الروايات أنَّ فيه الكثير من التفاصيل المتصلة بأحكام الشريعة التي تمَّ التلقِّي لها من قِبلِ الرسول الكريم (ص). فمن ذلك ما رواه الكليني بسندٍ صحيح عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: "إِنَّ عِنْدِي الْجَفْرَ الأَبْيَضَ قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ فِيه؟ قَالَ: زَبُورُ دَاوُدَ، وتَوْرَاةُ مُوسَى، وإِنْجِيلُ عِيسَى، وصُحُفُ إِبْرَاهِيمَ (ع) والْحَلَالُ والْحَرَامُ، ومُصْحَفُ فَاطِمَةَ مَا أَزْعُمُ أَنَّ فِيه قُرْآناً، وفِيه مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْنَا ولَا نَحْتَاجُ إلى أَحَدٍ حَتَّى فِيه الْجَلْدَةُ ونِصْفُ الْجَلْدَةِ، ورُبُعُ الْجَلْدَةِ وأَرْشُ الْخَدْشِ"(19).

ومنها ما رواه محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات بسنده عن علي بن سعيد عن أبي عبدالله (ع) قال: ".. وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله وانه لاملاء رسول الله (ص) وخطَّه عليٌّ (ع) بيده .."(20).

هذه الرواية أفادت بأن مصحف فاطمة كان بإملاء رسول الله (ص)، وهناك رواية أفادت بأن مصحف فاطمة كان من إملاء الملك، وثمَّة راوية أخرى أفادت بأنَّ مصحف فاطمة كان فيه وصية فاطمة (ع). ولا منافاة بين هذه الروايات فقد ذكرنا في صدر الحديث أنَّ مصحف فاطمة قد اشتمل على فصول ثلاثة. فأحد الفصول كان بإملاء رسول الله (ص) وخط عليٍّ (ع) والفصل الثاني كان بإملاء المَلَك وخطِّ عليٍّ والفصل الثالث هو وصية فاطمة (ع).

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ / إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ / فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ / إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾(21)

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

17 من جمادى الأولى 1437هـ  - الموافق 26 فبراير 2016م

جامع الإمام الصّادق (عليه السّلام) - الدّراز


1- سورة الحجر/ 9.

2- بصائر الدرجات -محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار)- ص 173.

3- دلائل الامامة -محمد بن جرير الطبري (الشيعي)- ص 81، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 43 ص 78.

4- الكافي -الشيخ الكليني- ج 1 ص 241.

5- سورة آل عمران / 46.

6- سورة آل عمران / 42.

7- سورة هود / 69-70.

8- سورة هود / 71.

9- سورة هود/71-73.

10- صحيح البخاري -البخاري- ج 4 ص 149.

11- صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج 7 ص 115.

12- الاستذكار -ابن عبد البر- ج 5 ص 124.

13- مسند أحمد -الإمام أحمد بن حنبل- ج 5 ص 396.

14- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج 4 ص 288.

15- المجموع -النووي- ج 6 ص 178.

16- الإصابة -ابن حجر- ج 4 ص 585.

17- المستدرك -لحاكم النيسابوري- ج 3 ص 58.

18- "كان رسول الله (ص) يوما بارزا للناس فاتاه رجل فقال يا رسول الله ما الايمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر قال يا رسول الله ما الاسلام قال الاسلام ان تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان .. ثم ادبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا على الرجل فاخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جبرئيل جاء ليعلم الناس دينهم". صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج 1 ص 30.

19- الكافي -الشيخ الكليني- ج 1 ص 240.

20- بصائر الدرجات -محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار)- ص 173.

21- سورة الكوثر.