ترك الأولى لا ينافي العصمة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

مصطلح (ترك الأولى) إنْ كان يعني ترك المستحب أو ترك الفرد الأفضل، ألا يُقال قد أخطأ أي لم يُصب الأولى، فإذن النبي يُخطِأ بهذا المقدار؟

الجواب:

نعم العصمة لا تُنافي ترك المستحب في بعض الأحيان، وترك الأرجح كما لا تُنافي فعل المكروه في بعض الأحيان.

ولا يعدُّ تركُ المستحب معصيةً أو خطأً، أمَّا أنَّه ليس معصيةً فواضح، إذ أنَّ المعصية تعني ترك التكليف المولوي الإلزامي، والمستحب ليس تكليفاً الزاميَّاً، فللمكلَّف أنْ يفعله وله أنْ يتركه، ولذلك لا يُقال لأيِّ مكلَّفٍ إنَّه عاصٍ لمجرَّد أنَّه ترك مستحبَّاً من المستحبات.

وهكذا هو الشأن في ارتكاب المكروه أو المرجوح فإنَّ افتراضه مكروهاً أو مرجوحاً معناه أنَّ للمكلَّف الخيار في أنْ يفعله وأنْ يتركه، فلو اختار الفعل فإنَّه لا يكون عاصياً لأنَّه لم يُخالف تكليفاً مُلزِماً وإنَّما خالف شيئاً كان الأولى أنْ لا يُخالفه.

وأمَّا أنَّ ترك المستحب وفعل المكروه ليس خطأً فلأنَّ ترك المستحب وفعل المكروه لم ينشأ عن اشتباهٍ وغفلة بل صدر عن محض اختيارٍ وإرادة. فهو مَن اختار ترك المستحب وفعل المكروه، فلأنَّ المولى قد جعله في سعةٍ من جهة فعل المستحب وتركه، وترك المكروه وفعله، فلو اختار بمحض إرادته ترك المستحب وفعل المكروه فإنَّه يكون قد اختار ما هو في سعةٍ من جهة اختياره فلا يكون بذلك مخطئاً.

نعم لو أراد فعل المستحب فتركه نسياناً أو اشتباهً وغفلة أو أراد ترك المكروه ففعله اشتباهً وغفلةً أو نسياناً فإنَّه يكون مخطئاً إلا أنَّ ذلك خلاف الفرض فإنَّ الفرض هو أنَّه ترك المستحب وفعل المكروه عن علمٍ وعمدٍ والتفات إلى أنَّه ترك مستحباً وفعل مكروهاً.

وبتعبير آخر: إنَّ الخطأ يعني صدور الفعل أو تركه عن غير قصد، فيكون ما صدر غير مقصود وما قصده لم يقع، فيكون الفاعل قد أخطأ مقصوده.

وكذلك يكون الخطأ باختيار الفعل غير الصائب، ومعيارُ الصواب مِن عدمه هو الحرمة الشرعيَّة والإباحة الشرعية بالمعنى الأعم، فمَن ارتكب الحرام بما يشمل ترك الواجب فقد أخطأ الصواب، وأمَّا من اختار فعل المباح فإنَّه لا يكون مخطئاً وإن كان هذا المباح مكروهاً، وكذلك مَن ترك المباح فإنَّه لا يكون مخطئاً وإنْ كان هذا المباح مستحبَّاً.

نعم يكون باختياره لفعل المباح المكروه، واختياره لترك المباح المستحب قد خالف الأولى، وبذلك يتفاضل المكلَّفون والأنبياء، فمَن قلَّ اختياره لفعل المكروه وترك المستحب كان أفضل ممَّن كثر اختياره لفعل المكروه وترك المستحب، إلا أنَّ كلا الفريقين في دائرة المعصومين من فعل الخطأ، إذ أنَّ فعل المكروه تعمُّداً ليس خطأ بعد أنْ أباحه الله تعالى، وترك المستحب تعمُّداً ليس خطأ بعد أنْ أباح اللهُ تعالى لعباده تركه.

وأمَّا القول بأنَّه لم يُصِب الأولى بفعل المكروه أو ترك المستحب فإنْ كان المقصود أنَّه خالف الأولى فصحيح إلا أنَّ مخالفته للأولى كان اختيارياً له والعصمة لا تنافي اختيار غير الأولى، وبذلك يتفاضل الأنبياء كما ذكرنا، وإذا كان المقصود من قول: لم يصب الأولى أنَّه أخطأ بترك الأولى فلا يصح، لأنَّه لم يخطأ بعد افتراض أنَّه ترك الأولى بمحض اختياره دون غفلةٍ أو اشتباهٍ أو نسيان، وهو كذلك لم يعص لأنَّ ما فعله كان في دائرة المباح، فلا يقال لمَن خُيِّر بين خيارين وكان أحدهما أشقَّ ولكنَّه أفضل والثاني دونه في الفضل ولكنه أسهل فلو اختار الثاني لكونه أسهل وترك الأفضل فإنَّه لا يقال له إنَّه أخطأ وإنَّما يقال له ترك الأفضل وخالف الأولى.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

26 / جمادى الثاني / 1443ه

30 / يناير / 2022م