كشفُ المرأةِ رأسها في الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

السلام عليكم

في الموثَّق عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "لا باس بالمرأة المسلمة الحرَّة أنْ تصلِّي وهي مكشوفة الرأس"(1).

كيف يتمُّ حلُّ التعارض في باب ستر المرأة في الصلاة مع موثقة بن بكير مع القول بعدم الاعتداد بهجران الرواية من قبل الأصحاب؟

الجواب:

التعارض بين موثقة عبد الله بن بكير وبين الروايات المستفيضة بل المتواترة إجمالاً -كما أفاد السيد الخوئي(2)- مستحكم ولهذا لا يصحُّ الجمع -بينها وبين ما دلَّ على وجوب ستر المرأة لرأسها في الصلاة- بما أفاده الشيخ الطوسي رحمه الله بحمل الموثقة على إرادة الصغيرة(3) فإنَّ الموثقة صريحةٌ في أنَّ موضوع نفي البأس هي المرأة، وكذلك لا يصحُّ الجمع بحمل الموثقة على إرادة فرض الاضطرار، دون الاختيار(4)، فإنَّ فرض الاضطرار لا يصحِّح كشف الرأس وحسب بل يصحِّح كشف سائر البدن، فلا خصوصية لكشف الرأس في ظرف الاضطرار، وعلى أيِّ تقدير فالجمع تبرُّعيٌّ لا شاهد عليه، وكذلك فإنَّ ما أفاده صاحب الحدائق من حمل الموثقة على إرادة نفي البأس عن عدم لبس القناع(5) بمعنى أنَّ المراد من الرواية عدم وجوب وضع المرأة للقناع حال الصلاة وليس المراد منها عدم وجوب ستره وتغطيته مطلقاً، هذا الحمل الذي أفاده صاحب الحدائق (رحمه الله) تبرُّعيٌّ أيضاً –كما أفاد السيد الخوئي (رحمه الله) على أنَّه منافٍ لصريح الموثَّقة من نفي البأس عن كشف الرأس والذي يعني خلوَّه عن أيِّ ساتر.

وأمَّا الجمع بين الموثَّقة وبين ما دلَّ على وجوب ستر المرأة لرأسها في الصلاة بحمل ما دلَّ على الأمر بالستر على الاستحباب فلا يصحُّ أيضاً وذلك لأنَّ لسان بعض نصوص الأمر بالستر يأبى عن الحمل على الاستحباب -كما أفاد السيد الخوئي- وذلك مثل صحيحة زرارة، قال: "سالت أبا جعفر (عليه السلام) عن أدنى ما تصلِّي فيه المرأة، قال: درع وملحفة فتنشرها على رأسها وتجلّل بها"(6) فالرواية بصدد بيان أدنى ما يلزم ستره على المرأة لذلك لا يصحُّ حمل جواب الإمام على الاستحباب.

وعليه فالصحيحُ هو استقرار التعارض بين والموثَّقة وبين سائر الروايات، وذلك يقتضي البناء على سقوط الموثَّقة عن الاعتبار لكونها شاذَّة ومنافية للسنَّة القطعية، فالتعارض بينها وبين سائر الروايات من تعارض الحجَّة مع اللاحجَّة.

وبتعبير آخر: المقابل لموثَّقة ابن بكير رواياتٌ مستفيضة بل هي متواترة إجمالاً، فمفادها مقطوع الصدور أي أنَّ مفادها من السنَّة القطعية، وكلُّ ما هو منافٍ للسنَّة القطعية فهو ساقط عن الاعتبار، فحتى مع البناء على أنَّ إعراض المشهور لا يُوجب سقوط الرواية عن الاعتبار والحجيَّة فإنَّ المقام ليس من صغريات هذا المبنى.

فموردُ هذا المبنى هو ما لو وردت روايةٌ معتبرةٌ سندا ولكنَّ مشهور القدماء أعرضوا عن العمل بها فإنَّه يُقال بناءً على هذا المبنى إنَّ إعراض المشهور لا يُسقطها عن الحجيَّة، فمثل هذه الرواية حجَّة في نفسها وإنَّما وقع الخلاف من جهة أنَّ إعراض المشهور هل يُسقطها عن الحجيَّة أو لا.

وأما موثقة ابن بكير فليست حجَّة في نفسها بقطع النظر عن إعراض المشهور، وذلك لمنافاتها للسنَّة القطعية، فهي تماماً كما لو وردت روايةٌ صحيحة السند مفادها إباحة لحم الخنزير أو إباحة الميتة فإنَّ هذه الرواية ساقطة عن الحجيَّة ابتداء، وذلك لمنافاتها مع القرآن المجيد، كذلك فإنَّ كلَّ رواية منافية للسنَّة المقطوع بصدورها فإنَّها تكون ساقطةً عن الحجيَّة ابتداءً. فثبوت الحجيَّة للرواية ليس منوطاً بسلامة السند وحسب بل هو منوطٌ أيضاً بعدم مناقضتها للكتاب والسنَّة القطعية.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

19 / شوال / 1444ه

11 / مايو / 2023م

---------------------------

1- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج4 / ص410.

2- المستند في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج12 / ص99.

3- الاستبصار -الشيخ الطوسي- ج1 / ص389.

4- الاستبصار -الشيخ الطوسي- ج1 / ص389.

5- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج7 / ص12.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج4 / ص407.