التعريف بمذهب المُرجِئة ومفاسدِه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

ورد في الكافي عن الإمام الصادق (ع) قوله: "بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ"([1]).

ما هو المقصود من المرجئة في الرواية؟

 

الجواب:

يُطلق عنوان المُرجِئة عند المتكلِّمين على مذهبين متقاربين نسبيًا يتبنَّى كلُّ واحدٍ منهما فريق، وثمة استعمالٌ ثالث لعنوان المُرجئة قد لا يكون بينه وبين المذهبين جامعٌ سوى المدلول اللُّغوي لكلمة الإرجاء والذي هو التأخير، وسوف نُشير إليه في نهاية البحث، ونبدأ فعلًا بتحرير مبنى كلٍّ من المذهبين الذَين تعارفَ بين المتكلمين إطلاق اسم المُرجئة على أصحابهما

 

مذهب المرجئة بمعنييه:

المبنى الأول: هو أنَّه لا يضرُّ مع الإيمان معصية، فكلُّ مَن آمن بالله جلَّ وعلا وآمنَ برسوله (ص) وصدَّق بأصول العقيدة فهو من أهل النجاة يوم القيامة وإنْ اقترفَ عظائمَ الذنوب وكبائرها مصرًّا عليها ومات دون توبة، فأصحابُ هذا المبنى القائلون بأنَّه لا يضرُّ مع الإيمان معصية وأنَّ الإيمان بأصول العقيدة كافٍ للحكم على واجده بالنجاة من عذاب الآخرة فأصحابُ هذا المبنى يُطلقُ عليهم عنوان المُرجِئة، ومنشأ تسميتهم بالمُرجئة هو زعمُهم أنَّ الله تعالى أرجأ العذاب عن العصاة إذا كانوا من أهل الإيمان أو على حدِّ تعبير بعضهم أنَّه تعالى أرجأ العذاب عن أهل القبلة أي أخَّره عنهم فجعلهم في منأىً منه، فلا تمسَّهم النار أبدًا ولو لأيامٍ معدودات([2]).

 

المبنى الثاني: هو أنَّه لا يصحُّ الحكم على العُصاة بالعذاب يوم القيامة مطلقًا، فكلُّ مَن آمن بالله تعالى وبرسوله (ص) واليوم الآخر ومات على الإيمان فلا يجوز الحكم عليه بالعذاب يوم القيامة -وإنْ اقترف عظائم الذنوب ومات دون أنْ يتوب منها- بل يجبُ التوقُّف في شأنه، فيُرجى له الثواب لإيمانه ويُخشى عليه العقاب لذنوبه، فأصحابُ هذا المبنى يُعبَّر عنهم بالمرجئة، ومنشأ تسميتِهم بذلك هو دعواهم لزوم إرجاء القول في الفسَّاق إلى يوم القيامة أي تأخير الحكم عليهم إلى يوم البعث فلا يُقطع عليهم بعقابٍ أو ثواب([3]) ولذلك عرَّفهم السيد المرتضى (رحمه الله) بقوله: "المُرجئة: الواقفة في الفسَّاق هل لهم عذاب أم لا "([4]).

 

ومبدأ ظهور هذا المذهب -كما قيل([5])- هم الجماعة الذين تخلَّفوا عن الإمام أمير المؤمنين(ع) فلم يُقاتلوا معه الناكثين والقاسطين ولم ينضمُّوا إلى البغاة من الناكثين والقاسطين بل اعتزلوا الفريقين بزعم أنَّها فتنة ينأونَ بأنفسِهم عنها ثم إنَّهم أو بعضهم قالوا بأنَّنا لا نحكم على الفريقين بالعذاب يوم القيامة لأنَّهم جمعيًا موحِّدون لذلك لا نقطع عليهم بعقاب أو ثواب بل نُرجئ أمرهم إلى الله تعالى ونرجو لهم الثواب ونخشى عليهم العقاب، ثم إنَّ هذا القول لقي استحسانًا من قِبَل أصحاب الأهواء فتوسَّعوا فيه فقالوا بلزوم الامتناع عن إدانة أيِّ موحِّدٍ والحكم عليه بالعذاب وإنْ كان هذا المدَّعي للإيمان والتوحيد قد هدم الكعبة وأحرق المصاحف، واستباح دماء أولاد الأنبياء والصالحين وأستأثر بالفيء وعطَّل الحدود وأشاع الفساد ولم تبقَ عظيمةً من العظائم إلا وقد اقترفها أو أعان عليها، فمثلُه يُرجى له الثواب لإيمانه ولا يجوز التشنيع عليه ولا القطع عليه بعقاب وذلك لأنّه بعد أنْ أقرّ بالشهادتين أصبح مستكمل الايمان، فإيمانه كإيمان جبرئيل وميكائيل فعَلَ ما فعل، وارتكب ما ارتكب ممّا نهى الله عنه([6]).

 

والأصلُ الذي يرتكز عليه مذهب الإرجاء بمعنييه:

والأصلُ الذي يرتكز عليه مذهب الإرجاء بمعنييه الأول والثاني هو تحديد ماهيَّة وحقيقة الإيمان فثمة مذاهب أربعة في ذلك:

 

المذهب الأول: يتبنَّى دعوى أنَّ الإيمان هو المعرفة لله تعالى محضًا، فكلُّ مَن كان كذلك فهو مؤمن حتى وإن كان منتميًا للديانة اليهودية أو النصرانية أو غيرها من الديانات، ويُنسب هذا المذهب إلى الجهم بن صفوان ويسمَّى أصحاب هذا المذهب بالجهميَّة، وبقطع النظر عن صحَّة هذه النسبة أو عدم صحَّتها فإنَّ ثمة من يتبنَّى هذه المذهب إلى يومنا هذا، كالذين يقولون بصحَّة التعبُّد بأيٍّ من الأديان، وقريبٌ منهم القائلون بصحَّة التعبُّد بالديانات التي يُسمُّونها الإبراهيميَّة.

 

المذهب الثاني: يتبنَّى دعوى أنَّ الإيمان هو الإقرار باللِّسان، فمن أقرَّ بالتوحيد وأُصول العقيدة بلسانه فهو مؤمن حتى وإنْ كان معتقدُه على خلاف ما أقرَّ به، نعم لو كان معتقدًا بخلاف ما أقرَّ به فهو عند الله من المنافقين ومصيره يوم الحساب هو الخلود في النار إلا أنَّه يجب الحكم بإيمانه في الدنيا حتى مع القطع بكونه من المنافقين، وقد نُسب هذا المذهب إلى محمد بن كرّام السجستاني، ويُسمَّى أصحاب هذا المذهب بالكراميَّة، وبقطع النظر عن صحَّة هذه النسبة أو عدم صحَّتها فإنَّ ثمَّة من يتبنَّى هذا المذهب إلى يومنا هذا ويقولون بأنَّ كلَّ من أقرَّ بالشهادين بلسانه فهو مؤمنٌ وإنْ عُلم بالشواهد القطعيَّة عدم اعتقاده بالله ربًّا وبمحمدٍ (ص) نبيًّا.

 

المذهب الثالث: يتبنَّى دعوى أنَّ الإيمان هو التصديق واقعًا بأصول العقيدة كالتوحيد ونبوَّة النبيِّ محمد (ص) والبعث يوم القيامة وكذلك سائر ما جاء به محمد (ص) من عند ربِّه فكلُّ من آمن بذلك صادقًا فهو مؤمن وإنْ لم ينطق بالشهادتين أي أنَّ الإيمان يتمحَّض في التصديق دون الإقرار باللِّسان، ويُنسب هذا المذهب للأشاعرة والماتريدية، وقيل إنَّ المذهب الذي يتبنَّاه الأشاعرة والماتريديَّة هو المذهب الرابع.

 

المذهب الرابع: يتبنَّى أنَّ الإيمان هو التصديق مضافًا إلى الإقرار وهذا المذهب الأخير منسوب إلى أبي حنيفة وأصحابه ويسمِّي المتكلِّمون أصحاب هذا المذهب مرجِئة الفقهاء([7]) والظاهر أنَّ هذا المذهب هو الذي يعتمده فعلًا الأشاعرة والماتريديَّة وهم أكثر أهل السنَّة والجماعة.

 

وتشترك هذه المذاهب الأربعة في استبعاد العمل والطاعة عن حقيقة الإيمان، فالإيمان هو المعرفة أو التصديق القلبي أو الإقرار أو هو كلٌّ من التصديق والإقرار، وليس للعمل والطاعة دخلٌ في حقيقة الإيمان مطلقًا، ولذلك يدخلُ جميع أصحاب المذاهب الأربعة الآنفة الذكر تحت عنوان المُرجئة وذلك لأنَّهم أخَّروا العمل عن حقيقة الإيمان، فالإيمان يصدق ويتحقَّق وإنْ لم يصحبه العمل مطلقًا بل يصدق الإيمان ويتحقَّق وإنْ اقترف واجدُه الموبقات كلَّها ولم يُقلع عنها إلى أن مات، نعم قد لا يتبنَّى أصحاب هذه المذاهب أو بعضهم دعوى أنَّ المحكوم بإيمانه من أهل النجاة كما هو المبنى الأول إلا أنَّ مَن لا يقول بذلك منهم يقول بعدم جواز الحكم على أحدٍ من أهل الإيمان بعقاب حتى وإن لم يؤدِ عن اختيارٍ فريضةً قط وحتى لو اقترف عظائم الذنوب ومات مصرًّا عليها.

 

مذهب الخوارج والمعتزلة فيما يُعتبر في الإيمان:

ويقف على طرف النقيض لمذهب الإرجاء -بصيغه الأربع- مذهبُ الخوارج ومذهبُ المعتزلة، فمذهب الخوارج يتبنَّى دعوى أنَّ مرتكب الكبيرة ولو لمرَّةٍ واحدة كافرٌ خارج عن ملَّة الإسلام وإنْ كان مصدِّقًا بأصول العقيدة ومقرًّا بها، فإنْ تاب عاد إلى الإسلام وإنْ لم يتُب فهو مهدور الدم وإنْ ماتَ كان موتُه على غير دين الإسلام.

 

وأمَّا المعتزلة فيقولون بأنَّ مرتكب الكبيرة ولو لمرَّةٍ واحدة ليس مؤمنًا ولكنَّه ليس كافرًا بل هو في منزلةٍ بين المنزلتين.

 

فمذهب الخوارج ومذهب المعتزلة يشتركان في تبنِّي أنَّ العمل والطاعة -بمعنى الالتزام بالفرائض وترك الكبائر- ركنٌ أصيل في حقيقة الإيمان، ولذلك فمَن ترك فريضةً أو اقترف كبيرة فهو خارجٌ حقيقةً من حيز الإيمان، نعم يختلف الخوارج عن المعتزلة في أنَّ العاصي بترك الفريضة أو اقتراف الكبيرة هل يدخلُ في زمرة الكافرين، فمذهب الخوارج هو أنَّه يُصبح من أهل الكفر حقيقةً، وأما مذهب المعتزلة فهو أنَّه يخرج حقيقةً من حيِّز الإيمان ولكنَّه لا يدخل في زمرة الكافرين بل يكون في منزلةٍ بين المنزلتين([8]).

 

وكيف كان فالمرجئة بمعناها الأول وبمعناها الثاني ترتكز -فيما تذهب إليه- على مبناها في حقيقة الإيمان، فلأنَّها تستبعد العمل من حقيقة الإيمان وتنفي أيَّ تأثيرٍ أو دخالةٍ للطاعة فيما يتحقَّق به الإيمان وتدَّعي أنَّ الإيمان لا يتجاوز التصديق القلبي أو التصديق مع الإقرار لذلك ذهب فريقٌ منهم إلى أنَّ النجاة يوم القيامة منوطٌ محضًا بالتصديق أو التصديق مع الإقرار وأنَّ مَن كان كذلك فلنْ تمسَّه النار ولو لأيامٍ معدودات حتى وإن لم يلتزم قطُّ عن اختيارٍ بفريضة وحتى لو اقترف الموبقات كلِّها ومات مصرًّا عليها. فهو من الناجين لأنَّه مات على الإيمان والتصديق والإقرار بأصول العقيدة.

 

واستعظم الفريقُ الآخر من المرجئة -وهم أكثر أهل السنَّة والجماعة- ما ذهب إليه الفريقُ الأول فخفَّفوا من غلوائه فقالوا إنَّ المقترِف للموبقات أو التارك للفرائض مؤمنٌ حقيقةً ولكنَّنا لا نجزم بنجاته، فنرجو له النجاة لإيمانه ونخشى عليه العقاب لعصيانه، ولا نقطع عليه بحكم بل نُرجأُ ونُؤخِّرُ الحكم عليه إلى يوم القيامة ولذلك لا يصحُّ الحكم على الطغاة والظلمة وقتلة أولاد الأنبياء والمبارزين لله بالحرب والتمرُّد لا يصح الحكم على هؤلاء ومَن دونهم ومَن هم أشدُّ عتوًا منهم بالنار بل هم مرجون لأمر الله تعالى أي مؤخَّرون إلى يوم القيامة، وذلك لعدم خروجهم بما اقترفوا عن حيِّز الإيمان.

 

مستند مذهب الإرجاء بصيغته الأولى:

ويستند أصحابُ الإرجاء بمعناه الأول في دعواهم النجاة لمطلق العصاة أيًّا كانت درجة عصيانهم يستندون في ذلك إلى رواياتٍ كثيرة نسبوها في طرقهم إلى الرسول الكريم (ص):

 

منها: ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي موسى الأشعري: قال: قال رسولُ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): يجمع اللّه عزّ وجلّ الأُمم في صعيدٍ يوم القيامة، فإذا بدا للّه عزّ وجلّ أنْ يصدعَ بين خلقه مثّل لكلِّ قومٍ ما كانوا يعبدون فيتبعونَهم حتى يُقحمونهم النار، ثمّ يأتينا ربُّنا عزّ وجلّ، ونحن على مكانٍ رفيع فيقول: مَن أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا عزّ وجلّ قال: فيقول: وهل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونَه ولم تروه؟ فيقولون: نعم إنّه لا عِدلَ له، فيتجلَّى لنا ضاحكًا، فيقول: أبشروا أيُّها المسلمون، فإنّه ليس منكم أحدٌ إلاّ جعلت مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًا"([9]).

 

ومنها: ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسولُ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة دفع اللّهُ عزَّ وجلَّ إلى كلِّ مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول: هذا فكاكك من النار"([10]).

 

ومنها: ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرُها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى .."([11]).

 

ومنها: ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه عن عون وسعيد بن أبي بردة، أنّهما شهدا أبا بردة يُحدِّث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يموتُ رجلٌ مسلم إلاّ أدخل اللّهُ مكانه النار يهوديًّا أو نصرانيًّا، قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللّه الذي لا إله إلاّ هو ثلاث مرّات أنّ أباه حدَّثه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: فحلف له"([12]).

 

ومنها: مأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنَّ هذه الأمَّة مرحومة، عذابُها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة، دُفع إلى كلِّ رجلٍ من المسلمين رجلٌ من المشركين فيُقال: هذا فداؤك من النار"([13]).

 

منافاة هذه الروايات للقرآن وبديهة العقل:

أقول: هذه الروايات وما يُشبه مضمونها تنسب لله جلَّ وعلا الظلم الصريح في أبشع صوره ومراتبه -تعالى الله عما يقولون علوَّا كبيرا- فالمشرك وكذلك اليهودي أو النصراني إذا كان مستحقًّا للنار فإنَّه يُعاقب جزاءً له على ضلاله وما اجترحه من جرائر، وأمَّا أنْ يُحمَّل أوزار ما اقترفه غيرُه من ذنوب ويُعاقَب على جرائمَ ارتكبها غيرُه فذلك من الظلم الفظيع الذي يأبى الطغاة أن يُسند إليهم مثلُه، فلو أنَّ أحدًا من المسلمين قتل مسلمًا متعمِّدًا أو سرق مِن حرزٍ وصار حقًّا على الأول أنْ يُقتل قصاصًا وعلى الثاني أنْ يُقطع، فلو جاء القاضي برجلٍ من اليهود أو سائر المِلل ففدى به القاتل وقتله بدلًا عنه وأطلق سراح القاتل، وجاء بيهوديٍّ ففدى به السارق وقطع يده مكان قطع يد السارق لو فعل ذلك لم يختلف العقلاءُ قاطبةً أنَّه من أظلم البريَّة، فكيف صحَّ أن يُسند ذلك إلى الله جلَّ وعلا!! وقد قال في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾([14]) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾([15]) فمثلُ هذه الروايات منافية لبديهة العقل وصريح القرآن قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾([16]) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾([17]) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾([18]) فالوزر لا يحمله إلا مقترفُه وإنْ يدعُ غيره إلى أنْ يحمله عنه أو يُشاركه في حمله لم يُحمل منه شيء وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾([19]) نعم: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾([20]) ولكنَّه سيُقرع بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾([21]).

 

رواياتٌ أخرى يستندُ إليها المرجئة:

وكذلك يستندُ أصحابُ الإرجاء بمعناه الأول إلى طائفةٍ أخرى من الروايات:

منها: ما أخرجه الخطيب البغدادي بسند صحيح عن ابن عمر عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما مِن أمَّةٍ إلا وبعضها في النار وبعضها في الجنَّة، إلا أمتي فإنَّها كلَّها في الجنَّة"([22]).

 

ومنها: ما أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: قال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم): "أمتي هذه أمَّةٌ مرحومة ليس عليها عذابٌ في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل"([23]).

 

ومنها: ما أخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن أبي هريرة كان يقول: قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنَّ أمتي أمَّةٌ مرحومة مُتاب عليها مغفورٌ لها، لا عذاب عليها في الآخرة، إنَّما عذابُها في الدنيا الزلازل والفتن"([24]).

 

ومنها: ما أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك عن أبي بردة قال: "بينا أنا واقف في السوق في أمارة زياد إذ ضربتُ بإحدى يدي على الأخرى تعجبا فقال رجل من الأنصار: قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله مما تعجب يا أبا بردة قلت: أعجب من قوم دينهم واحد ونبيهم واحد ودعوتهم واحدة وحجهم واحد وغزوهم واحد يستحل بعضهم قتل بعض قال فلا تعجب فانى سمعت والدي أخبرني انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إنَّ أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن". هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه([25]).

 

أقول: ليهنأ طغاة هذه الأمَّة وبغاتها والظلمة والغارقون في دماء المسلمين والمفسدون منهم الأرض والمستأثِرون بأرزاق العباد والمُشيعون للفحشاء والمنكر ليهنأ كلُّ هؤلاء وأشباههم من العصاة والفسقة وليُوغِلوا في عصيانهم وتهتُّكِهم، فلن تمسَّ أحدٌ منهم النار ولو لأيامٍ معدودات لا لشيءٍ سوى أنَّهم منتمون لهذه الأمَّة!! فهل ثمة إغراءٌ بالفحشاء والمنكر والبغي أقبح من هذا الإغراء!! إنَّ مؤدَّى هذه الروايات المكذوبة هو أنَّ آيات الوعيد على كثرتها لم تصدر جدَّا وليس لها من تأثير حتى بمستوى الإنذار والتخويف فمؤدَّى هذه الروايات أنَّ المسلمين قاطبةً غير معنيين بهذه الآيات، فهم في أمنٍ من وعيد الله لن ينالهم شيئًا من عذابه فليفعلوا ما يشاؤون وليقترفوا ما هم مفترفون

 

إنَّ أصحاب مذهب الإرجاء بصيغته الأولى أشدُّ جرأة على الله تعالى وأكثر وقاحةً من اليهود فهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾([26]) وأمَّا هؤلاء فقالوا لن تمسَّهم النار ولو لأيامٍ معدودات، فليس عليهم من حسابٍ أو عقاب. وقد أغفلوا صريح الآيات الكثيرة التي توعَّدت العصاة من هذه الأمة بالعذاب الشديد كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([27]) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾([28]).

 

مذهبُ الإماميَّة في الإيمان والكفر:

مذهب الإماميَّة في الإيمان والكفر هو أنَّ كلَّ من أقرَّ بالشهادتين فهو على ظاهر الإيمان، معصومُ الدم والمال، تصحُّ مناكحته، وتحلُّ ذبيحته، ويُحفظ له حقُّه في الميراث، ويُدفن إذا مات في مقابر المسلمين، وله ما لسائر المسلمين من الحقوق.

 

وأمَّا الإيمان المُنجي من عذاب الله تعالى يوم القيامة والمصحِّح للثواب ودخول الجنَّة فهو التصديق واقعًا بأصول العقيدة والإقرار بها والعمل بالطاعات واجتناب الكبائر، فالإيمانُ المُنجي يتقوَّم بأركانٍ ثلاثة: التصديق القلبي والإقرار والعمل، فالتصديقُ وحده لا يكفي، وكذلك فإنَّ الإقرار وحده لا يكفي، وهكذا فإنَّ العمل بالطاعات دون تصديقٍ وإقرارٍ لا يكفي، نعم لو آمن الإنسان -صادقًا- بأُصول العقيدة وأقرَّ بها، والتزم بالفرائض واجتنب الكبائر ولكنَّه ضعُف فترك فريضةً أو اجترح كبيرة فإنَّه لا يخرج من حيِّز الإيمان وإنَّما يُصبح بذلك فاسقًا فإنْ مات دون توبة كان مستحقًّا للعقوبة الأخروية إلا أن يناله عفوُ الله تعالى أو تُدركه شفاعة وإلا فمآله جهنَّم يستوفي فيها جزاء ذنوبِه التي اقترفها ثم يكون مصيره بعد استيفاء عقوبته إلى الجنَّة جزاءً له على إيمانه وطاعاته. هذا إذا لم تكن ذنوبه كاشفةً عن نفاقه وعدم صدقِه في دعواه الإيمان وإلا فمآلُ مثله الخلود في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾([29]).

 

وقد نصَّت على ما ذكرناه الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) والتي تجاوزت -كما أفاد صاحب الوسائل في كتابه الفصول المهمة([30])- حدَّ التواتر:

 

فمِن ذلك معتبرة الْقَاسِمِ الصَّيْرَفِيِّ شَرِيكِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: "الإِسْلَامُ يُحْقَنُ بِه الدَّمُ، وتُؤَدَّى بِه الأَمَانَةُ، وتُسْتَحَلُّ بِه الْفُرُوجُ، والثَّوَابُ عَلَى الإِيمَانِ"([31]) فكلُّ مَن نطق بالشهادتين فهو على ظاهر الإسلام، له ما للمسلمين من الحقوق، وأما الثواب والنجاة فهو على الإيمان أي منوطٌ بالإيمان والذي منه الطاعة كما سيتضح من الروايات الأخرى

 

ومنها: معتبرة عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إلى أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَسْأَلُه عَنِ الإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ: سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّه عَنِ الإِيمَانِ والإِيمَانُ هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وعَقْدٌ فِي الْقَلْبِ وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ .."([32]).

 

ومنها: صحيحة عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (ع) قال: قال رسولُ الله (ص): "الإيمانُ قولٌ وعملٌ، أخوان شريكان"([33]).

 

ومنها: صحيحة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسولُ الله (ص): ليس الإيمانُ بالتحلِّي ولا بالتمنِّي ولكنَّ الإيمان ما خلصَ في القلب وصدَّقته الأعمال([34]).

 

ومنها: معتبرة الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في كتابه إلى المأمون قال: والإيمانُ هو أداءُ الأمانة، واجتنابُ جميع الكبائر، وهو معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان"([35]).

 

ومنها: رواية أَبي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): ".. قَالَ: قُلْتُ: ألَا تُخْبِرُنِي عَنِ الإِيمَانِ أقَوْلٌ هُوَ وعَمَلٌ أَمْ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ: الإِيمَانُ عَمَلٌ كُلُّه، والْقَوْلُ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ بِفَرْضٍ مِنَ اللَّه .. قَالَ: قُلْتُ: صِفْه لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ حَتَّى أَفْهَمَه قَالَ: الإِيمَانُ حَالاتٌ ودَرَجَاتٌ وطَبَقَاتٌ ومَنَازِلُ، فَمِنْه التَّامُّ الْمُنْتَهَى تَمَامُه، ومِنْه النَّاقِصُ الْبَيِّنُ نُقْصَانُه، ومِنْه الرَّاجِحُ الزَّائِدُ رُجْحَانُه قُلْتُ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَتِمُّ ويَنْقُصُ ويَزِيدُ قَالَ: نَعَمْ .."([36]).

 

ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الإِيمَانِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه والإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه، ومَا اسْتَقَرَّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: الشَّهَادَةُ ألَيْسَتْ عَمَلًا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: الْعَمَلُ مِنَ الإِيمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ الإِيمَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ، والْعَمَلُ مِنْه، ولَا يَثْبُتُ الإِيمَانُ إِلَّا بِعَمَلٍ"([37]).

 

ومنها: صحيحة أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قِيلَ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه (ص) كَانَ مُؤْمِنًا؟ قَالَ(ع): فَأَيْنَ فَرَائِضُ اللَّه، قَالَ وسَمِعْتُه يَقُولُ: كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَقُولُ: لَوْ كَانَ الإِيمَانُ كَلَامًا لَمْ يَنْزِلْ فِيه صَوْمٌ ولَا صَلَاةٌ ولَا حَلَالٌ ولَا حَرَامٌ .."([38]).

 

ومنها: صحيحة جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الإِيمَانِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، قَالَ: قُلْتُ: ألَيْسَ هَذَا عَمَلٌ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَالْعَمَلُ مِنَ الإِيمَانِ؟ قَالَ: لَا يَثْبُتُ لَه الإِيمَانُ إِلَّا بِالْعَمَلِ والْعَمَلُ مِنْه"([39]).

 

ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: الإِيمَانُ إِقْرَارٌ وعَمَلٌ، والإِسْلَامُ إِقْرَارٌ بِلَا عَمَلٍ"([40]).

 

ومنها: معتبرة يونس بن يعقوب قال: سمعتُ الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: ".. ملعون ملعون مَن قال الإيمان قولٌ بلا عمل"([41]).

 

ومنها: صحيحة حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: الإِيمَانُ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وأَفْضَى بِه إلى اللَّه عَزَّ وجَلَّ وصَدَّقَه الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّه والتَّسْلِيمِ لأَمْرِه والإِسْلَامُ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وهُوَ الَّذِي عَلَيْه جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنَ الْفِرَقِ كُلِّهَا وبِه حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وعَلَيْه جَرَتِ الْمَوَارِيثُ وجَازَ النِّكَاحُ .."([42]).

 

العمل المُعتبر في الإيمان هو الكاشف عن صدقه:

فهذه الروايات -وغيرها كثير- صريحةٌ في أنَّ العمل ركنٌ أصيل في تحقُّق الإيمان وأنَّه لا يتحقَّق الإيمان دون عمل وأنَّ الثواب إنَّما يكون بالتصديق والإقرار المصحوب بالعمل، وقد نصَّت على ذلك أيضًا الكثيرُ الكثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾([43]) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾([44]) فمناط النجاة والثواب ليس هو التصديق والإقرار وحسب بل هما مضافًا إلى العمل والذي هو الطاعة في الجملة والذي بها تتفاوت درجات الثواب، نعم لا يكون العمل موجبًا أو مقتضيًا للنجاة ما لم يكن كاشفًا عن صدق الاعتقاد والنيَّة، وهذا هو معنى ما نصَّت عليه الرويات كقول الرسول الكريم (ص) في صحيحة حفص بن البختري "ليس الإيمانُ بالتحلِّي ولا بالتمنِّي ولكنَّ الإيمان ما خلصَ في القلب وصدَّقته الأعمال" وكقول أبي جعفر الباقر(ع) في صحيحة حمران قال: "الإِيمَانُ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وأَفْضَى بِه إلى اللَّه عَزَّ وجَلَّ وصَدَّقَه الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّه .." فمَن التزم بشيءٍ من الفرائض ولكنَّه ظلَّ مقيمًا على ارتكاب البوائق وعظائم الذنوب غير مكترثٍ ولا متأثِّم فإنَّ التزامه ببعض الفرائض لا يكون موجبًا أو مقتضيًا لنجاته لأنَّها لا تكشفُ عن صدقه وسلامة نيَّته، وهذا هو الفرق الدقيق بيننا وبين أصحاب مذهب الإرجاء بمعناه الثاني، فهم يزعمون أنَّ كلَّ مَن اِلْتزم بالطاعة في الجملة وارتكب معها كبائر الذنوب فإنَّه لا يصحُّ القطع عليه بعقابٍ بل يُخشى عليه العقاب ويُرجى له الثواب فلا تصحُّ إدانته أو التشنيع عليه أو التبرِّي منه ولهذا جوزوا الثواب على قتلة الحسين (ع) والبغاة لإيمانهم وحرموا التشنيع عليهم والتبرِّي منهم .

 

وأما نحن الإماميَّة فنقول إنَّ من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وكان عمله الصالح كاشفًا عن صدق اعتقاده وسلامة نيَّته فمثلُه لا يُقطع عليه بعقاب بل يُرجى له الثواب ويُخشى عليه العقاب كما في قوله تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([45]) قوله تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾([46]) وأمَّا الذي التزم بشيءٍ من الفرائض ولكنَّه كان يرتكب عظائم الذنوب كسفك الدم الحرام وهتك الأعراض والاستيلاء على أموال الناس بالبغي والعدوان غير مكترثٍ ولا متأثِّم فالتزام مثله ببعض الفرائض لا يكشفُ عن صدقه وسلامة نيته، فمثله لا يكون مشمولًا لما دلَّت عليه الآيات والروايات من أنَّ من آمن وعمل صالحًا فهو ممَّن يُرجى له النجاة، فعملُه الصالح الذي تظاهر بالالتزام به لا يصلح للكشف عن صدق إيمانه بل إنَّ ما يفعله من الذنوب والبوائق كاشفٌ عن كذبه وعدم صدقه فيما يدَّعيه من الإيمان بأصول العقيدة، ولهذا فمثله يصحُّ القطع عليه بالعقاب والتشنيع عليه والتبرِّي منه.

 

المُرجئة صنيعةُ السلطان وأتباعه:

والشواهد التاريخيَّة تُؤكد أنَّ مذهبَ الإرجاء بصيغتيه كان من صُنع النظام الأموي والمنتفعين به وأتباعه من الرواة والمحدِّثين([47]) ولقي استحسانًا بعدهم من الحكام وأصحاب الأهواء فأصَّلوا له وروَّجوه بين الناس كونه يُسهم في الحماية لمصالحهم والتعزيز لنفوذهم والمنع من المناهضة لهم، وكذلك يُسهم في تحقيق أهدافهم ومآربهم في إفراغ الدين من مضمونه وجعله مجرَّد اعتقاداتٍ لا تأثير لها على الواقع العملي أو أنَّ مجرَّد الالتزام ببعض الفروض كافٍ للتجاوز عن كلِّ ما يتمُّ ارتكابه من الموبقات فيشيع بذلك التحلُل والفحشاء والبغي بين الناس دون رادعٍ جدِّي، وكذلك فإنَّ مذهب الإرجاء يحفظُ لأصحاب الأهواء والخصومات المذهبيَّة الهالة القدسية التي أضفوها على رموزهم، فما ارتكبوه من الموبقات لا يُقلِّل من قدرهم، فالشأن كلُّ الشأن في الإيمان وهم واجدون له ومع التنزُّل فهم مُرجون لأمر الله لا يجوز القطع عليهم بعقاب ولا يجوز التشنيع عليهم أو إدانتهم والتبرِّي منهم، فقد يكونون في علم الله من أهل النجاة يوم القيامة وبهذا يختلط على المتدينين أمر هذا الدين ويشعرون بارتباك تعاليمه بل وتهافتها وينتابهم الإحباط لكلِّ ذلك، وأما أصحاب الأهواء والفساق فيكون مذهب الإرجاء من وسائل الإغراء بالمعاصي بل هو خير ذريعةٍ لهم على التهتُّك، ولولا خشية الخروج عن غرض البحث لأفضنا الحديث فيما أوجزناه من آثار وتبعات هذا المذهب الفاسد بصيغتيه.

 

استعمالٌ ثالث لعنوان المُرجئة:

ثمة استعمالٌ ثالث لعنوان المرجئة يُطلق في بعض رواياتنا وفي بعض كتب المتكلِّمين على عموم أهل الخلاف من أبناء العامة([48])، ومنشأ إطلاق اسم المرجئة عليهم هو تأخيرهم الإمام أمير المؤمنين (ع) عن مرتبته ومحلِّه الذي وضعه اللهُ تعالى فيه وزعمهم أنَّه رابع الخلفاء والحال أنَّه دون سواه الخليفة بالحقِّ بعد رسول الله (ص) فمنشأ تسميتهم بالمرجئة هو تأخيرهم لعليٍّ (ع) وتقديمهم مَن دونه عليه.

 

فالمرجئة بهذا المعنى أسم يُطلق على عموم الفرق المقابلة للشيعة، ولعلَّ من موارد استعمال هذا الاسم في هذا المعنى ما ورد في رواية مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عن أَبي الْحَسَنِ (ع) قال: ".. إِنَّ الْمُرْجِئَةَ نَصَبَتْ رَجُلًا لَمْ تَفْرِضْ طَاعَتَه وقَلَّدُوه .."([49]) فعموم العامَّة لو سألتهم عمَّن نصبوه خليفة لرسول الله (ص) هل هو مفروض الطاعة لأجابوا بالنفي إلا أنَّهم عملًا منقادون له وقد قلَّدوه دينهم.

 

بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ:

وأمَّا رواية جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ"([50]) فالظاهر منها أنَّ المقصود من المُرجئة هم أصحاب مذهب الإرجاء بصيغته الأولى والذي يتبنَّى دعوى أنَّ الإيمان يتحقَّق بالتصديق أو به مضافًا إلى الإقرار وأمَّا العمل فشرط كمال، ولهذا لا تضرُّ مع التصديق والإقرار معصية أيًّا كانت، فالمُنجي -بزعمهم- من العذاب يوم القيامة هو التصديق والإقرار محضًا، وأمَّا فعل الطاعات وترك المعاصي فهي وإنْ كانت ترفع من درجات المسلم في الجنَّة إلا أنَّ عدم الالتزام بشيء منها لا يُوجب دخول النار أو الحرمان من الجنَّة بل كلُّ من صدَّق وأقرَّ فإنَّه يكون من أهل الجنَّة ولا يناله شيءٌ من عذاب حتى وإنْ اقترف الموبقات كلَّها ومات مصرًّا عليها، فتصديقه وإقراره يحجبانِه من عذاب الله ويدفعان به إلى النعيم الأبديِّ في الجنَّة.

 

فمذهب الإرجاء بهذا المعنى هو الذي يُخشى على الشباب منه وذلك لأنَّه يبيح التحلُّل والاسترسال دون تقيُّد وراء المشتهيات فليس على الإنسان -بحسب هذا المذهب- سوى التصديق والاقرار، وله بعد ذلك أن يفعل ما يشاء فلا يتقيَّد بفريضة ولا يمتنع عن معصية، فله إن شاء أن يزنى ويشرب المسكر ويقامر ويرتاد مجالس اللهو والغناء، وله إنْ أعوَزه المال أنْ يرتشي ويُرابي ويغشُّ ويحتال، وله أن يجنَّد نفسه للظلمة فيتقاضى أجوره منهم مقابل إعانتهم على ظلم العباد وسفك دمائهم ومصادرة أموالهم أو التضييق عليهم في معائشهم 

 

إنَّ النفوس تتوق بطبعها للدَّعة وتضيقُ بالتقيُّد بالفرائض وترك المشتهيات، فإذا وجدت من يُبيح لها ذلك ويؤطِّره باطارٍ ديني يستدلُّ عليه بكتاب الله وسنة رسوله (ص) فإنَّها تُبادر دون إمعانٍ إلى قبوله لمناسبته لمقتضيات الهوى ولأنَّه ينفي عنها الشعور بالتأثُّم، ومن هنا جاء تحذيرُ أهل البيت (ع) للآباء من الغفلة عن أبنائهم خشيةَ أنْ يسبقَ إليهم أصحابُ هذا المذهب فيستحكم من نفوسهم وتصطبغ به طبائعهم، فإنَّ الأولاد نظرًا لحداثة سنِّهم وشدَّة رغبتهم في الدَّعة والاشباع لغرائزهم أسرعُ شيءٍ للقبول بمثل هذا المذهب الداعي للتحلُّل وحينذاك يشقُّ على الآباء أن يستنقذوا أبناءهم من براثن هذا المذهب الفاسد وأن ينتشلوهم من مستنقعِه القذر خصوصًا وأنَّهم يجدون السلطان والمتنسكين من أتباعه وعموم أجهزته يروجون له ويسهِّلون السُبل لسلوكه وإشاعته بين الناس، لذلك يتعيَّن على الآباء المبادرة بالتحذير والصيانة لأولادهم، فهذا هو المراد ظاهرًا من قول الإمام الصادق (ع): "بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ".

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

8 / ذو الحجّة الحرام / 1442هـ

19 / يوليو / 2021م


[1]- الكافي- الكليني- ج6/ 47.

[2]- راجع المواقف -الأيجي- ج3/ 707، المنخول -الغزالي- 209. عمدة القاري -العيني- ج1/ 274،

[3]- راجع: التبيان في تفسير القرآن- الطوسي- ج8/ 18، مقدمة فتح الباري -ابن حجر- ص460، عون المعبود -العظيم آبادي- ج13/ 304، المواقف -الأيجي- ج3/ 705

[4]- رسائل الشريف المرتضى- الشريف المرتضى- ج2/ 285.

[5]- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج2/ 82.

[6]- الإيضاح -الفضل بن شاذان- ص45.

[7]- راجع: المسترشد -محمد بن جرير الطبري الشيعي-ص 210، المواقف -الأيجي- ج3/ 707-708، فتح الباري -ابن حجر- ج1/ 44، عمدة القاري -العيني- ج1/ 274-275، شرح صحيح مسلم -النووي- ج1/ 218

[8]- راجع: أوائل المقالات -الشيخ المفيد- ص 146، الأمالي -السيد المرتضى- ج1/ 114، شرح صحيح مسلم -النووي- ج1/ 218. شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد المعتزلي- ج9/ 208.

[9]- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج4/ 408.

[10]- صحيح مسلم -مسلم النيسابوري-ج 8/ 104.

[11]- صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج8 / 105.

[12]- صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج8 / 105.

[13]- سنن ابن ماجه- القزويني- ج2/ 1434.

[14]- سورة يونس/44.

[15]- سورة ق/29.

[16]- سورة فصلت/46.

[17]- سورة النساء/123.

[18]- سورة فاطر/18.

[19]- سورة الحديد/15.

[20]- سورة المعارج/11-14.

[21]- سورة المعارج/15-17

[22]- تاريخ بغداد -الخطيب البغدادي- ج13/ 130.

[23]- سنن أبي داود -السجستاني- ج2/ 308، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج4/ 410.

[24]- مسند الشاميين -الطبراني- ج1/ 268.

[25]- المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج 4/ 254.

[26]- سورة آل عمران/24.

[27]- سورة البقرة/81-82.

[28]- سورة النساء/14.

[29]- سورة النساء/145.

[30]- الفصول المهمة -الحر العاملي- ج1/ 440.

[31]- الكافي -الكليني- ج2/ 24.

[32]- الكافي -الكليني- ج2/ 27.

[33]- معاني الأخبار -الصدوق- 187.

[34]- معاني الأخبار -الصدوق- 187.

[35]- الفصول المهمة -الحر العاملي- ج1/ 438.

[36]- الكافي -الكليني- ج2/ 34.

[37]- الكافي -الكليني- ج2/ 38.

[38]- الكافي -الكليني- ج2/ 33.

[39]- الكافي -الكليني- ج2/ 38.

[40]- الكافي -الكليني- ج2/ 24.

[41]- كنز الفوائد -الكراجكي- ص64، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج16/ 280.

[42]- الكافي -الكليني- ج2/ 26.

[43]- سورة النساء/173.

[44]- سورة العصر/2-3.

[45]- سورة التوبة/102.

[46]- سورة التوبة/106.

[47]- راجع: شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج6/ 325.

[48]- الملل والنحل- الشهرستاني- ج1/ 139.

[49]- الكافي- الكليني- ج1/ 53.

[50]- الكافي- الكليني- ج6/ 47.