غسلُ التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هي حقيقة التوبة، وهل يعتبرُ في قبولها الغسل؟

الجواب:

التوبةُ النصوح تتقوَّم بأمورٍ ثلاثة: الندمُ الشديد على ما ارتُكبَ من ذنبٍ، وعقدُ العزمِ الأكيد على عدم العَوْد إلى الذنب، والثالث الاستغفار. ومن كمال التوبة الغُسل وصلاة ركعات لله تعالى دون تحديد العدد والاستغفار بعدها.

فقد روى الكلينيُّ في الكافي بسندٍ صحيحٍ عن مسعدة بن زياد قال: كنتُ عند أبي عبد الله (ع) فقال: رجلٌ إنِّي أدخل كنيفًا ولي جيرانٌ وعندهم جوارٍ يتغنينَ ويضربنَ بالعُود، فربَّما أطلتُ الجلوسَ استماعًا منِّي لهنَّ؟ فقال (ع): "لا تفعل"، فقال الرجل: "والله ما أتيتهنَّ وإنَّما هو سماعٌ أسمعُه بأُذني؟ فقال (ع): "بالله أنت ما سمعتَ الله يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾(1)"، فقال الرجل: بلى والله كأنِّي لم أسمع بهذه الآية من عربيٍّ ولا عجميٍّ، لا جرمَ أنِّي لا أعودُ إنْ شاء اللهُ تعالى وإنِّي استغفرُ الله، فقال له (ع): "قمْ فاغتسل وصلِّ ما بدا لك فإنَّك كنتَ مقيمًا على أمرٍ عظيم، ما كان أسوأ حالك لو متَّ على ذلك، احمدِ الله واسأله التوبةَ من كلِّ ما يكرهُ فإنَّه لا يكره إلا كلَّ قبيح، والقبيح دعْه لأهلِه فإنَّ لكلٍ أهلًا"(2).

وقد ورد في كتاب الجعفريات عن النبيِّ (ص) انَّه قال: ".. إنَّه ليس من عبدٍ فعلَ ذنبًا كائنًا ما كان وبالغًا ما بلغ ثم تاب إلا تاب الله تعالى عليه، فقم الساعة واغتسل وخرَّ لله ساجدًا .."(3).

فإنَّ الظاهر من صحيحة مسعدة وكذلك رواية الجعفريات هو مشروعيَّة ومطلوبيَّة الغسل عند كلِّ توبةٍ من ذنبٍ، نعم لا دلالة في الأمر بالغسل في الروايتين على الوجوب، وذلك لكون المسألة مما يعمُّ بها الابتلاء، فلو كان الغسل واجباً لكان وجوبه بيِّناً واضحاً، والأمر ليس كذلك، فهذه القرينة تصرف الأمر بالغسل عن الدلالة على الوجوب.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور


1- سورة الإسراء / 36.

2- الكافي -الشيخ الكليني- ج6 / ص432.

3- مستدرك الوسائل -الميرزا النّوري الطّبرسيّ- ج2 / ص514.