الإصلاح الثقافي في النهضة الحسينيَّة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأَمُوُرِ -ودَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ، وامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ، فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ، ولَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ، سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ- وقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، ولَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ، لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهً إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه.

عباد الله أُوصِيكُمْ ونفسي بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ ونَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، ودَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ، ولَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ، وأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ ومَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وجُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ.

أما بعدُ فالحديث حول الإصلاحِ الثقافي في نهضةِ الإمام الحسين (ع) وأبدأُ بشرحِ هذين المصطلحين بنحوٍ موجز، وهما: مفهومِ الإصلاحِ، ومفهومِ الثقافة.

أولاً: معنى الإصلاح

فالمراد من الإصلاحِ هو التصحيحُ والتقويمُ، ويقابلُه التغييرُ الجذريُّ والشاملُ، فالإصلاحُ يعني التصحيحَ لما انحرفَ من مسارٍ ثقافيٍّ، أو قيَميٍّ أو سياسيٍّ، أو عقائديٍّ أو ما أشبهَ ذلك. ومعنى التصحيحِ هو المعالجةُ للأخطاءِ والانحرافاتِ والتجاوزاتِ التي وقعت أو طرأتْ على هذه المساراتِ أو بعضها. وكذلك فإنَّ التصحيحَ يعني العملَ على إزالةِ العقباتِ والمعوقاتِ التي طرأت على هذه المسارات فحالتْ دون قدرتِها على بلوغِ الغايةِ التي نشأَ عنها التأسيسُ لهذه المسارات.

وحين يتمُّ الوقوفَ على تاريخِ نهضةِ الإمامِ الحسينِ (ع) يتبيَّنُ أنَّها كانت حركةً إصلاحيَّةً وتصحيحيةً، ولم تكن حركةً تغييريَّة، نعم هي حركةٌ إصلاحيةٌ شاملةٌ ولكنَّها لم تكنْ تغييريَّة.

كانت نهضةُ الرسولِ الكريم (ص)، ودعوتُه التي صدعَ بها تغييريَّة، تستهدفُ التغييرَ الشاملَ لجميعِ الأوضاعِ السائدة، فكانت تستهدفُ استبدالَ قيمٍ بقيم، وثقافةٍ بثقافة واستبدالَ عقائدَ بأخرى مباينةٍ لها ونظامٍ سياسيٍّ بنظامٍ آخر ومنهجيَّةٍ وظواهرَ اجتماعيةٍ بمنهجيةٍ وظواهر اجتماعيةٍ أخرى، فكانت نهضةُ الرسول (ص) تستهدفُ التغييرَ الجذريَّ والشاملَ لكلِّ شؤونِ الحياة؛ لذلك كانت تغييريَّةً ولم تكن تصحيحيَّة.

وأمَّا نهضةُ الحسين الشهيد (ع) فلم تكن نهضةً تغييريَّة، بل كانت حركةً وثورةً إصلاحيَّةً شاملة تستهدفُ التصحيحَ والتقويمَ، وإعادةَ الأمةِ إلى الصراطِ الذي كان قد رسمه الرسولُ (ص)، وجاهد ما وسِعَه ليدفعَ بالأمةِ باتجاهِ سلوكه وتمكَّنَ من ذلك بكلِّ اقتدار لكنَّ الأمةَ بعد رحيله شطَّ فئامٌ منها وانحرف عن صراطِ الله القويم، وأخذ هذا الانحرافُ يتسعُ شيئاً فشيئاً حتى كاد يعودُ بالأمة إلى عهدِ الجاهليَّة الأولى كما أفاد الإمام الحسين (ع) وهو يصفُ مستوى الانحراف الذي بلغته الأمة في عهد نهضته يقولُ كما يروي الفريقان: "إنَّ هذه الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبرَ معروفُها، فلم يبقَ منها إلا صبابةٌ كصبابةِ الاناء وخسيسِ عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعملُ به وإلى الباطلِ لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمنُ في لقاءِ الله مُحقاً، فإنِّي لا أرى الموتَ إلا سعادةً ولا الحياةَ مع الظالمين إلا برما"(1) فكان لا بدَّ من ثورةٍ اصلاحيةٍ تستهدفُ التصحيحَ والعودةَ بالأمةِ إلى طريقِ الجادة، فإنْ تهيأ لها ذلك وإلا فإنَّها تكونُ قد رسمت للأجيالِ طريقَ العودة إلى جادَّةِ الرسول الكريم (ص).

كان ثمَّة انحرافٌ سياسيّ، فقد انحرفت الأمةُ عن خطِّ الإمامة الإلهيَّة. كما كان ثمَّة انحرافٌ على مستوى القيم، فكانت الثورةُ تستهدفُ العودةَ بالأمةِ إلى قيمِ الإسلام التي كادت أنْ تنطمسَ في عهدِ يزيدَ بنِ معاوية، وكانت النهضةُ تستهدفُ الإصلاحَ للثقافة التي ابتُليت بانحرافاتٍ واسعةٍ نتيجةَ الحراك التضليليِّ المحموم الذي سخَّر له النظامُ الأمويُّ كلَّ امكانياتِه الهائلة.

وكانت النهضةُ الحسينيَّةُ تستهدفُ الاصلاحَ لضميرِ الأمةِ الذي انتابَه الضمورُ، والتبلُّد، وأصبحَ ضميراً يكادُ أنْ يموت، وضميراً ابتُليَ بالإحباطِ واليأس، فلم يَعُدْ يشغلُه إلَّا الشأنُ الخاص .. ضميراً لم يعُدْ يكترثُ بأنين الثُكالى والمحرومينَ والمستضعفين! ضميراً لا يعبأُ وإنْ أصيبت الأمةُ في دينها، فهو لا يستوحشُ من سفكِ الدم الحرام، وتعطيلِ الحدود، وإشاعةِ الفاحشةِ والبغي والفساد! لذلك نهض الحسينُ من أجلِ إصلاحِ ضميرِ الأمة.

وكذلك فإنَّ المنهجَ الذي قد رسمه الإسلامُ، وأفاد بأنَّ اعتمادَه والانضباطَ في اطارِه يُفضي إلى بلوغِ الغايةِ وهي الكمالُ الروحي والمجتمعي المقتضيين لريادة الأمم، هذه المنهجية قد تمَّ التعطيلُ لأدواتِها فلم تعُدْ قادرةً على قيادةِ الأمة حيثُ الغايةُ التي يبتغيها الإسلام.

إذن، فكلُّ المساراتِ التي رسمَها الإسلامُ وشيَّد بنيانَها، لم تلتزمِ الأمةُ في سوادِها الأعظم بسلوكِها بالنحو الذي أرادَه لها رائدُ الإسلامِ العظيم (ص).

لم يكن الإسلامُ بحاجةٍ إلى تصحيح؛ فالإسلامُ معصوم، والإسلامُ لا يحتاجُ إلى تكميل. لأنَّه كاملٌ قد أتمَّه اللهُ عزَّ وجلَّ حيث قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم﴾(2). فليس ثمَّة ما يستدعي التصحيحَ والإصلاحَ فيما يرتبطُ بدينِ الأمة، وإنَّما كان الإصلاحُ متَّصلاً بما كانت عليه الأمةُ من أوضاعٍ انحرفت بها عن دينِ الله تعالى، لذلك قال الإمام الحسين (ع): "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلبِ الإصلاح-في أيِّ شيء؟ ما هو موضوع الإصلاح؟قال (ع)- "في أمَّة جدِّي أُريد أنْ آمرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر"(3). هذه هي الحيثيةُ التي كان يرمي الحسينُ الشهيدُ الإصلاحَ من جهتها.

خلاصة:

وبذلك يكون قد اتَّضح المراد من الإصلاح، وأمَّا المرادُ من مفهوم الثقافة فهو منظومةُ المباني، والقيمِ، والعقائدِ والأعرافِ والمشاعرِ وأنماطِ السلوك، فالثقافةُ الإسلامية -مثلاً-: تعني منظومةَ المعتقداتِ، والرؤى، والمباني، والضوابطِ، والأفكارِ والأعرافِ، والقيمِ التي أسس لها الإسلام فكان هو منبعها والمكوِّنَ لها. هذا بنحوٍ موجز.

وبذلك يتَّضح المراد من الإصلاح الثقافي الحسيني:

وقد قلنا إنَّ نهضة الإمام الحسين (ع) كانت تستهدف الإصلاحَ الشامل ومن كلِّ صعيد، فمن تلك الأصعدة التي كانت النهضةُ تستهدفُ الإصلاحَ من جهتِها هو الإصلاحُ الثقافي.

وإذا اتَّضح لنا أنَّ الثقافة هي منظومة القيم، والضوابطِ والمعتقدات، والأفكار، والأعراف، والسلوكيات التي منبعُها الإسلام، فعندئذٍ يكونُ الإصلاحُ الثقافيّ معناه: إعادةُ الأمَّةِ إلى المنبعِ الصحيحِ أعني الإسلامَ المحمديَّ الأصيل.

الأمَّة -كما أشرنا- قد أصابها الانحرافُ في ثقافتها، فقد انحرفتْ كثيراً عن الثقافةِ التي جاء بها الإسلام، فكان غرضُ الحسين (ع) هو إعادة الأمَّةَ إلى المنبعِ الصافي، وإعادتها إلى الوحي، وهو المنبعُ الذي لا يجوزُ عليه الخطأُ والنقص. كان ذلك واحداً من أهدافِ الثورة.

الانحراف الثقافيّ الأمويّ:

وإذا أردنا أن نتعرَّفَ على مستوى الانحراف الثقافي الذي ابتُليت به الأمَّة، وبالتالي ندرك الضرورة لإصلاحه، لابدَّ وأن نقفَ على ما كان يمارسُه النظامُ الأمويّ من أجلِ أنْ يحرف الأمَّة عن ثقافتِها التي كانت قد تلقَّتها عن الرسول الكريم (ص)، وعن القرآن المجيد.

فالنظامُ الأموي كان يمارسُ دورَ التضليلِ، ودورَ التمييع. فكان يستهدفُ الابتعادَ بالأمة عن منبعِ ثقافتِها، وكان يستهدفُ الابتعادَ بها عن قيمِ الاسلام ومبانيه وأصولِه وأعرافِه، وكان يمارسُ هذا الدورَ بحُمَّى شديدة، وسعيٍ حثيث، وبمخطَّطٍ مُحكَم. وكان يستهدفُ -بالإضافةِ إلى التضليلِ والتمييع-التأصيلَ لقيمٍ جديدة، والتأصيلَ لمعتقداتٍ وأعرافٍ جديدة تتناسبُ وتتناغمُ مع مُخطَّطه السياسيّ. فكان يستهدفُ استحداثَ منهجيَّةٍ للحياةُ جديدة.

إذن هو التضليلُ والتمييعُ، ثم التأصيلُ لمعتقداتٍ وأعراف وأنماطٍ للسلوك جديدة، هذا ما كان يرمي إليه النظامُ الأمويُّ وكان يعملُ جاهداً من أجل تحقيقه.

النظام الأموي يستهدف طمس معالم الإسلام!

وبتعبيرٍ آخر: كان النظام الأمويُّ يستهدفُ طمسَ معالمِ الإسلام. فعندما نقولُ إنَّ (الإسلامَ محمديُّ النشأةِ، وحسينيُّ البقاء)؛ فلأنَّه بالرسول محمد (ص) بدأ الإسلامُ وتأصَّلَ وامتدَّ وترعرع، وبالحسينِ (ع) كُتبَ له البقاء، ومنشأ إسنادِ البقاءِ للحسين (ع) هو أنَّ النظام الأمويّ، كان يعمل جاداً من أجل طمسِ الثقافةِ والهويَّةِ الدينية، فكانت ثورةُ الحسينِ (ع) هي التي منعت هذا المدَّ الخطيرَ من أن يُؤثِّر أثرَه التامَّ في الأمَّة.

شاهد على الاستهداف:

وحتى نوثِّق الدعوى -بأنَّ النظامَ الأموي كان يستهدفُ طمسَ معالمِ الإسلام-، ننقلُ لكم نصاًّ تأريخيَّاً هو ضمنَ نصوصٍ كثيرة ومتواترة تؤكِّدُ هذه الدعوى: ينقل الزبير بن بكَّار في كتابه المعروف بالموفقيَّات، قال: سمعتُ المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية -والمغيرة بن شعبة كان واحداً من الصحابة، وهو من أبرز رجالات معاوية وكان والياً له على الكوفة- يقولُ مطرف بن المغيرة بن شعبة: وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدثُ عنده ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب ممَّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، فرأيتُه مغتمَّاً، فانتظرتُه ساعة، وظننتُ أنَّه لشيءٍ حدث فينا أو في عملنا، فقلتُ له: ما لي أراك مغتمَّاً منذ الليلة؟ قال: يا بني، إني جئتُ من عند أخبث الناس، قلتُ له: وما ذاك؟ قال: قلتُ له وقد خلوتُ به: إنَّك قد بلغتَ سنَّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرتَ عدْلًا وبسطتَ خيراً فإنَّك قد كبرت، ولو نظرتَ إلى إخوتِك من بني هاشم فوصلتَ أرحامَهم فو الله ما عندهم اليوم شيءٌ تخافه، فقال لي: هيهاتَ هيهات!! مَلكَ أخو تيمٍ .. فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكرُه، ثم ملك أخو عَدِيٍ، فاجتهدَ وشمر عشر سنين، فو الله ما عدا أنْ هلك فهلك ذكرُه، ثم ملك أخونا عثمان .. فو الله ما عدا أنْ هلك فهلك ذكرُه، وإنَّ أخا هاشم -يعني النبيَّ الكريم- يُصْاحُ به في كلِّ يومٍ خمسَ مرات: أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله، فأيُّ عملٍ يبقى مع هذا؟ لا أمَّ لك، لا واللهِ إلا دفناً دفنا"(4).

إذن كان النظامُ الأمويُّ يستهدفُ طمسَ معالم الإسلام، وكان جادَّاً في ذلك، وكانت له القدرةُ والنفوذُ والسطوة، وكانت له الإمكانياتُ التي تؤهِّله لأنْ يسيرَ في مُخطَّطه سيراً مُحكَماً يُؤدِّي إلى أن يؤثِّر أثراً بليغاً في الأمَّة.

نماذج من الانحراف الثقافيّ الأمويّ:

ونحن سنشير إلى عددٍ من النماذج المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الثقافية التي أسَّس لها الإسلام، وعمل النظام الأمويّ على طمسِها، والتأصيلِ لما يُقابلُها.

سوف نذكر عدداً من النماذج، ثم نركِّز على نموذج واحد:

أولاً: ثقافة التمييز، وإثارة الروح القبلية:

الإسلام أسَّس لثقافةِ أنَّ الأمة كيانٌ واحدٌ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائرُ الأعضاءِ بالسهر والحُمَّى وأنَّه لا تفاضلَ بين أفرادِها، فهي كأسنانِ المشط، هذه هي الروحُ التي أسَّس لها الإسلام، وهذه هي الثقافة التي أصَّل لها، لكنَّ النظام الأموي عمل جاهداً وبمختلفِ الوسائل على إثارة الروح القبلية والعشائرية في الأمة فكان يُمايز بين مكوناتها على أساس القبيلة والعِرق والجغرافيا ، وكان يشجِّع التفاخرَ، والتفاضلَ، والهجاءَ والتنابز، والاعتزاز بالقبيلة، مما أدَّى إلى أن تنشأ حواجزَ ثخينة وقاتمة بين أفراد القبائل، وبين القبائل بعضها البعض.

هذه الروح التي حاول الإسلام أنْ يستبدلها بروح ملؤها الوئامُ والحبُّ والإخاء، استبدلها النظامُ الأموي بروحٍ عشائريَّة ، وأثار أيضاً ما يُعَبَّر عنه بالرُّوح الشعوبيَّة -يعني التفريقَ بين المسلمين على أساسِ اللغة والعِرق، وعلى أساس الموقع الجغرافي .. هذا أعجمي، وهذا عربيّ. هذا من الموالي وهذا عربيّ أصيل!! فبعد أن فرَّق بين العرب ووزعَّهم على طبقات، عمل على أن يُمزَّق الأمَّة على أساسِ اللغةِ، والعرق، وعلى أساس الموقع الجغرافيّ، فكان ذلك مدعاةً لحدوثِ الكثيرِ من الحروب البينية والثارات والمناوشات، وما إلى ذلك، وكانت غايةُ النظام الأموي من ذلك هو التفتيت لكيان الأمة وشغل مكوناتها بقضاياها العشائرية ليكونَ بذلك أقدرَ على إحكام هيمنته وبسط سلطانه. هذا نموذج، وله كما تلاحظون ارتباط بالشأن الثقافيّ، والتضليل الثقافيّ.

فثقافة الإسلام قائمة على أساس أنَّ الأمَّة كيانٌ واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحُمَّى، ولكنَّ النظام الأموي جهد من أجل تحويل الأمة إلى كيانات مؤطَّرة على أساس القبيلة والعرق واللغة.

ثانياً: ثقافة الانطواء على النفس وعدم الاهتمام بالآخرين:

هناك أمر آخر: وهي ثقافةُ الانطواء على النفس وعدمُ الإهتمام بالآخرين، فقد أشاع النظامُ الأمويُّ ثقافةَ أنَّ كلَّ أحدٍ ليس عليه إلَّا نفسه، ولا شأنَ له بالآخرين؛ وكان يستهدفُ من ذلك طمسَ ثقافةِ الجهاد، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتناصح .. هذه هي مفردات الثقافة الإسلامية: الأمرُ بالمعروف، النهي عن المنكر، التناصحُ التواصي بالحق، والتواصي بالصبر .. هذه الروحُ سعى النظام الأمويُّ إلى استبدلها بروحٍ أخرى، وهي: الاشتغال بالشأن الخاص .. وأنَّ كلَّ فردٍ فهو مكلفٌ بنفسه، وشؤونه الخاصَّة!

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ﴾(5)، هذه الآية تصدَّى وعاظُ السلطة الأمويَّة لترويجها مفسَّرةً بالنحو المناسب لهوى السلطة وهو أنْ لا يشتغلَ كلُّ فردٍ إلا بنفسه وشؤونه. هذه الثقافة خطيرة جداً عمل النظام الأمويُّ على تأصيلها فكانت لها تبعاتٌ شديدةَ السوء.

ثالثاً: ثقافة توهين النبيِّ (ص)، وتسقيط أهل بيته:

وثمة أمر ثالث يمكن التعبيرُ عنه بثقافةِ التوهينِ لمقامِ النبيِّ الكريم (ص) والتقليلِ من شأنه في عقليَّةِ ووجدانِ الأمة، فالنبيُّ (ص) -بحسب الصورة التي روَّج لها النظامُ الأموي- كان رجلاً كسائر الناس، وليست له تلك الهالة القدسيَّة التي كان يعتقدُها الناس، فلم يكن معصوماً في كلِّ شيء، وكان ربما استخفَّه اللعبُ واللهوُ والطرب -والعياذ بالله-!! هكذا حاول النظام الأمويّ بواسطة الرواةِ المتزلِّفين والمأجورين أن يُصوِّرَ النبيَّ (ص) في صورة الرجل الذي يستخفُّه الطرب، ويستخفُّه اللعب! وأنَّه كان يمارسُ بعضُ الأمورِ التي تخدُشُ الحياء!! وأنَّه كان ينسى حتى انَّه كان ينسى أنْ يغتسلَ من الجنابة أو يغسل ثوبَه من أثرها فيشرعُ في الصلاة ثم يتذكر، وروَّجوا انَّ النبيَّ (ص) كان يغضبُ، فإذا غضب فقد يشتم، وقد يسب! وأنَّه كان شديدَ البطشِ والنكايةِ والتنكيلِ بمَن يُعارضه، نحن هنا لا نريدُ أن نستعرضَ كلَّ مضامين الروايات التي اختُلقت في هذا الشأن، وببالكم الكثير من تلك الروايات التي تحدَّثت وأساءت إلى مقام الرسول الكريم (ص)، وأكثر هذه الروايات قد تمَّ الوضع لها من قبل الرُّواة -بتمويلٍ من النظام الأموي- الذي كان يستهدفُ النَيْلَ من مقامِ النبيِّ الكريم (ص) بغضاً له ولتبرير ما كانوا يجترحونه من موبقاتٍ وبطشٍ بمن لا يروقُ لهم مسلَكه.

خامساً: تحريف ثقافة القضاء والقدر:

والنموذج الخامس هو الترويج لمفاهيم خاطئة واسنادها للدين كعقيدة الإرجاء والجبر والتفسير لمسألة القضاء والقدر بطريقة تنفي عنهم تبعاتِ الجرائم التي يجترحونها: فالظلمُ الذي يقعُ من ولاتِهم على عباد الله تعالى هو من القضاء والقدر الذي يجبُ التسليم به، وتسلُّط النظامِ الأموي على مقدَّراتِهم هو قدرُ هذه الأمة فيجبُ أن تُسلِّمَ لقدرِ الله وقضائِه، فحينَ قتلَ معاويةُ حجرَ بن عديٍّ وأصحابه صبراً دون مبرِّرٍ مشروع كان ذلك من القضاء والقدر! وحين استنكر بعضُ الصحابةِ واستنكرت مثلُ عائشة قتلَ حجرِ بنِ عدي العبدِ الصالحِ المعروفِ بالزهد والنُسك فأيُّ شيءٍ كان جواب النظام الأموي؟ إنَّ قتلَه كان قضاءً وقدراً.

وهكذا، تَعتمد السلطةُ الأموية مسألةَ القضاء والقدر لتبريرِ الظلمِ، والاستبدادِ، والابتزازِ لحقوق الأمَّة، والهيمنةِ على مقدَّرات الأمَّة، فقضاء الأمَّة أنْ يُهيمنَ عليها هؤلاء الرجال!! علماؤهم يُروِّجون لذلك .. لماذا يكون هذا الحَدِث الصغير المتجاهر بالفسق وشرب الخمور، لماذا يكون والياً على حاضرة من حواضر الإسلام مثل الكوفة والبصرة أو مصر، وهو رجل فاسق؟! هذا من قضاءِ الله، وهذا هو قدرُ الأمَّة، وقضاءُ الله، وعليها أنْ تصبرَ على هذا الفاسق!!

وهكذا عملوا على إشاعة ثقافة القضاء والقدر بالطريقة التي تتناسب مع سياسة النظام الأموي.

يزيد بن معاوية كان يخاطب السجاد (ع) أتدري لماذا قُتِل الحسين؟ لضعف فقهه! هكذا كان يقول يزيد: لأنَّه ضعيف الفقه، وإلَّا لو كان يفقه القرآن لقرأ أنه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾(6)، وأنا إنَّما صرتُ ملِكاً لأنَّ الله شاء ذلك، وأراد الحسينُ أن ينزعَ مُلكاً قد ثبَّته الله!

هذه الثقافة قد رُوِّجت في مقابل الثقافةِ التي كان الإسلامُ قد أصَّل لها، وهي أنَّ على الأمَّة تكليفاً مُحدَّداً، هو أنْ تسعى من أجل إصلاح شأنِها -ولو كان ذلك مقتضياً لبذل المُهَج-.

ومن الثقافة التي أراد أن يؤصِّل لها النظامُ الأمويُّ أيضاً، هو أنَّ توزيعَ الأموالِ يتمُّ على أساس أنَّ الخليفةَ هو المخوَّلُ المطلق، والمُفوَّضُ في أموالِ الله.

معاوية يصعد على المنبر فيقول: (الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذُ من مال الله فهو لي وما تركتُه فهو جائز لي) (7) أصرفُه كيف أشاء، ولمَن أشاء، هذه ثقافة أصًّل لها النظام الأمويُّ. فتوزيعُ الأموال لا ينضبطُ تحت ضابطةٍ شرعية وإنَّما الأمر مفوَّض بيد السلطان يصرفُه كما يشاء، فليس ظلماً أنْ تحرمَ هذا من العطاء، وليس ظلماً أن تسلبَ هذا ماله؛ لأنَّه مال الله، وهذا خليفة الله، فلا غضاضة عليه أنْ يسلبَ مال هذا، أو أن يحرم هذا من حقِّه، أو أنْ يصرف أموالَ وخراجَ مصر أو خراج العراق على فردٍ واحد، ولهذا نشأت الطبقية الفاحشة في العهد الأموي حتى أنَّ بعضَهم كانت تكسِّر أموالُه من الذهب والفضة بالفؤوس، ولا يجدُ آخر قرصَ شعيرٍ يأكله!! والمُبرِّرُ هو أنَّ المال مالُ الله، وهذا خليفة الله يصرفُه كيف يشاءُ ولمن يشاء. هذه ثقافة قد روَّج لها النظام الأمويُّ وحاول تأصيلها.

سابعاً: ترويج العقائد الباطلة:

هذا بالإضافة إلى ترويجِ الاعتقاداتِ الباطلة التي تجعلُ الأمة تعيش حالةً من التحجُّر والتبلُّد الفكريّ .. يقولون إنَّ: اللهَ جسمٌ له وجهٌ ويدان وساق ويجلسُ على العرش وهو موجودٌ في السماء، وينزلُ في ليلة الجمعة، وله شعرٌ قطط، وأسنانُه فلج! هذا هو الله؟! وإنَّكم سترونَ ربَّكم كإضمامةِ البدر!!

الترويج لمثل هذه المعتقدات التي تُعبِّر عن سفاهة هذا المعتقد، وبذلك تزهدُ النفس في أنْ تعتنقَ مثل هذا الدين .. هناك تخطيطٌ كامل.

ثامناً: ترويج المجون والغناء:

بالإضافة إلى ترويج المجون والغناء، وأنَّ الغناء ليس محرَّماً، وأنَّ لكلِّ أحدٍ أنْ يطربَ ويلهو، ويعبثَ ويلعب وإنَّ النبيَّ (ص) ربما لهى وربَّما لعب وربما طرب. فأشاعوا المجونَ، وأشاعوا الغناءَ، واستفحلَ الأمرُ وتعدَّى حدوده، فأخذت القينات تُغنِّي، ويرقصنَ في المنتديات وفي المحافل وفي المجالس، فكانت الليالي السمراء والحمراء.

وقد ركَّز النظامُ الأموي على الحرمين الشريفين -مكة والمدينة-، فكانَ المجونُ، والغناءُ، وشربُ الخمور، تضجُّ منه بيوتات وأندية مكةَ والمدينة!! من أجل أنَّ هذا المجتمع هو الذي رأى رسول الله (ص)، ورأى الصحابة والتابعين، ورأى الأتقياء والشرفاء، فلا بدَّ وأن يُستهدف، ولابدَّ وأن تُركَّز حالة التمييع في وسطه.

تاسعاً: ثقافة الطاعة المطلقة للسلطان:

والأمر الذي كان غايةً في الخطورة، المرتبط بالتضليل الثقافي الذي مارسه النظام الأموي، هو ترويج ثقافة الطاعة المطلقة للسلطان. فهذه أخطر ثقافة حاول أن يُؤصِّلَ لها النظامُ الأموي، وهي التي كنا نودّ أن نُركِّزَ عليها، ولكنَّ الوقتَ لن يسع، فلذلك سنشير إليها.

فالنظام الأموي حاول أن يُؤصِّل لهذه الثقافة، وهي أنَّه تجبُ طاعة السلطان -وإنْ جار، وإنْ فسق، وإن تعدَّى، وإن عطَّل الحدود-، أطعْهُ وإن جلدَ ظهرك، أطعه وإن سلب مالك، إلزم الجماعة وإيَّاك وشق عصا المسلمين، -موبقة توجبُ الخروج عن الدين- أن تخرجَ على سلطانك، فحرامٌ عليك ألا تكون في عنقِك بيعةٌ لإمام -برٍّ أو فاجر-!

وينقلون رواياتٍ كثيرة قد وضعها الرواة المتزلِّفون والمأجورون من أجل التأكيد على هذه الثقافة، منها -مثلاً-: "ستبتلون بعدي بأئمة قد يظلمون، قد يتعدون. ماذا نفعل يا رسول الله؟ ألا ننابذهم؟ قال: لا"(8)، إلزم بيتك. "ستكون فتنةٌ، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي"(9)!. هذه الثقافة التي أصَّل لها النظام الأمويّ، وكان المروِّج لها مشاهير لهم موقعٌ اجتماعي وديني، لذلك كان من الصعب جداً الخروجُ على السلطان، لأنَّه يمثل موبقةً وخروجاً عن الدين.

هذه الثقافة تمثلُ أخطر، ما مارسه النظامُ الأموي. فلو أنَّ النظام الأموي لم يعبثْ في المعتقدات، ولم يُروِّجْ للضلال، ولم يُعطِّلِ الحدود، ولم يبتزِّ الحقوق، ولم يُهيمنْ بالقهر على مقدَّرات الأمَّة، ولم يسفكِ الدم الحرام في البلد الحرام في الشهر الحرام، ولم يُساهمْ أو يعمل على إشاعةِ الفاحشةِ والبغي والمجونِ والخمور والقانيات الغانيات .. لو لم يفعل كلَّ ذلك، ومارس دورَ التضليل على هذا المستوى فحسب، واستطاعت هذه الثقافة أن تستحكم، لكان ذلك موجباً -وعلى المستوى المنظورِ والقريب- لطمسِ معالم الإسلام، ليبدأ النظام الأمويّ بتخديرِ الأمَّة، وتجميدِ كلِّ قواها، وإقعادها عن مواجهة الصعاب، وإعدامِ شرعيةِ النهوضِ ومقارعة السلطان، وبعد أن تقتنعَ الأمةُ بهذه الثقافة، يبدأُ السلطان في تمريرِ مُخطَّطاته على مستوى السياسة، وعلى مستوى الثقافة، وعلى مستوى الفكر، والمنهجية، وما إلى ذلك. كيف والنظامُ الأمويّ قد مارسَ كلَّ ذلك في عرضٍ واحد؟!

فالإسلام أصبح مُهدَّداً في ضمير الأمَّة وفي فكرها. فضميرُ الأمة وفكرُها على وشك أنْ يخلو من الإسلام، والهوية الإسلامية مهدَّدة بالانطماس والاندثار .. والمشكلة أنَّ هذه الثقافةَ لو استحكمت، فعندئذٍ لنْ يتمكن أحدٌ من الثورة، إذ لو ثار جماعةٌ من الناس فسيقولون بأنَّ هؤلاءِ عصاةٌ، منشقُّون قد خرجوا على إمام زمانهم، والخروج على السلطان موبقةٌ، والخروجُ على السلطان منكر!

ضرورة النهضة الحسينية لإصلاح الثقافة:

هذه الثقافة التي روّج لها النظام الأموي تحتاج إلى رجلٍ بحجم الحسين (ع)، بموقعه السامي، وموقعه الديني، وموقعه الاجتماعي. فالأمَّة بمختلف مشاربها -تؤمن على أقلِّ التقادير- بأنَّ الحسينَ هو من أعلم الناس بدين الله، ومن أكثرِهم زهداً، وورعاً، وتقوىً، وحياطة للدين، وهو أعرفُ الناس بسُنَّة رسول الله (ص)، وهو في ذات الوقت هو رجلٌ وجيهٌ، قريبٌ من رسول الله (ص). فلو كان رسولُ الله(ص) قد أكَّد -كما يزعمون- على حرمة الخروج على السلطان الجائر، وعدمِ جواز الاستنكار عليه، لكان الحسين (ع) أعرفَ الناسِ بهذا الأمر.

فخروجُه بثورةٍ مجلجلة، مدوِّية، تصلُ إلى أسماع كلِّ أحدٍ من أبناءِ الأمَّة -رغم تباعدِ حواضرِها-، خروجُه يُعبِّرُ أبلغَ تعبيرٍ عن كذبِ كلِّ هذه الرِّوايات، وبذلك يُفتضحُ زيفُ الثقافةِ التي أرادت أن تُؤصِّل لها السلطة الأموية.

دور النهضة الحسينية في إسقاط الضلال الثقافي الأموي:

فالحسين على مستوى الكلمة، وعلى مستوى الموقف، قد مارس دور الإسقاط لكلِّ هذه الثقافات، وعلى رأسها ثقافة الطاعة للسلطان وإن تعدَّى، وإنْ جار، وإن جلد ظهرك.

يقول (ع): يا أيها الناس .. إنَّ رسولَ الله (ص) قد قال: من رأى منكم سلطاناً جائرا، مستحلاً لحرامِ الله، ناكثاً عهدَه، مخالفاً لسنَّةِ رسول الله (ص)، يعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوان، فلم يغيِّرْ عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقاً على الله أن يُدخله مدخله. أَلا وَإِنَّ هؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيءِ، وَأَحَلّوُا حَرامَ اللهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ"(10).

إذن، بهذه المقولة، وبمثل هذا الموقف، تكون كلُّ الجهودِ التي بُذلت لغرض التضليل الثقافي للأمَّة، والانحراف بالأمَّة عن مسارها الثقافي الأصيل قد تبخَّرت، أو هي في طريقها للتبخُّر والاندثار.

عرف الناس أنَّ السلطان إذا جار وبغى فإنَّ على الأمَّة مسئوليةَ مقارعته، وأنَّ هؤلاء لو كانوا أتقياءَ، حريصين على ما جاءَ به الرسولُ (ص)، لما قاموا بهذه الشنيعة العظيمة، يقتلون ابنَ بنت رسول الله؟! يسفكون دمَه؟! يستبيحونَ حريمه؟! ويسبُون أهلَه ونساءه؟!

إذن، فكلُّ علماءِ السلطة الأموية، وكلُّ الرواة الذين يقتاتون من موائد هذا السلطان الذي قتل الحسين، وسفك دم الحسين، وكلُّ ما كانوا يروونه كان كذباً وكلُّ ما كانوا ينسبونه للدين، وكل ما كانوا يفعلونه كان منافياً للدين. وبذلك تسقط أطروحة النظام الأمويّ، والهالة التي كان يحيطُ نفسَه بها.

كان أثرُ نهضةِ الحسين (ع) على المستوى الثقافي هو اداراكَ الأمة انَّه لا يصحُّ الأخذَ لمعالمِ الدين وقيمِه واصولِه من هذه القنوات المشبوهة؛ لأنَّها قنواتٌ قد لمَّعت شخصياتٍ قد كان لها الدورُ الكبير في سفك دم الحسينِ الشهيد (ع) والتي هي أعظمُ مُوبقةٌ على الإطلاق بنظر كلِّ أبناء الأمَّة على اختلاف مشاربها. وبذلك فقدت منظومةُ الثقافة التي جهد النظامُ الأموي على تأصيلها عقوداً من الزمن مصداقيتها في الأمة.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ / إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ / فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ / إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾(11)

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

2 من محرّم 1437هـ - الموافق 16 أكتوبر 2015م

جامع الإمام الصّادق (عليه السّلام) - الدّراز


1- مناقب آل أبي طالب - ابن شهراشوب ج4 / ص 68،  المناقب والمثالب _ القاضي النعمان المغربي- ص 288 ، تاريخ الطبري -محمد بن جرير الطبري- ج 4 ص 305. الأمالي الخميسية - الشجري- ص 212 ، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج14/ ص 217، 218

2- سورة المائدة / 3.

3- الفتوح - ابن أعثم الكوفي- ج5/ ص21 ، مقتل الحسين (ع) - الخوارزمي- ج1/ ص 273 ،  مناقب آل أبي طالب- ابن شهراشوب- ج3/ 241 ، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 44 ص 329.

4- الأخبار الموفقيات - زبير بن بكار- ص 584 ، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج5/ ص131،  مروج الذهب- المسعودي ج2/ ص 454 .

5- سورة المائدة / 105.

6- سورة آل عمران / 26.

7- "الأرض لله، وانا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزاً لي" مروج الذهب ومعادن الجوهر -المسعودي- ج 3 ص 43. أنساب الأشراف - البلاذري- ج5/ 26، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار- أحمد بن يحيى العمريج 24/ ص 351 .

8- ".. عوف بن مالك يقول سمعت رسول الله (ص) يقول خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا" مسند أحمد -الإمام أحمد بن حنبل- ج 6 ص 24.

9- مسند أحمد -الإمام أحمد بن حنبل- ج 1 ص 169.

10- تاريخ الطبري -محمد بن جرير الطبري- ج 4 ص 304. الفتوح - ابن أعثم الكوفي- ج5/ ص 81، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ج4/ ص 48

11- سورة الكوثر.