عوامل انطلاق النهضة الحسينيَّة
المسألة:
هل يصحُّ ما يُقال من أنَّ الذي دفعَ الإمام الحسين (ع) للثورة على بني أميَّة هو الإستجابة لدعواتِ أهل الكوفة بحيثُ لو لم يُبدِ أهلُ الكوفة استعدادهم لنصرته لمَا نهض في وجه بني أميَّة، وهناك مَن يقول إنَّ الدافع له على اختيار النهضة هو إصرارُ الأمويين على مطالبتِه بالبيعة، فلو تركوه فلم يُطالبوه بالبيعة لفضَّل المسالمة على النهضة؟
الجواب:
طلبُ الإصلاح هو محور الدوافع:
ثمة عوامل ودوافع تُذكر لاختيار الحسين (ع) طريق النهضة، وهي ثلاثة:
الأول: رفضُ البيعة للنظام الأمويِّ.
الثاني: الاستجابةُ لدعوات أهل الكوفة.
الثالث: طلبُ الإصلاح والتغيير والأمرُ بالعروف والنهيُ عن المنكر.
ولعلَّ ثمة توافقًا بين الباحثين على أنَّ هذه العوامل الثلاثة كان لكلٍّ منها لها تأثيرٌ في انطلاق النهضة الحسينيَّة لكنَّهم يختلفون في العامل الأساس منها، فبعضُهم يعتبرُ دعواتِ أهل الكوفة هي العامل الأساس من بين هذه العوامل، وبعضُهم يعتبرُ رفضَ البيعة هو العامل الأساس، بينما يتبنَّى آخرون العاملَ الثالث وهو الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر وطلبُ الإصلاح والتغيير للواقع الفاسد فيعتبرونَه المنشأَ والمحرِّك الأول والمحوري لنهضة الإمام الحسين (ع) وأمَّا العاملان الآخران فأحدُهما وهي دعوات أهل الكوفة كان واحدًا من الوسائل المُتاحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو قل هي واحدة من الأدوات التي أراد الحسين(ع) من الرعاية لها أنْ تكون وسيلةً من أهم الوسائل في طريق غايته الأولى من النهضة وهي الأمرُ بالمعروف وطلبُ الإصلاح والتغيير.
وأمَّا العامل الآخر وهو رفضُ البيعة للنظام الأموي فهي وظيفةٌ دينيَّة رأى الإمامُ الحسين (ع) أنَّه بصفته مكلَّفًا من المكلَّفين ملزمٌ بها شرعًا بحسب تشخيصه المعصوم للظروف التي عايشها، وهو في ذات الوقت أعني رفضَ البيعة مبدأُ انطلاق النهضة من أجل الإصلاح والتغيير، فرفضُ البيعة لم يكن هو الدافع أو لم يكن هو الدافع الأساس للنهضة، نعم يُمكن اعتبار الإعلان عنه الفصلَ الأول لإنطلاق النهضة المباركة.
والواضح من ملاحظة النصوص المأثورة والمستفيضة عن الإمام الحسين (ع) وكذلك من ملاحظة مجريات الأحداث التي اكتنفت النهضة المباركة أنَّ الباعث والعامل الذي يحظى بالمركزيَّة وعليه مدارُ نهضة الإمام الحسين (ع) في مجمل مفاصلِها وتفاصيلِها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلبُ الإصلاح والتغيير للوضع الفاسد والتصحيحُ للمسار الذي انحرفَ بفعلِ المكر الأمويِّ عن الصراط الذي رسمَه الرسولُ الكريم (ص).
النصوص الدالَّة على محوريَّة طلب الإصلاح:
وللتأكيد على ما ذكرناه نستعرضُ أولاً عددًا من النصوص المأثورة عن الإمام الحسين (ع) والتي تُعبِّر عن الباعث والغاية الأولى والمحوريَّة لنهضته المباركة:
النص الأول: وصيَّتُه الشهيرة لمحمَّد بن الحنفيَّة التي خطَّها بقلمِه الشريف حين أزمع الهجرةَ إلى مكَّة، فكانت هي الإعلان الأول لنهضتِه المباركة وقد اتَّسم هذا الإعلان بالوضوح حيثُ تبيَّن منه ما هي الغاية المركزيَّة من حركته التي لها ومنها بدأ، وإليها انتهى، يقول (ع): "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسينُ بن عليِّ بن أبي طالب إلى أخيه محمَّدٍ المعروفِ بابن الحنفية أنَّ الحسينَ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، جاء بالحقِّ من عند الحقِّ، وأنَّ الجنَّة والنار حقٌّ، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ من في القبور، وأنَّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مُفسدًا ولا ظالمًا وإنَّما خرجتُ لطلبِ الإصلاح في أمَّة جدِّي صلَّى الله عليه وآله أُريد أنْ آمرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسيرَ بسيرة جدِّي وأبي عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فمن قبِلني بقبولِ الحقِّ فاللهُ أولى بالحقِّ، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضيَ اللهُ بيني وبين القومِ بالحقِّ وهو خيرُ الحاكمين .. ثمّ طوى الحسينُ (عليه السلام) الكتابَ وختَمه بخاتمه، ودفعَه إلى أخيه محمَّد، ثمّ ودَّعه وخرجَ في جوفِ الليل"(1).
بهذا الإعلان الموجز والبيِّن انطلقت نهضةُ الحسين (ع) وبدأ الفصلُ الأول منها، وقد أوضح الإمامُ (ع) فيه أنَّ باعثَه على الخروج -والذي هو تعبيرٌ آخر عن الثورة والنهضة- هو طلبُ الإصلاح والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر واستفراغُ الوسع من أجل إعادة الأمة إلى الجادَّة التي رسمَها جدُّه الرسولُ الكريم (ص) وتمثَّل بهديها الإمام عليُّ بن أبي طالب (ع).
والجديرُ بالذكر أنَّ الإمام الحسين (ع) حرصَ على أنْ يكون هذا الإعلانُ مكتوبًا بيدِه ومختومًا بخاتمِه الشريف، فلا مسرحَ بعده للاجتهاد فيما هو دافعه وما هي غايتُه من الخروج وما هو مطلبُه، كما أنَّ إيداعه لهذه الوصية بيد أخيه محمَّدِ بن الحنفيَّة -ليكون هو الكاشف عنها- يُضفي عليها مزيدًا من الوثوق، فلا يتطرَّق وهمٌ في انتحالها وسيكونُ ذلك أيضًا منشأً لذيوعها وانتشارها، فهو نظرًا لقرابتِه القريبة من الحسين (ع) سيكونُ أولَ مَن يُسأل مِن قِبل الناس والصحابة والسلطان عن غاية الحسين (ع) من خروجه، على أنَّ توصيف الإعلان بعنوان الوصيَّة لمحمَّد بن الحنفية يعني صريحًا بأنَّ محمَّد بن الحنفية مكلَّفٌ بالإعلان عن هذه الوصية وتبليغها، فالحسينُ لم يكتب الوصيَّة لكي يتمَّ ايداعُها في صندوقٍ والتكتُّم عليها، فهي ليست من قبيل الوصية بمالٍ أوعقار، فلحنُ الوصية ومضمونُها يقتضيان أنْ يكون أداؤها والوفاء بها إنَّما هو بتبليغها وايقاف الناس عليها وإلا كان الغرض العقلائي من كتابتها منتفيًا.
إذن فغايةُ الحسين (ع) من خروجه على النظام الأمويِّ هو طلبُ الإصلاح والأمرُ بالمعروف، والمُلفتُ أنَّ الحسين (ع) لم يذكر أنَّ من دوافع نهضتِه هو مطالبة النظام له بالبيعة بل لم يشتمل الخطاب على الإشارة لذلك بل إنَّ لحنَ خطابه يقتضي أنْ لا يكون ذلك هو باعثَه على النهضة، إذ ليس من المناسب لفحوى الخطاب أنْ يقال إنَّ الحسين (ع) سوف لن يخرج لطلب الإصلاح ولن يأمرَ بالمعروف وينهى عن المنكر إذا لم يُطالبه النظامُ الأمويُّ بالبيعة، فالواضحُ من هذا النصِّ الشريف أنَّ الحسينَ (ع) أزمَعَ الخروجَ والنهضة سواءً طالبَه النظامُ بالبيعة أو لم يطالبْه.
ثم إنَّ ظرف صدور الخطاب كان قبل أنْ تصله كتبُ أهل الكوفة بل لعلَّه قبل أنْ يصلَ خبرُ موتِ معاوية إلى أهل الكوفة، فهذا الخطابُ صدر في شهرِ رجب قُبيل مسيره إلى مكة، وإنَّما وصلتْ إليه كتبُ الكوفة بعد العاشر من شهر رمضان المبارك وذلك ما يُعزِّز أنَّ الإمام الحسين (ع) قد عقد العزمَ على مناهضةِ النظام الأُموي بقطع النظر عن استعداد الكوفة لمؤازرته أو عدم استعدادها.
النص الثاني: أوردَه الطبريُّ وغيرُه قال: إنَّ الحسين (عليه السلام) خطَبَ أصحابه وأصحاب الحرِّ بالبيضة، فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "أَيُّهَا النّاسُ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قالَ: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعملُ في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقًّا على الله أنْ يُدخله مدخله. أَلا وَإِنَّ هؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيءِ، وَأَحَلُّوُا حَرامَ اللهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ .."(2).
إذن فالغاية من نهضته -بحسب هذا الخطاب- هي التغيير للواقع الفاسد الذي تصدَّى (ع) لتوصيفه بدقَّةٍ متناهية، فالنظامُ الأمويُّ قد لزِم طاعة الشيطان فهو يصدرُ عن أمرِه وإيحائه في إشارةٍ إلى مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾(3) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾(4) وتركوا طاعةَ الرحمن فلا يرون لطاعتِه حقًّا يلزمُهم الاِنبعاث عنه، وأظهروا الفساد غير عابئين ولا وجِلين من المجاهرةِ به، وعطَّلوا حدودَ الله وشريعةَ سيِّدِ المرسلين (ص) عنادًا ومكابرةً، واستأثروا بالفيء واستحوذوا على معائشِ الناس ومنابِع أرزاقهم، وجهدوا في طمس معالمِ الدين وتغييرها فأحلَّوا ما حرَّم الله وحرَّموا حلالَه، فذلك هو النهجُ الذي اعتمده الأمويُّون في إدارتِهم لشؤون الأُمة، وهو ما يضعُ على عُهدة كلِّ مسلمٍ مسئوليةَ العمل على تغييره بمقتضى ما أفاده الرسولُ (ص) بقوله: "فلم يُغيِّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقًّا على الله أنْ يُدخله مدخله" والحسين (ع): "أحقُّ من غيَّر" كما أفاد (ع) ومِن غير المناسب القبول باستظهار أنَّ الحسين (ع) أراد القول بأنَّه يكون مسئولًا عن الجهاد والعمل على التغيير لو كان مُطالبًا من قِبَل النظام الأموي بالبيعة ويكون معفيًّا من هذه المسئوليَّة لولم يُطالبه النظامُ الأمويُّ بالبيعة، فلحنُ هذا الخطاب والتصدِّي لتوصيف ما يقترفُه النظامُ من عظائم تُفضي إلى تقويض بُنى الإسلام يقتضي الجزم بأنَّ الإمامَ الحسين (ع) أراد من ذلك التعبير عن أنَّه بصدد العمل على تغيير هذا الواقع مطلقًا سواءً طالبَه النظامُ الأمويُّ بالبيعة أو لم يُطالبه بذلك.
إذن فهذا النصُّ واضحُ الدلالة في أنَّ الغاية المحوريَّة من نهضة الإمام الحسين (ع) هو طلبُ الإصلاح والتغيير والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر بقطع النظر عن قضيَّة البيعة، كما أنَّ هذا النصَّ يُؤكِّد أنَّ نهضته المباركة لم تكن منوطةً بدعوات أهل الكوفة، إذ إنَّ ظرف صدور هذا الخطاب كان بعد خُذلان الكوفة ومقتلِ مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وبعد إحكام الأمويِّين هيمنتَهم على الكوفة ومحاصرتها وإغلاق جميع مداخلِها والطرقِ المؤدِّية إليها -فليس لأحدٍ أنْ يدخلَ أو يخرجَ منها- وبعد اعتقال من يُخشى تأثيره وبعد ممالئةِ الأعيان وزعماء العشائر للنظام حيثُ مُلئت غرائرُهم بالأموال وقلوبُهم بالرعب من بطش النظام الأمويِّ، في مثل هذا الظرف صدرَ هذا الخطاب من الإمام (ع) وهو ما يُؤكِّد على أنَّ نهضته لمقارعة النظام الأمويِّ لم تكن منوطةً ابتداءً واستمرارًا بدعوات أهل الكوفة، إذ لو كانت منوطةً بدعوات أهل الكوفة لكان ذلك يقتضي الكفَّ عن المُنابذة للنظام الأمويِّ بعد تبيُّن عدم امكانيَّة احتضان الكوفة لنهضتِه المباركة.
وأمَّا قولُه (ع) بعد ذلك: "قَدْ أَتَتْني كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ أَنَّكُمْ لا تُسْلِمُوني وَلا تَخْذُلُوني، فَإِنْ تَمَّمْتُمْ عَلىِّ بَيْعَتَكُمْ تُصيبُوا رُشْدَكُمْ، فَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، نَفْسي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأَهْلي مَعْ أَهْليكُمْ، فَلَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتي مِنْ أَعْناقِكُمْ فَلَعَمْري ما هِيَ لَكُمْ بِنُكْر، لَقَدْ فَعَلْتُمُوها بِأَبي وَأَخي وَابْنِ عَمّي مُسْلِم! وَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصيبَكُمْ ضَيَّعْتُمْ ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾(5) وَسَيُغْنِي اللهُ عَنْكُمْ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه"(6).
فهي من أجل إقامة الحجَّة بعد الحجَّة، وهي في ذات الوقت محاولةٌ لاستنهاض عزائمِهم الخائرة بتذكيرهم بالوعود التي قطعوها على أنفسِهم وتحذيريِهم من مغبَّة نقضِهم لعهودِهم واستفراغ الوسع في الوعظ والنصيحة لهم ثم أفاد (ع) أنَّ الله تعالى سيُغني عنهم تعبيرًا عن أنَّ خذلانَهم لن يُثنيه عن المضيِّ في طريقِه من أجل الإصلاح وتصحيحِ المسار.
وأمَّا قولُه (ع) المتكرِّر في خطاباتٍ عديدة أَّنَّه على استعداد للانصراف عن دخول الكوفة(7) فهو لأنَّ الكوفة أصبحتْ غيرَ مؤهَّلةٍ لاحتضان نهضتِه، فهو لا يبتغي بذلك التراجع عن المضيِّ في نهضته وإنَّما يبتغي من ذلك التربُّص علَّه يجدُ حاضنةً أخرى لنهضتِه أو يُتاح له الإعداد لذلك، وكانت السلطة الأمويَّة تُدرُك ذلك جيِّدًا، ولهذا كانت في سباقٍ مع الزمن خشيةَ أنْ لا يتهيأ لها تصفيةُ الحسين (ع) والتخلُّصُ من خطر وجوده لو تَراختْ في اقتناص هذه الفرصة السانحة.
النص الثالث: ما رواه ابنُ الجوزي من كلامٍ للإمام الحسين (ع) ردًّا على تحذير الفرزدق له من المصير إلى الكوفة والتي وصف أهلها بأنَّ قلوبَهم معه وسيوفَهم مع بني أميَّة فكان جوابُ الإمام- بحسب رواية ابن الجوزي- معبِّرًا عن أنَّ الثورة على بني أمية أبعد من أنْ تدور مدار استعداد أهل الكوفة لمؤازؤته أو عدم استعدادهم، يقول (ع) مبرِّرًا الخروج على بني أميَّة: "يا فَرَزْدَقُ! إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأَظْهَروُا الْفَسادَ في الأْرْضِ، وَأَبْطَلُوا الْحُدُودَ، وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، وَاسْتَأْثَروُا في أَمْوالِ الْفُقَراءِ وَالْمَساكينَ، وَأَنا أَوْلى مَنْ قامَ بِنُصْرَةِ دينِ اللهِ وَإِعْزازِ شَرْعِهِ وَالْجِهادِ في سَبيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا .."(8).
إذن فالغايةُ من النهضة هي نصرةُ دين الله والجهادُ في سبيله والعملُ على تغيير هذا الواقع الفاسد "لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا" وهذه الغاية قائمةٌ ولازمة حتى وإنْ خذلَه أهلُ الكوفة بل وحتى لو تخاذلت الأمة برمَّتها عن نصرتِه، وقد فعلَتْ فلم يعبأ بل كان يُدرِكُ أنَّها ستخذلُه فلم يُثنِه ذلك عن الشروع والإصحار بنهضته.
النص الرابع: كتاب الإمام الحسين (ع) إلى أهل البصرة بحسب ما أوردَه الطبريُّ وغيرُه قال: "وكتبَ بنسخةٍ إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف فكتبَ إلى مالك بن مسمع البكري وإلى الأحنف بن قيس وإلى المُنذر بن الجارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر فجاءت منه نسخةٌ واحدة إلى جميع أشرافها: "أمَّا بعد فانَّ الله اصطفى محمدًا صلَّى الله عليه وآله وسلم على خلقِه وأكرَمه بنبوَّتِه، واختارَه لرسالتِه ثم قبضَه اللهُ إليه وقد نصحَ لعبادة وبلَّغ ما أُرسل به صلَّى الله عليه وآله وسلم وكنَّا أهلَه وأولياءَه وأوصياءه .. وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فانَّ السُنَّة قد أُميتتْ وإنَّ البدعة قد أُحييت وإنْ تسمعوا قولي وتُطيعوا أمري أهدكم سبيلَ الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله"(9).
وأورد الدينوري في كتابه الأخبار الطوال أنَّه جاء في كتاب الحسين (ع) لأهل البصرة: ".. سلامٌ عليكم، أمَّا بعد، فإنِّي أدعوكم إلى إحياء معالم الحقِّ وإماتةِ البدع، فإنْ تُجيبوا تهتدوا سُبلَ الرشاد، والسلام)(10).
فالسببُ الذي برَّرَ به الإمامُ الحسين (ع) لأهل البصرة دعوتَه للثورة والمؤازرة -بحسب ما أورده الطبري- هو أنَّ سنَّة الرسول (ص) قد أُميتت واستُعيض عنها بالبدع، ومثل هذا المبرِّر للنهضة لا يصحُّ تأطيرُه بمطالبة النظام الأمويِّ له بالبيعة بحيثُ إنَّه لولم يُطالبه الأمويُّون بالبيعة فإنَّ له أنْ يغضَّ الطرف عن إماتتهم للسنَّة وإحيائهم للبدعة، فلو كان الأمرُ كذلك لكان معناه اتِّهام الحسين بأنَّه برغماتي وأنَّ توصيفه لواقع الأمويين كان لمجرَّد التهويل والتحشيد، وهذا ما لا يجسرُ على توهُّمه مسلمٌ يخشى الله تعالى.
إنَّ هذا النصَّ والذي يليه يؤكِّدان أنَّ غاية الحسين (ع) من نهضته هو إحياء معالم الحقِّ وإحياء السنَّة -التي جهد النظامُ الأمويُّ على إماتتها- وأنَّه ماضٍ تحت أيِّ ظرفٍ في طريق تحقيقها سواءً طالبَه النظامُ الأموي بالبيعة أو كفَّ عنه وتحاشا استفزازَه.
ثم إنَّ هذا النصَّ خطابٌ بعثَه الإمام (ع) من مكة إلى أهل البصرة ولم يكن أهلُ البصرة قد كتبوا إليه، فهو المُبادِر إلى دعوتهم لمؤازرته في الثورة على بني أمية، وذلك يُعبِّر عن أنَّ الإمام (ع) كان يعمل من مقرِّه في مكة المكرمة على الإعداد لحواضنَ لنهضته، فمراسلتُه لأهل البصرة وقع قبل أنْ يتبيَّن له ظاهرًا أنَّ الكوفة جادَّة في استعدادها أو لم تكن جادَّة، وهو ما يكشفُ عن أنَّ قرار النهضة قد سبق قرار المصير إلى الكوفة، فقرارُ النهضة قد حُسم في مرحلةٍ سابقة بل إنَّ الإعلان عنها والإصحار بها قد وقع منذُ أول يومٍ أعلنَ فيه الرفض القاطع للبيعة، فالرفضُ للبيعة وإنْ لم يكن هو الدافع للنهضة ولكنَّه كان مبدأ انطلاقها، ولهذا فالرسل والمراسلات والخطب والمحاورات كانت الغايةُ منها جميعًا الدعوة للمشاركة في مشروعٍ قد اتُّخذ القرار في امضائه أيَّاً كانت الظروف، فالحسينُ (ع) كان يعلم أنَّ الظروف في أيِّ وجهةٍ قد اتَّجهت فإنَّ ذلك لن يُؤثِّر في انجازه للغاية من نهضته المباركة، فنجاحُ الحسين (ع) في مشروعه لم يكن متوقِّفاً على استعداد أهل الكوفة واستجابة أهل البصرة وسائر الحواضر، نعم هو متوقِّفٌ على دعوتهم لمؤازرته وإلقاء الحجَّة عليهم وهو لم يألو جهدًا في ذلك ولم يُخصِّص دعوته بالكوفة والبصرة فقد خاطب جماهير الحجَّاج فقال: "ألا فمَن كان باذلاً فينا مُهجتَه موطِّنًا على لقاء الله نفسَه فليرحلْ معنا فإنِّي راحلٌ مصبحًا إنْ شاء الله". فنهضتُه ونجاحُها لا يتوقَّفان على توفُّر أسباب الانتصار العسكري نعم هي متوقِّفة على السعي من أجل إيجاد أسباب الانتصار العسكري فإنْ أُتيح ذلك وإلا فالتضحية والفداء هي الوسيلة التي بها يُحقِّق الإمامُ (ع) غايته وهي طلب الإصلاح والتغيير للواقع الفاسد.
القرينةُ على أنَّ رفض البيعة لم يكن هو العامل الأساس:
وأمَّا القرينة على أنَّ رفض البيعة لم يكن هو العامل الأساس في النهضة فمضافًا إلى النصوص التي ذكرنا بعضَها وأغفلنا أكثرها، فإنَّه لو كانت غايتُه متمحِّضة في رفض البيعة لما كان يشقُّ عليه التصريح بذلك فإنَّ تصريحَه قد يُسهم في الكفِّ عنه وعدم ملاحقته، فإنَّ السلطة قد فهمت وتيقَّنت بأنَّ رفض الحسين (ع) للبيعة إعلانٌ للثورة عليها، فكان بإمكانه التصريح بأنَّه غير عازمٍ على الثورة عليها إذا لم تُجبره السلطة على البيعة كما أعلنَ عن ذلك حين طلب منه معاوية البيعة ليزيد بولاية العهد فهو(ع) قد أصرَّ على رفض البيعة ليزيد أيَّام معاوية وفي ذات الوقت بيَّن بأكثر من خطاب بأنَّه ملتزمٌ بعدم الخروج على معاوية(11)، فتركُ الحسين (ع) للتصريح بذلك بعد رفضه للبيعة ليزيد يُؤكِّد أنَّ غايتَه لم تكن متمحِّضة في رفض البيعة.
على أنَّه لو قيل بأنَّ السلطة لن تقبل منه بما دون البيعة فإنَّه يقال بأنَّ الحسين (ع) لولم يكن عازمًا على الثورة وكان كلُّ همِّه أنْ لا يبايع وحسب ففي وسعه أنْ يتوارى عن نظر السلطة ويلجأ إلى موضعٍ لا تصل إليه يدُ السلطة أو لا تصلُ إليه بسهولة فيكون في الوقت سعةٌ للمناورة والتداول لكنَّه (ع) لم يفعل بل توجَّه لبلدٍ هي من حيث المناخ لا تصلحُ للاختباء والمناورة، فهي أرض منبسطة فليس فيها جبال ولا شعاب، وهي في ذات الوقت في متناول يد السلطة، وتجربتُهم فيها مع المعارضين لهم طويلة وأتباعهم فيها كُثُر وتركيبتُها السكانية مكوَّنة من أخلاطٍ وأهواء ومذاهب متباينة وقبائل متنافرة، ولم يتوجَّه إليها بعد أنْ أحكم المؤيِّدون له هيمنتهم عليها بل سار إليها وهي بعدُ في مخاض وبلغَه في طريقه أنَّ السلطة قد أحكمتْ هيمنتها عليها ورغم ذلك تابع مسيره إليها وكان بوسعِه في أول الأمر أنْ ينصرف إلى بلدٍ آخر لكنَّه لم يفعل.
هذا مضافًا إلى أنَّ مسيره إليها كان تحت شعار المناهضة للسلطة ولم يكن تحت شعار اللجوء والاحتماء ولم يكن كلُّ ذلك يخفى عليه، فقد أشار عليه ابنُ عباس بذلك فقال له كما في تاريخ الطبري وغيره: يابن عمّ! إنّي أتصبّر ولا أصبر، إنّي أتخوَّفُ عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إنّ أهل العراق قومُ غدر فلا تقربنَّهم، أقمْ بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإنْ كان أهل العراق يريدونك -كما زعموا- فاكتب إليهم فلينفوا عدوَّهم ثمّ أقدِم عليهم، فإنْ أبيتَ إلا أنْ تخرج فسِرْ إلى اليمن فإنَّ بها حصونًا وشعابًا، وهي أرضٌ عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة، وأنتَ عن الناس في عُزلة، فتكتبُ إلى الناس وتُرسل، وتبثُّ دُعاتك، فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبُّ في عافية. فقال له الحسين (عليه السلام): يَابْنَ عَمِّ! إِنّي وَاللهِ! لأَعْلَمُ أَنَّكَ ناصِحٌ مُشْفِقٌ، وَلكِنّي قد أَزْمَعْتُ وَأَجْمَعْتُ عَلَى الْمَسير"(12).
وقد أشار عليه محمدُ بن الحنفيَّة بما يقربُ من هذه المشورة قال: "اخرج إلى مكّة فإنْ اطمأنَّتْ بك الدار فذاك الذي تُحبُّ وأُحبُّ، وإنْ تكن الأُخرى خرجتَ إلى بلاد اليمن، فإنَّهم أنصارُ جدِّك وأخيك وأبيك، وهم أرأفُ الناس، وأرقُّهم قلوبًا، وأوسعُ الناس بلادًا وأرجحُهم عقولًا، فإنْ اطمأنَّتْ بك أرضُ اليمن وإلاّ لحقتَ بالرمال وشعوب الجبال، وصرتَ من بلدٍ إلى بلد، لتنظر ما يؤولُ إليه أمُر الناس، ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين"(13).
فتدابيرُ مَن يبحث عن اللجوء والاختباء أو الاحتماء بالأنصار لا تخفى على عاقلٍ فضلاً عن الإمام الحسين (ع) والذي كانت كلُّ خطواته وخطاباته المستفِزَّةِ للنظام الأمويِّ والفاضحةِ لواقعِه والمحرِّضةِ على مقارعته تُؤكد أنَّه قد عقدَ العزم على مناهضته تحت أيِّ ظرف وأنَّ مسيره إلى الكوفة -رغم ما يعتري ذلك من مخاطر لم تكن تخفى عليه كما صرح بذلك مرارًا- كان الخيار الوحيد المُتاح والمناسب للتأكيد على أنَّه يبتغي من حركته الثورةَ على النظام وليس شيئًا آخر.
وأمَّا مَن أشار على الإمام (ع) أنْ يذهب لليمن أو بعض البلاد النائية فلم تنشأ مشورتُه عن جهله بغاية الإمام (ع) وأنَّ غايته هي النهضة لطلب التغيير والإصلاح بل نشأتْ من حرصِه على سلامة الحسين (ع) من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ اللجوء إلى تلك البلاد هو المناسب للحسابات السياسيَّة فبدلًا من أنْ يتَّجه الحسينُ (ع) للكوفة وهي بعدُ في مخاضٍ عسير ويُعرِّض نفسه للسيوف والاقتتال وقد تتمكَّن السلطة من حسم الوضع لصالحها فيكون الحسينُ(ع) حينذاك أوَّل المُستهدَفين بالتصفية، فبدلًا من ذلك ينأى الحسينُ (ع) بنفسه وأسرته عن هذا الصراع ويتربَّص عن بُعْدٍ ريثما تسقرُّ الأمور لصالح المؤيِّدين له وتسقط الكوفة -والتي هي من أهم الحواضر الإسلامية آنذاك- بأيديهم فحينئذٍ يكون المسير إليهم مناسبًا، ولو اتَّفق غير ذلك يكون الحسين (ع) بعيدًا عن متناول يد السلطة، فالمتصدُّون لعرض هذه المشورة على الإمام الحسين (ع) يعلمون أنَّ غاية الحسين (ع) من حركته هي الثورة لطلب الإصلاح وليس البحث عن ملجأ يكون معه في مأمنٍ من بطش السلطة، ولذلك كانت مشورتُهم أنْ يكونَ اللجوء لمثل اليمن إجراءً مؤقتا يكتبُ منها إلى الناس ويُراسلُهم ويبعثُ دعاته كما قال ابنُ عباس، وهذا يؤكِّد أنَّ ابن عباس يُدرك أنَّ الحسين (ع) لا يبحث عن ملجأ وإنَّما هو بصدد الثورة، ولذلك أشار عليه أنْ يذهب لليمن فيكون في مأمنٍ من استهداف السلطة ويُمهِّد من هناك لنجاح ثورته فإنْ أُتيح له ذلك فقد بلغ مرامَه وهو في عافية كما قال ابن عباس وإنْ لم يتهيأ له ذلك فقد تحفَّظ على نفسه وأسرته وحظي بالسلامة، وكذلك هو ما اشار به محمد بن الحنفية فإنَّه أشار عليه باللجوء إلى اليمن أو غيرها من البلاد النائية والنظر إلى ما يؤول إليه أمرُ الناس أي أنَّه أشار عليه بمتابعة مجريات الأحداث من هناك، فإنْ صارت الظروف إلى ما يرغبُ فيه وتوطَّدت السُبل ولم يعُدْ ثمة ما يُخشى من غائلته وضرره عاد فأمسك بزمام الأمور وإنْ كانت الدائرةُ على مؤيِّديه يكون هو قد نجى بنفسه وأسرته.
إنَّ مثل هذه المشورة لم تكن تخفى على سيِّد الشهداء (ع) كما صرَّح بذلك حين عرض عليه عمرو بن لوذان ما يقربُ من هذه المشورة فقال له (ع): "ليس يخفى عليَّ الرأي، ولكنَّ الله تعالى لا يُغلب على أمره"(14).
إنَّ اعتماد مثل هذه السياسة لإدارة شؤون الثورة إنَّما تُناسب القادة النفعيين الذين يتسلَّقون للوصول إلى مآربهم على أكتاف الناس ويقتنصون الفُرص إنْ أتيحت ويقطفون ثمار الجهود التي اكتوى بنارها غيرُهم ولا يعبأون بما يُصيبُ الناس من عنَتٍ ومشقَّة، وما يقعُ عليهم من بطشٍ وسطوة إذا كانوا في عافيةٍ وسلامة من كلِّ ذلك فإذا تمخَّضت الظروف عن وهنِ عدوِّهم وتبدَّدِ قوَّتِه جاءوا يلتقطون ثمارًا سقتْ شجراتِها دماءُ الفقراء والمستضعفين، تلك هي السياسة التي يعتمدُها القادة النفعيون، وأمَّا القادة المبدئيون الذين لا يشغلُهم إلا رضوان الله تعالى وخلاصُ شعوبهم من بغي الظالمين وبطشِهم فالسياسةُ التي يعتمدُها هؤلاء هي الوقوف مع شعوبهم في الصفِّ الأول فيُكابدون ما تكابدُه ويتجرَّعون الغُصص التي تتجرع منها شعوبُهم بل يكون نصيبُهم السهمَ الأوفرَ منها فيتحمَّلون أعباء الدور الأصعب منها فتكون الوطأة عليهم أشدَّ وأقسى، تلك هي السياسة التي يعتمدُها القادة المبدئيون من حملة الرسالات الإلهيَّة وهكذا كان سيِّد الشهداء حيث هو الرجل الإلهيُّ الذي منحتَه السماءُ لأهل الأرض وأناطت به مسئوليَّة التحمُّل للأمانة الإلهيَّة، لذلك لا يسعُه الإصغاء لمثل هذه المشورات وهم كذلك لا يسعهم الاستعياب لموقفِه وغاياته تحت ضغط الظروف المحيطة بنهضته ذلك لأنَّهم ينظرون لحركته وموقفه من زاوية المصالح الشخصيَّة والمعادلات السياسية، وينظر الحسين (ع) -ومَن لزِم ركبَه الشريف- من زاوية ما يُصلِحُ أمة الإسلام في حاضرها ومستقبلها إلى قيام الساعة، لذلك استرخص دمَه وأشلاءَه ومضى في طريقه الوعر والملغوم بأقسى العقبات لأنَّه أيقنَ بأنَّه الخيارُ الوحيد القادرُ على تصحيح مسار الأمَّة والضامنُ لإحياء دين الله وبقائه حيَّاً فاعلاً إلى قيام الساعة، ولم يعبأ بأنْ تُدرك الأمة أو لم تُدرك أنَّ خلود الإسلام كان من بركات نهضته وأنَّ فشل المشروع الأمويِّ الرامي لطمس معالم الإسلام كان من آثار دمِه المسفوح وأشلاءِ جسده المقطَّعة.
القرينةُ على أنَّ دعواتِ أهل الكوفة لم تكنْ هي العامل الأساس:
وأمَّا القرينة على أنَّ دعوات أهل الكوفة لم تكن هي الدافع والعامل الأول لنهضته فقد تبيَّن ممَّا تقدم أنَّ إعلان النهضة وقع قبل أنْ تصلَه كتبُهم ولو قُدِّر أنَّه لم تكتِبْ له الكوفة كتابًا ولم تبعث إليه رسولًا لكان هو المُبادِر إلى مراسالتِها واستنهاضها كما فعل ذلك مع أهل البصرة وكما جدَّ في ذلك مع جماهير الحجَّاج القاطنة والوافدة لمكَّة من مختلف الأمصار، فدعواتُ أهل الكوفة لم تكنْ هي الباعث والمؤثِّر في اتِّخاذ الحسين لقرار النهضة -كما توهَّم البعض- فهذا القرار كان قد اتَّخذه الإمامُ الحسين (ع) في مرحلةٍ سابقة، نعم كان اختيار المسير إلى الكوفة دون غيرها منشأه استجابة أهل الكوفة لدعوته وتأكيدهم على مؤازته ومناصرته، وأمَّا قرار النهضة والثورة على النظام الأمويِّ لطلب الإصلاح والتغيير فلم يكن منوطًا بدعوات أهل الكوفة أو استجابتِهم لدعوته فهو (ع) قد أعلن -كما ذكرنا- عن انطلاق نهضته قبل رحيله إلى مكة الشريفة وعمِلَ مِن هناك بمختلف الوسائل المُتاحة والمتعارفة على خلق الأسباب المقتضية لنجاح نهضته أيَّاً كانت نتائجها الظاهريَّة، فجميع الخطوات التي اتَّخذها سيِّدُ الشهداء(ع) تُفضي إلى نجاح نهضته سواءً كُتب لها النصر العسكري أو لم يُكتب، فلعلَّه لم يتَّفق لنهضةٍ على امتداد التأريخ أنْ كان النجاحُ حليفَها على كلِّ تقدير.
وكيف كان فالشاهدُ الأول على أنَّ دعوات أهل الكوفة لم تكن هي المؤثِّر في اتِّخاذ الحسين (ع) لقرار الثورة مضافًا إلى ما ذكرناه من نصوص هو أنَّ دعوات أهل الكوفة جاءت متأخِّرة -ليس بالوقت اليسير في عمر الثورات- عن إعلان الإمام انطلاق ثورته المباركة وقد سبقتْها خطواتٌ ومراسلاتٌ وخطاباتٌ ومحاورات بل لا يبعد أنَّ مراسلة أهل الكوفة للإمام الحسين (ع) إنَّما نشأ عن وصول خبر رفضِه للبيعة وإعلانه للنهضة على بني أمية، ومراسلتُهم له لم يكن لغرض بعثِه على مناهضة النظام الأمويِّ وإنَّما هو لغرض إبداء الاستعداد لاحتضان نهضته، ويُمكن استظهار ذلك من ملاحظة النصِّ التأريخيِّ الشهير(15) الذي تضمَّن الكشف عن اللقاء الأول الذي عقده أعيانُ الكوفة وتمخَّض عنه مراسلة الإمام الحسين (ع) فقد اشتمل هذا النصُّ على أنَّ سبب اللقاء هو وصول خبر هلاك معاوية وامتناع الحسين (ع) عن البيعة ليزيد وخروجه إلى مكة.
فهذا النصُّ يؤكِّد ما ذكرناه من أنَّ دعوات أهل الكوفة جاءت متأخِّرة عن إعلان الحسين (ع) لنهضته بل تُؤكِّد على أنَّ الذي حفَّزهم على مراسلة الإمام الحسين (ع) هو رفضُه للبيعة والذي هو -بمقتضى ظروف الرفض ولغته- مؤشِّرٌ على عقده العزم على النهضة وتُؤكِّد كذلك على أنَّ مراسلتهم له لم تكن لغرض استنهاض الإمام -كما توهَّم البعض- بل هو لغرض إبداء الإستعداد لاحتضان نهضته.
وحين استجاب الإمامُ الحسين (ع) لدعوات أهل الكوفة لم يكن غافلاُ عن التركيبة المعقَّدة لهذا البلد كما لم يكن غافلاً عن احتمال نقضِهم للعهد الذي قطعَوه على أنفسِهم، وكذلك لم يكن غافلًا عن احتمال عجز مَن راسلَه عن احتضان نهضته فكلا الاحتمالين كان وارداُ وحاضرًا في خطاباته وخُطبه ورغم ذلك مضى في طريقِه إليهم.
ذلك لأنَّه الخيار الوحيد المتاح بعد أنْ خذلتْه الحجاز بقطريها المدينة ومكة، وقد كان فيهم بعد الإعلان عن النهضة ما يزيدُ على الأربعة أشهر وقد علموا جميعًا بعقده العزم على مناهضة السلطة الأمويَّة وظلَّ يدعوهم لمؤازرته ومناصرته فلم يسجب منهم لدعوته إلا النزرُ اليسير بل لم يجد منهم إلا التثبيط وتقمُّص دور العقلاء المُشفِقين الناصحين. فهذا عبد الله بن عمر يقول للإمام الحسين (ع): "أبا عبد الله! مهلًا عمّا قد عزمتَ عليه، وارجع من هنا إلى المدينة، وادخل في صلحِ القوم، ولا تغبْ عن وطنك وحرَمِ جدِّك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ولا تجعل لهؤلاءِ الذين لا خَلاقَ لهم على نفسِك حجَّة وسبيلًا .. فقال الحسين (عليه السلام): "أُفٍّ لِهذَا الْكَلامِ أَبَدًا ما دامَتِ السَّماواتُ والأرضُ! ثم قال (ع) لعبد الله بن عمر: اِتَّقِ الله أَبا عَبْدِ الرَّحْمنِ! وَلا تَدَعَنَّ نُصْرَتي .."(16).
فالمسير إلى الكوفة كان هو الخيارُ الوحيدُ المُتاح لسيِّد الشهداء (ع)، وكان احتمال نجاحه واردًا بل وراجحًا بحسب الموازين السياسيَّة ولذلك استنفرت السلطةُ الأمويَّة كلَّ امكانياتها من أجل اجهاضه ورغم كونه خيارًا قابلًا للنجاح إلا أنَّ الإمام الحسين (ع) لم يكن يُعوِّل على نجاحِه كما تُؤكِّد ذلك النصوص الكثيرة والكثيرة جدًا التي صرَّح الإمامُ فيها قبل مقتل مسلم وبعده -وكما هو الوعد الإلهي الذي تواتر عن الرسول (ص) وكان كثيرًا ما يردِّدُه- بأنَّ الكوفة ستخذلُه(17) كما خذلته الحجاز وأنَّ مآل مصيره إلى اختيار التضحية والفداء، وذلك يُؤكِّد بما لا يدعُ مجالًا للشك أنَّ نهضته لم تكن منوطةً بدعوات أهل الكوفة وتأكيدهم على الاستعداد لمؤازرته، فهو إنَّما قَبِل بدعوات أهل الكوفة ليتمِّم بذلك الحجَّةَ عليهم وعلى الأمَّة وأمام التأريخ، ولأنَّه لا يسوغُ اختيار طريق الفداء والتضحية ما لم يستنفذ الإمامُ (ع) جميع الخيارات المتاحة، ولأنَّ الأمة والتاريخ لن يستوعبا المبرِّر لاختيار الإمام (ع) طريق الفداء والتضحية ما لم يتم الوقوف على أنَّ الحسين (ع) لم يكن له خيارٌ آخر غير هذا الخيار، ولأنَّ اختيار طريق الفداء والاستشهاد والتضحية لن يكون له الأثر المرجو على حاضر الأمَّة ومستقبلها إلا بأنْ يأخذَ الحسين (ع) بالأسباب التي يثبتُ بعدها أنَّ الأمة والسلطة الأمويَّة قد ألجئاهُ إلى اختيار طريق الفداء والتضحية.
فالخيارُ الوحيد المقابلُ لخيار التضحية هو الاستسلامُ والخنوع والهَوان وشرعنةُ الوضعِ الفاسدِ والملكِ العضود، والقبولُ بطمس الأمويِّين لمعالم الإسلام وإماتة السُنَّة وإحياءُ البدعة والبغيُ والظلم والاستئثارُ بمقدَّرات الأمة.
أمَّا وقد اختار الإمامُ الحسين (ع) والذي هو سبطُ الرسول (ص) وريحانتُه وثقلُه وأعلمُ الناس بكتاب الله وسنَّة رسوله (ص)، أمَّا وقد اختار طريق التضحية والفداء بعد أنْ أعذرَ واستفرغ الوِسع في استنهاض الأمَّة فقد فوَّت على النظام الأمويُّ ما كان يحرصُ عليه من إضفاء الشرعيَّة على نظامه، وفوَّت عليه سعيَه المحموم في تمرير مشروعِه الرامي إلى طمس معالم الإسلام، ووضَعَ الأمةَ أمام مسئوليَّة السعي من أجل الإصلاح والتغيير واستَثارَ فيها الشعورَ بالذنب والتأثُّم حيثُ لم تستجب لنداءاته واستغاثاته لاستنقاذ دين الله فاضطر إلى أنْ يستصرخها بدمه الزاكي ودماء فتيته وأطفاله.
وبدمه المسفوح وأشلائه وعظامه المهشَّمة تعرَّفت الأمةُ على هويَّة هذا النظام ونفاقه، وبإعلانه النهضة على هذا النظام الفاسد -وهو أعلم الناس بشريعة جدِّه المصطفى (ص)- أدركت الأمةُ كذبَ ما يُروِّج له النظامُ الأموي مِن أنَّ الرسول (ص) قد حرَّم الخروج على السلطان الجائر، ومنه أدركتْ أنَّ المتنسِّكين الذين يقتاتون فُتات موائد النظام الأمويِّ غيرُ جديرين بالثقة وتحمُّل أمانة النقل لسنَّةِ الرسول الكريم (ص) ولذلك يتعيَّن على الأمة مراجعة كلِّ ما كان يُروِّج له هؤلاء من أخبارٍ ومعتقدات، وبمقتله الشريف وعظيم ظلامته تبلور للتأريخ وذوي الإنصاف حجمَ الخطيئة التي وقعت بعد رحيل الرسول (ص) فكان من إفرازاتها ونتائجها أنْ يتبوأ مثلُ يزيد مقامَ الخلافة لرسول الله (ص) فيعمد إلى سبطِه وريحانته وسيِّد شبابِ أهل الجنَّة فيقتله أبشع قتلةٍ عرفها التأريخ ويُمثِّل بجسده ويطوف برأسه حواضر الإسلام ويسوقُ بنات الرسالة سبايا من بلدٍ إلى بلدٍ غير عابئ ولا متأثِّم.
إنَّ تلك هي بعضُ ما أنتجته نهضةُ الحسين (ع) واختياره لطريق التضحية والفداء مضافًا إلى الروح النضاليَّة التي انبعثت في ضمير عددٍ وازنٍ من أبناء الأمَّة فكان لها الأثرُ البالغ في تقويض بُنى الدولة الأمويَّة، وظلَّت هذه الروح الخلَّاقة تقضُّ مضاجعَ الظالمين إلى أنْ تقوم الساعة، وكلَّما ذوتْ تزوَّدت من وقود هذه النهضة، ومِن هذه النهضة المباركة أدركَ العالَمون الموقعَ المتقدِّم الذي تحظى به العدالة الإجتماعية في منظومة القيم الإسلاميَّة فهي بمكانٍ من الإسلام بحيث دفع برائده إلى التضحية بدمِه من أجل تحقيقها، ومن هذه النهضة رسم الإسلامُ لأتباعه بدم رائدِه طريقَ الخَلاص من الأوضاع الفاسدة ومن المسأثرين.
والحمد لله ربِّ العالمين
من كتاب: تساؤلات حول النهضة الحسينية
الشيخ محمد صنقور
2 / محرم / 1440هـ
12 / سبتمبر/ 2018م
1- مقتل الحسين -الخوارزمي- ج1 / ص188، الفتوح -ابن أعثم- ج5 / ص21. بحار الأنوار نقلًا عن مقتل السيد محمد بن أبي طالب الموسوي ج44 / ص329. وأورد ذلك ابن شهراشوب بشيء من التفاوت في كتابه مناقب آل أبي طالب ج3 / ص241.
2- تاريخ الطبري ج4 / ص304 الكامل -ابن الأثير- ج5 / ص48، الفتوح ج5 / ص81، نقل البلاذري في أنساب الأشراف للبلاذري جزء من الخطبة ج3 / ص171.
3- سورة البقرة / 268.
4- سورة النور / 21.
5- سورة الفتح / 10.
6- تاريخ الطبري ج4 / ص304، الكامل -ابن الأثير- ج5 / ص48، الفتوح ج5 / ص81.
7- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص85، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص247، روضة الواعظين ص181.
8- تذكرة الخواص ص217.
9- تاريخ الطبري ج4 / ص266، أنساب الأشراف -البلاذري- ج2 / ص78، البداية والنهاية ج8 / ص170، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص17.
10- الأخبار الطوال -الدينوري- ص231.
11- الإحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص20، اختيار معرفة الرجال -الطوسي- ج1 / ص252، الإمامة والسياسة -ابن قتيبة- ج1 / ص156.
12- تاريخ الطبري ج4 / ص288، الكامل في التاريخ ج4 / ص39، الأخبار الطوال -الدينوري- ص244، المختصر في أخبار البشر -أبي الفدا- ج1 / ص190.
13- الفتوح ج5 / ص20، الإرشاد -المفيد- ج2 / ص25، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص240، تجارب الأمم -ابن مسكويه- ج2 / ص29.
14- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص76، تاريخ الطبري ج4 / ص301.
15- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص36، تاريخ الطبري ج4 / ص261، الفتوح -ابن أعثم- ج5 / ص27، روضة الواعظين ص172، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص436.
16- الفتوح -ابن أعثم- ج5 / ص25، مثير الأحزان ص29، اللهوف -ابن طاووس- ص22.
17- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص29، اللهوف -ابن طاووس- ص38. مناقب الإمام أمير المؤمنين -محمد بن سليمان الكوفي- ج2 / ص262، الأمالي -الشجري- ج1 / ص229.