حديث حول التَّوبة النَّصوح

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

الحمدُ للهِ الذي رفعَ السماءَ فبناها، وبسَطَ الأرضَ فدحاها، وأثبتَها بالجبالِ فأَرسَاها، وأخرجَ منها ماءَها ومَرعاهَا، الذي تعاظَمَ عن صفاتِ الواصفين، وتَجلَّلَ عن تحبيرِ لغاتِ الناطقين، وجعلَ الجنةَ ثوابَ المتَّقينَ، والنارَ عقابَ الظالمين، وجعل محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) رحمةً للمؤمنين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله كلَّما شهِدَ لَه شاهدٌ، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله أرسلَه بالحقِّ وائتمنَه على الوحيِّ، صلَّى اللهُ عليه وآلِه.

عبادَ الله، أُوصِيكم ونَفْسي بِتقوى الله، فإنَّكم في دارِ أمَلٍ، بينَ حياةٍ وأجل، وصَحَّةٍ وعِلل، دارُ زوالٍ، وتَقلُّبُ أحوالٍ، جُعلتْ سببًا للارتِحال، فرحِمَ اللهُ امرءً قصَّرَ مِن أملِه، وجدَّ في عملِه، وأنفقَ الفضلَ من مالِه، وأمسكَ الفضلَ من قُوَّتِه، فقدَّمه ليومِ فاقتِه. يومَ تُحشرُ فيه الأمواتُ، وتَخشعُ فيه الأصواتُ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾(1).

قال اللهُ تعالى في محكمِ كتابِه المجيدِ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(2).

أولاً: خلوص التوبة:

المرادُ من التوبةِ النصوحِ هو التوبةُ الصادقةُ التي تكون خالصةً لوجهِ الله تعالى، وذلك في مقابلِ مَن يُقلعُ عن الذَّنبِ رياءً وسُمعةً، أو يُقلعُ عن الذنبِ خوفًا، أو حياءً، أو لأيِّ باعثٍ ودافعٍ آخرَ غيرِ وجهِ الله تعالى، فتلك توبةٌ غيرُ نصوحٍ، بل هي ليست توبةً، فالتوبةُ لا تصدقُ إلَّا أنْ تكونَ نصوحًا بهذا المعنى أي خالصةً لوجهِ الله تعالى، والخلوصُ يعني الصفاءَ والنقاءَ، فأنْ يشوبَ القصدَ والنيَّةَ أيُّ شائبةٍ أخرى غيرِ التقرُّبِ والتودُّدِ لله جلَّ وعلا فذلك يُنافي الخلوص.

ثانيًا: التحرِّي عمّا يُحقق التوبة:

وثمة معنىً آخر للنَصوح، وهو أنْ يتحرَّى الإنسانُ كلَّ فعلٍ وسببٍ يقع في سياقِ تحقيقِ الغرض، فإذا كان غرضُه التوبةَ فذلك يقتضي أن يتحرَّى التائبُ كلَّ شيء يُساهمُ في تحقيقِ هذا التوبة، فأنْ يدعيَ التوبةَ أو يرجوها ثم لا يحرصُ على تحصيلِ أسبابها فتوبتُه ليست نصوحًا، فحينَ يقصدُ الإنسانُ التوبةَ، ويعلمُ أنَّ عليه مظالمَ، ثمَّ لا يكترثُ بها ولا يعملُ جادًا على احصائِها وتحديدِها ثمَّ التخلصِ منها بالاعتذار أو بالضمان، فهو ممَّن لم يتُبْ توبةً نصوحًا. ومَن أزمع التوبةَ وعليه فرائضُ -كثيرةٌ أو قليلة- كان قد فوتَّها لإهمالٍ وتفريط، ثمَّ لم يتحرَّ، ولم يسعَ للخروجِ من عُهدة هذه الفرائضِ التي هي على كاهلِه، فتلك توبةٌ غيرُ نَصوح، فالتوبة لا تكونُ نصوحًا إلَّا أن تكون واجدةً لكلا هذينِ العنصرين-وهما الخلوصُ، والتحرِّي- فهما قِوامُ التوبةِ النصوح.

ثالثًا: عدم العودة إلى الذنب:

وثمة معنىً آخرَ للتوبةِ النصوحِ أفاده أهلُ البيت (ع) فقد ورد أنَّ الإمامَ الكاظمَ (ع) سُئلَ عن قولِه تعالى ﴿تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾(3) فقال: "يتوبُ العبدُ ثم لا يرجعُ فيه"(4).

وعليه فمَن تاب ثم عاد، فهو لم يكن قد تاب توبةً نصوحًا بحسبِ الرواية، وهذا الجواب عن معنى التوبةِ النصوح الذي أفادَه الإمام (ع) تعريفٌ للتوبة النصوح بالأثر، أي أنَّ أثرَ التوبةِ النصوح هو أن لا يترتَّبَ عليها عودةٌ إلى الذنبِ.

متى لا يترتب على التوبة عودةٌ إلى الذنب؟

وهذا الأثرُ وهو عدمُ العودةِ إلى الذنبِ لا يتحقَّقُ إلا حينما تكونُ التوبةُ خالصةً لوجهِ الله -جلَّ وعلا-، أما حينما تكونُ خوفًا، فإنَّه حينَ ينتفي الخوفُ يعودُ إلى الذنب، وعندما تكونُ التوبةُ رياءً، فإنَّه سيعودُ إلى الذنبِ حينما لا يكون بمرأىً من الناس، وإذا كان الباعث على التوبةِ هو الحياءِ، فإنَّه حين ينتفي موجبُ الحياء فسوف يعودُ إلى الذنب. وكذلك حينَ تكونُ بواعثُ التوبةِ هو تحصيلَ مكسبٍ أو مصلحةٍ، فهو حينَ لا يظفرُ بتلك المصلحةِ أو ذلك المكسبِ فإنَّه سيعودُ إلى الذنب.

رابعًا: التوبة التي تتحقق فيها أركان معيّنة:

وعرّفَ الامامُ أميرُ المؤمنين (ع) التوبةَ النصوحَ بغيرِ أثرِها، فتصدّى (ع) لبيانِ واقعِ التوبةِ النصوح، وحقيقةِ التوبةِ النصوح، فقال (ع): "التوبةُ ندمٌ بالقلبِ، واستغفارٌ باللسانِ، وتركٌ بالجوارحِ، وإضمارٌ أنْ لا يعود"(5).

تلك هي التوبةُ النصوحُ، ولها أركانٌ أربعة. وأفادت روايةٌ أخرى ركنًا خامسًا للتوبةِ النصوح، فهي مضافًا إلى الندمِ، وتركِ الذنبِ وعقدِ القلبِ على عدمِ العودِ إلى الذنب، والاستغفارِ باللسانِ، فإنَّ ثمة ركنًا خامسًا تقومُ عليه التوبةُ النصوحُ وهو الخروج عن تبعاتِ الذنوبِ التي اقترفَها كالخروج عن المظالمِ التي وقعتْ منه -كما سنوضح ذلك-، تلك هي أركانُ التوبةِ النصوحِ.

التوبة النصوح مقام رفيع يحتاج إلى مقدَّمات

وثمة أمورٌ تكونُ مُمهِّدةً للتوبةِ النصوحِ، فقد لا يتأهلُ الانسانُ للتوبةِ النصوحِ إذا أخفَقَ في التمهيدِ لها، فالتوبةُ مرحلةٌ متقدِّمةٌ ومقامٌ سامٍ عند الله تعالى، ولهذا وصفَ جلَّ وعلا التوَّابينَ بأحبابِه، فقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(6) وورد في الحديثِ الشريفِ عن الإمامِ الباقرِ (ع): "إنَّ اللهَ تعالى أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه، من رجلٍ أضلَّ راحلتَه وزادَه، في ليلةٍ ظلماءَ، فوجدَها"(7).

تأمَّلوا، ما هو حجمُ الفرحةِ وحجمُ الابتهاجِ الذي ينتابُ الإنسانَ حينَ يفقِدُ راحلتَه في ليلةٍ ظلماءَ وعليها زادُه وما يتقوَّتُ به ثمَّ يجدُها؟ فهو بحسبِ تصويرِ الإمام (ع) قد أضلَّ راحلتَه وعليها زادُه في فلاةٍ متراميةِ الأطرافِ، وكان ذلك في ليلةٍ ظلماءَ تبعثُ بطبعِها على الوَحشةِ والخَشيةِ من هوامِّ الأرضِ وعاديةِ السِباع، وهي في ذاتِ الوقتِ تقتضي بنفسِها التِّيهَ وضَلالَ الطريقِ، فإذا انضمَّ إلى ظلمةِ الليل وبُعْدِ المسافةِ ضياعُ الراحلةِ التي لا أمَلَ له في النجاةِ من أخطارِ الطريقِ، ولا قدرةَ له على تجاوزِه دون التوسُّلِ بها فإنَّ رهبتَه من ظلمةِ الليلِ تتعاظمُ وأملَه في النجاة يتضاءلُ، فإذا وَجدَ بعد اليأسِ راحلَتَه، فأيُّ ابتهاجٍ ينتابُه حينذاك؟ وأيُّ فرحٍ يَغمرُه في تلك الساعةِ؟ إنَّ اللهَ تعالى أشدُّ فرحًا بأوبةِ العاصي وتوبتِه من هذا الذي أضاعَ راحلتَه في هذه الظروفِ ثم وجدَها!

ووردَ عن الرسولِ الكريمِ (ص) أنَّه قال: "للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه من ثلاثةٍ: أفرحُ من العقيمِ الوالدِ"(8) عقيمٌ قد يئِسَتْ من الولدِ وتخطَّاها الزمنُ فعمَّقَ من يأسِها فإذا هي حُبلى وإذا بحبلِها يتمخَّضُ عن ولدٍ سويٍّ يَستهلُّ ثم يَدُرجُ بينَ يديها، فأيُّ سعادةٍ تغمرُ هذه العقيم ؟! إنَّ اللهَ تعالى أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه من هذه العقيمِ، وهو تعالى أشدُّ فرحًا من الضَّالِّ الواجد أي الذي أضلَّ راحلتَه وتاهَ عن طريقِه، وبعد أنْ أتلَفَ الغمُّ صوابَه وجدَ راحتلَه واهتدى لطريقِه، فما هو مبلغُ سرورِه وابتهاجِه بما وَجد؟!، والثالثُ هو الظمآنُ الواردُ أي الذي بلغَ به الظمأُ مبلغًا شديدًا، ولا يَجدُ ما يُطفِأُ به ظمأَه، وأمامَه طريقٌ يتعيَّنُ عليه قطعَه، فحين يُصادفُ مثلُه ماءً في طريقِه فإنَّ حجمَ اغتباطِه بما وجدَ يقصرُ عن وصفِه البيانُ، يقولُ الرسولُ الكريمُ (ص) فيما رُوي عنه "لاللهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه من هؤلاءِ الثلاثة"(9).

وفي ذلك تعبيرٌ عن أنَّ التوبةَ مقامٌ شامخٌ ومرتِبةٌ ساميةٌ، ذلك لأنَّ مَن يحظى بها -بمقتضى الآية وهذه الرواياتِ- يكونُ في أحبابِ اللهِ وفيمَّن يبتهجُ اللهُ تعالى بهم. فإذا كانَ ذلك هو مقامَ التوابينَ فبلوغُه لنْ يكونَ ميسورًا بل ولا متاحًا ما لم يتجَّشمِ العبدُ لبلوغِه عناءَ الطريقِ إليه، فثمة عقباتٌ يتعينُ عليه تخطِّيها وحجبٌ تحولُ دون الوصولِ ما لم يعملْ على اختراقِها وتمزيقِها.

المقدَّمات الممهِّدة للتوبة النصوح:

المقدمة الأولى: الاعتراف بالذنب:

فأولُ خطوةٍ في طريقِ التوبةِ هي الاعترافُ بالذنبِ، والاعترافُ بالذنبِ ليس توبةً، ولكَّنه يُوطِّيءُ للتوبةِ، ويُمهِّدُ لها. فعدمُ الإقرارِ الصادقِ بالذنبِ هو أوّلُ -بل لعلَّه أغلظُ- الحجُبِ التي تحولُ بين العبدِ وبين التَّوبةِ، فإذا لم يكنْ يرى أنَّ ما ارتكبَه كان ذنبًا، فكيف يتوبُ منه ؟! وإذا كان لا يرى أنَّ ما فعلَه معصيةٌ فكيف يتوبُ منها ؟! إذن فأولُ خطوةٍ هو الاعترافُ والإقرارُ الصادقُ بأنَّ ما ارتكبَه كان ذنبًا.

يقول الإمامُ الباقرُ (ع) فيما رُوي عنه: "لا واللهِ، ما أرادَ اللهُ تعالى من الناسِ إلَّا خصلتينِ: أن يُقِرّوا له بالنعمِ، فيزيدُهم، وبالذنوبِ فيغفرُها لهم"(10) ومعنى ذلك أنَّ عاقبةَ الإقرارِ بالذنب هي المغفرةُ، فالفاءُ في قولِه "فيغفرُها" هي فاء العاقبةِ ظاهرًا، فالإقرارُ بالذنبٍ ليس توبةً بل لا يثمرُ وحدَه التوبة، وعليه فمفادُ الروايةِ أنَّ الإقرارَ يُمهِّدُ للتوبةِ، وأثرُ التوبةِ هي المغفرةُ.

المقدمة الثانية: الإنتباه وعدم الغفلة:

ثم إنَّ الإقرارَ بالذنبِ لا يتمُّ إلا في ظرفِ اليقظةِ الناشئةِ عن التوجُّسِ من تبعاتِ الذنبِ وإلا ظلَّ سادرًا في غفلتِه، والغافلُ لا يُراقبُ نفسَه ولا يُحاكمُ أفعالَه، فإذا اعتادَ الغفلةَ وتمادي الزمنُ نسيَ ذنوبَه، وحينئذٍ كيف يتوبُ من ذنبٍ قد نسيَه ؟! فالغافلُ عن محاسبةِ النفسِ يذنبُ الذنبَ فيُغفلُه فينساهُ، فإذا نسيَه فإنَّه لنْ يرى نفسَه مُذنبًا، فلا يتوبُ، فالذي يَتأهَّلُ للتوبةِ هو مَنْ يراقبُ نفسَه ويحاسبُها يومًا بيومٍ وساعةً بساعة، فمثلُه يكونُ مؤهَّلًا للتوبةِ.

المقدمة الثالثة: أن لا تأخذنا العزّة بالإثم:

وثمة حجابٌ آخر، ومانعٌ ثالثٌ يحولُ دونَ التوبةِ، وهو العزَّةُ بالإثم. فقد يُدركُ الإنسانُ أنَّه مذنبٌ، ولا يكونُ ممَّن قد نسيَ ذنبَه ولكنْ تأخذُه العزَّةُ بالإثمِ، فلا يسعى للخروجِ من عهدةِ الذنبِ، وتحولُ العزةُ بالإثمِ دون التوبةِ. فهو يُدركُ أنَّه قد أهانَ صاحبَه، أو تعدَّى على حقٍّ من حقوقِ صديقِه، ولكنَّه يخشى أنْ يعتذرَ إليه، فيكونُ في موقعِ المَهانةِ والصَغارِ وذلك ينافي -بحسبِ وهمِه- أنَفَته واعتزازَه بذاتِه، ولهذا فهو لا يتوبُ، ولا يَخرجُ من عهدةِ الذنبِ.

فقد يُهينُ زوجتَه، وقد يعنِّفُها، وقد يَعتدي عليها بالضربِ فيتأثَّمُ لذلك، ولكنَّه لا يُبادرُ للاعتذارِ خشيةَ الانكسارِ!! ويَغفلُ أو يتغافلُ عن أنَّه قد أهانَ مومنًا بغيرِ وجهِ حقٍّ، واهانةُ المؤمنِ ذنبٌ عظيمٌ، والخروجُ من عهدتِه لا يتمُّ إلا بالاعتذار منه، "فمنْ كسَرَ مؤمنًا فعليهِ جَبرُه"(11) فالتذرُّعُ لتجاوزِ هذا الحقِّ بالخشيةِ من تبدُّدِ هيبتِه وكرامتِه نحوٌ من العزَّة بالإثمِ، فأنتَ لم ترعَ لها كرامةً حين عنَّفتَها وأهنتَها ثم تحرصُ على كرامتِك، فإمَّا أنْ تُخفِّفَ من غلواءِ نفسِك المتعاليةِ وإمَّا أن تَبوءَ بأثمِك وتظلَّ رهينَ ذنبِك ثم تحملُه يومَ القيامة ثقيلا ًعلى ظهرِك.

ثمة الكثيرُ من المؤمنينَ يفعلونَ الخيراتِ ويُداومونَ على الطاعاتِ، ولكنَّهم سيئي الخلقِ مع زوجاتِهم، وأقاربِهم، ومن المناسبِ هنا التذكيرُ بما وردَ في المأثورِ من قصَّةِ سعدِ بن معاذ (رحمه الله) فسعدُ بنُ معاذ كان صحابيًّا، وكان من خيارِ الصحابةِ، وكان قد أصابَه سهمٌ طائش من وراءِ الخندقِ يوم الأحزابِ فوقع في أكحلِه فاضطرَّته جِراحُه أنْ يظلَّ طريحَ الفراشِ، وبعد هزيمةِ الأحزابِ بادرَ النبيُّ (ص) إلى محاصرةِ يهود بني قريظة، لأنَّهم قد مالؤوا المشركين يوم الأحزاب، وبعد أنْ ضاقَ عليهم الحصارُ طلبوا الاحتكامَ بينهم وبين الرسول (ص) إلى سعدٍ، لأنَّه كان حليفًا لهم في الجاهليَّة، فحكم سعدُ بنُ معاذٍ بإجلائِهم من المدينةِ المنورة، فعملَ الرسولُ (ص) بحكمِه وبعده استُشهد سعدٌ متأثرًا بجِراحِه، فقامَ الرسولُ (ص) في جهازِه، ومشى خلفَ جنازتِه دونَ رداءٍ ولا حذاء، فتعجَّب الناس ثم باشرَ بنفسه في إيداعِه في قبرِه، بعد أن صلَّى عليه، وترحَّم عليه، وجلس على شفير القبر، فأخذ الناسُ يغبِطونَ سعدًا، وهنا التفت الرسولُ الله (ص) وأخبرهم أنَّ سعدًا أصابته ضمَّة، رغم أنَّه سعد ومقامُه، وصُحبتُه، وشهادتُه، ومشيُ رسولِ اللهِ (ص) خلفَ جنازتِه حافيًا دون رداء، رغم ذلك لم ينجُ من ضغطةِ القبرِ، لماذا ؟! لأنَّه كما أفادَ الرسولُ (ص) بحسبِ الروايةِ: "كان في خُلقِه مع أهلِه سوءٌ"(12) نعم، كان الرجلُ من أهلِ التقوى وكان مجاهدًا، وقد حظي بالشهادة ولكنَّه كان سيءَ الخلقِ مع أهلِه لذلك لم ينجُ بحسب الرواية من ضمَّةِ القبرِ.

المقدمة الرابعة: تجنّب قرناء السوء:

وثمَّة أمرٌ آخر يحولُ دونَ التوبةِ وهم قُرناءُ السوء، وبِطانةُ السوءِ، هؤلاء يزيِّنونَ للإنسانِ الذنبَ، ولذلك فهو لا يتوبُ منه. من هنا فإنّ من أرادَ التوبةَ فإنَّ عليه أنْ يتخلَّصَ من بِطانةِ السوءِ، ومِن قُرَناءِ السوء، ويتخذَ له رفقاءَ صالحينَ يُذكِّرونَه بالله تعالى، ويقرِّبونَه ممَّا يقتضى مرضاتِه، أمَّا قرناءُ السوء، ومحافلُ السوء، ومجالسُ السوء، ومنتدياتُ السوء، فهي كلُّها تخلقُ حجُبًا على النفسِ وتحولُ بينَ العبدِ وبينَ التوبة.

فإذا تخطَّى المؤمنُ هذه المراحلَ والمقدماتِ، عندئذٍ يتأهَّلُ لمقامِ التوبةِ النصوحِ.

أركان التوبة النصوح:

الركن الأول: الندم:

وللتوبة النصوح أركانٌ تتقوَّم بها فركنُها الركين هو الندم، وهو يعني الشعورَ العميق بالحسرةِ والأسفِ على ما كان قد ارتكبَه واقترفَه في جنبِ الله تعالى، فالتوبةُ ليست مجرَّدَ الاقلاعِ عن الذنبِ وحسب، أو الابتعادِ عن الذنوبِ وحسب، وإنَّما هو شعورٌ بالضيقِ والألمِ الدائم الناشئينِ عن الإحساسِ بالخجلِ والحسرةِ، فهو كلَّما ذكرَ الذنبَ شعرَ بالحسرة، هذا هو الركنُ الأول للتوبة، وهو الذي ينشأ عنه عدمُ العودةِ للذنب، فحين لا يندم الإنسانُ على ما اقترفَه من ذنبٍ فإنَّه سيعودُ إليه متى ما أُتيحتْ له العودة واقتضتْه الحاجةُ.

الركن الثاني: الخروج من تبعات الذنوب:

وأما الركنُ الثاني للتوبةِ فهو الخروجُ من تبعاتِ الذنوبِ: فالإنسانُ الذي تكونُ عليه مظالمُ، كما لو آذى مؤمنًا، أو سلبَ حقّ أخيه، أو استحوذَ على مالِ غيره بسرقةٍ أو غصبٍ أو احتيالٍ أو كان عليه دينٌ فلم يقضِه، أو أتلفَ مال الغير فلم يَضمنْ، أو أدمى أحدًا، أو جرحَه، أو أصابه بعطبٍ في بعض جوارحِه، فلم يُؤدِّ إليه الدِّية، ولم يعتذرْ منه، فإنَّه لا تُقبلُ منه توبةٌ مالم يخرجْ عن عهدةِ هذه المظالم، فالتوبةُ لا تتحققُ إلّا بأداءِ الحقوقِ إلى أهلِها والخروجِ من تبعاتِ المظالمِ التي أوقعها.

رَوى الشيخُ عليُّ بنُ إبراهيم بسندٍ معتبرٍ أنَّ شيخًا -من النُخَع- قال للإمامِ الباقر (ع): إنِّي لم أزلْ واليًا -عند هؤلاء- منذ زمنِ الحجَّاج، إلى يومي هذا، فهل لي من توبةٍ؟ فسكتَ الإمامُ (ع) عنه، فأعادَ عليه السؤال، فأعرضَ عنه، فأعادَ عليه السؤال، فقالَ له الإمامُ (ع): "لا -ليس لك توبةٌ- حتى تُؤدِّيَ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه"(13)، عندئذ تكون لك توبة. إذن، فالعبدً لا يخرج من عهدةِ الذنبِ ما لم يخرج من تبعاتِه.

الركن الثالث: العزم على عدم العود:

وأما الركنُ الثالثُ من أركانِ التوبةِ فهو عقدُ القلبِ والعزمُ الشديدُ والأكيد على عدمِ العودِ إلى الذنب، فمجرَّدُ خطورِ عدمِ المعاودةِ للذنبِ في النفسِ دون العزمِ الشديدِ لا يحقِّقُ التوبة، فمثله لو تهيأَ له مقارفةُ الذنبِ فإنَّه سيعود فيرتكبُه، ذلك لأنَّه لم يتبْ أساسًا. نعم، قد يعودُ الإنسانُ للذنب نتيجةَ الضعفِ أو التقصير، فيكونُ قد تاب ثمَّ زلَّت قدمُه، أما أنْ يكونَ حين التوبةِ متوقِّعًا للعودةِ للذنب مرةً أخرى أو محتمِلًا لذلك، فهو ممَّن لم يعقدِ العزمَ الأكيدَ والشديدَ على التوبةِ، فمثلُه لا توبةَ أصلًا.

وأما الركن الرابع والخامس فهما تركُ الذنوبِ واللهجُ الصادقُ بالاستغفار

ونكتفي بهذا المقدار. 

﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ / وَالْعَصْرِ / إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ / إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(14)

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

20 من شعبان 1437هـ - الموافق 27 مايو 2016م

جامع الإمام الصّادق (عليه السلام) - الدّراز


1- سورة آل عمران / 185.

2- سورة التحريم / 8.

3- سورة التحريم / 8.

4- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج6 / ص20.

5- مستدرك الوسائل -ميرزا حسين النوري الطبرسي- ج12 / ص137.

6- سورة البقرة / 222.

7- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص73.

8- "لله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضال الواجد" كنز العمال -المتقي الهندي- ج4 / ص205.

9- "لله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضال الواجد" كنز العمال -المتقي الهندي- ج4 / ص205.

10- الكافي -الشيخ الكليني- ج2 / ص426.

11- "فان من كسر مؤمنا فعليه جبره" وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص162.

12- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص469.

13- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج16 / ص52.

14- سورة العصر / 1-3.