مشروع الديانة الإبراهيميَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

الحمد لله الذي لا يبلغُ مِدحتَه القائلون، والحمد لله الذي لا يُحصي نعماءَه العادُّون، والحمدُ لله الذي لا يودِّي حقَّه المجتهدون، والحمدُ لله الذي لا يُدرِك العالَمون علمَه .. ولا يبلغُ المادحون مِدحته، ولا يصفُ الواصفون صفتَه ولا يُحسن الخلقُ نعتَه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً (ص) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

عبادَ الله أُوصيكم ونفسي بتقوى الله والشكرِ له على نعمائِه، واعلموا أنَّه ما أنعمَ اللهُ على عبدٍ نعمة فشكرَها بقلبِه إلا استوجب المزيدَ فيها قبل أنْ يُظهِر شكرَها على لسانِه

 اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وإِمَامِ الْمُتَّقِينَ ورَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ وصَلِّ عَلَى عليٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ووَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وصلِّ على السيدةِ الطاهرةِ المعصومة فاطمةَ سيدةِ نساءِ العالمين، وصلِّ أئمةِ المسلمين الحسنِ بنِ عليٍّ المجتبى، والحسينِ بن عليٍّ الشهيد، وعليِّ بنِ الحسينِ زينِ العابدين، ومحمدِ بنِ عليٍّ الباقر، وجعفرِ بنِ محمدٍ الصادق، وموسى بن جعفرٍ الكاظم، وعليِّ بن موسى الرضا، ومحمدِ بن عليٍّ الجواد، وعليِّ بن محمدٍ الهادي، والحسنِ بن عليٍّ العسكري، والخلفِ الحجَّةِ بن الحسن المهدي صلواتُك وسلامُك عليهم أجمعين.

اللهمَّ صلِّ على وليِّ أمرِك القائمِ المهدي، اللهم افْتَحْ لَه فَتْحاً يَسِيراً وانْصُرْه نَصْراً عَزِيزاً، اللَّهُمَّ أَظْهِرْ بِه دِينَكَ وسُنَّةَ نَبِيِّكَ حَتَّى لَا يَسْتَخْفِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ مَخَافَةَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ.

 

 أمَّا بعدُ أيُّها المؤمنون :

فأودُّ الحديث بإيجازٍ شديد حول مشروع ما يُسمَّى بالديانة الإبراهيميَّة وهو مشروعٌ سياسيٌّ مغلَّف في مراحلِه الأولى بصبغة ثقافية واجتماعيَّة وهو معتمَدٌ من قِبَلِ مؤسساتٍ دوليَّة ويحظى برعاية فائقة من قبل دوائر القرار في عددٍ من الدول النافذة، يهدف هذا المشروع في ظاهره إلى تعزيز قيم السلام والتسامح ونبذِ العنف والتطرُّف ويهدف فيما يهدفُ في جوهره إلى دمج الكيان الصهيوني اجتماعياً وثقافياً في المجتمعات والشعوب العربيَّة والإسلاميَّة على أنْ ينتهي ذلك إلى تمكينه وتمكين القيم الغربيَّة من الهيمنة الاجتماعيَّة والقيميَّة والثقافيَّة المُفضية بطبيعة الحال إلى الهيمنةِ السياسيَّة والاقتصاديَّة.

وخلاصةُ ما يُراد إنجازه من هذا المشروع قبل الوصول إلى الغايات والأهداف من تدشينه هو ما يُعبَّرُ عنه بصهرِ الدياناتِ الثلاث في دينٍ واحد، وذلك بأنْ تُلغى الديانات الثلاث ويكون المُعتمَد لأصحاب هذه الديانات ديناً واحداً جديداً يحمل اسم الدين الإبراهيمي وتكون أركانُ هذا الدينِ الجديد هو القيمَ المشتركة والعقائدَ المشتركة والمقدَّساتِ المشتركة بين هذه الديانات على أن يتمَّ إلغاءُ القيمِ والعقائدِ والمقدَّساتِ المُختَلف عليها بين الديانات الثلاث.

والملفت هنا وقبل الحديث عن الأدوات التي سوف تُعتمد لبلورة هذا الدين الجديد هو أنَّه بناءً على ما يذكره أصحابُ هذا المشروع من تقوُّم الدين الجديد على اعتماد المُشترَك وتنحية المُختلَف هو تعيُّن إلغاء الإيمان بنبوَّة النبيِّ محمد (ص) لأنَّه من المُختلَفِ بين الأديان الثلاث وكذلك يتعيَّن إلغاء الإيمان بعيسى المسيح (ع) لأنَّ اليهود لا تُؤمنُ به فهو من المُختلَف بحسب تعبيرهم، وبهذا يكون النبيُّ الذي يحظى بإقرار الدين الجديد هو النبيُّ موسى (ع) وذلك لأنَّه من المُشترَك. نعم سيكون إبراهيم (ع) هو الشخصيَّة المحوريَّة لهذا الدين الجديد وذلك لأنَّه الجذع الشائع – بحسب تعبيرهم – للديانات الثلاث بمعنى أنَّه الجذر الذي تنحدرُ عنه رموز الديانات الثلاث وبهذا سوف يُستَعاضُ عن الهويات الدينية الثلاث بهويةٍ واحدة هي الهويَّة الإبراهيميَّة.

وأمَّا الأدوات التي سوف تُعتمد لبلورة الدين الإبراهيمي الجديد فأهمُّها اختيار عددٍ وازن من رجال الدين المتنورين من مُختلف الديانات الثلاث ومن الفرق الداخلية للديانات الثلاث كالشيعة والسنة من الدين الإسلامي والكاثوليك والبروستانت من المسيحية وكذلك من الفرق اليهوديَّة ويُضَمُّ إلى هؤلاء المُعبَّر عنهم بالقادة الروحيين عددٌ موازٍ من الساسة والدبلماسيين ويكون لمجموع هؤلاء صفة شبه رسميَّة ضمن مؤسسة تابعة لدوائر القرار ، ويكون دورُهم هو إعادة القراءة للنصوص الدينيَّة المقدَّسة وهي القرآن المجيد والكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد لاستخلاص المُشترَك من هذه النصوص وتأويل ما يُمكنُ تأويلُه بنظرهم لجعله مُشتركاً والتوافق على إلغاء المُختلَف ثم صياغة المُشترك في ميثاقٍ يتمُّ التباني عليه وإعطاؤه بعد البناء عليه صفةَ القداسة، ونزع القداسة بعد ذلك عن النصوص الأصلية ثم يُرفعُ هذا الميثاق لدوائر القرار لإقراره وتمهيد الرأي العام لقبوله.

وينصُّ هذا المشروع على الدور المحوري للقادة الروحيين المتنورين ليس لبلورة المشروع والمساهمة في إعادة القراءة للنصوص المقدَّسة وحسب بل للترويجِ له والتمهيدِ لقبوله.

ولأنَّ هذا المشروع تكتنفُه الكثير من العقبات والعوائق لذلك تمَّ التأسيس لمشروعٍ رديف يُمهِّد لقبول المشروع بصيغته الأولى، هذا المشروع يحتفظ بأسماء الديانات الثلاث ولكن تحت عنوانٍ مستحدَث هو الديانات الإبراهيميَّة، ويأخذُ هذا المشروعُ الرديف على عاتقه التقريبَ بين الديانات الثلاث اجتماعياً وثقافياً وذلك من طريق عددٍ من الوسائل منها ما يعبَّر عنه بمجمعات الأديان، ومنها تكوين مؤسسات رسمية وأهليَّة حول العالم تضمُّ كلُّ مؤسسة رجالَ دينٍ وشخصيات ثفافية وسياسية من الديانات الثلاث، ويُعبَّر عن هذه المؤسسات بمثل أُسَر السلام أو الأُسَر الإبراهيميَّة أو أي تسمية تقربُ من هذا المعنى، وتعمل هذه المؤسسات على تفعيل أجندات وأهداف هذا المشروع بواسطة عقد المؤتمرات والندوات والاحتفالات وتنظيم الرحلات السياحية لما يعبَّر عنه بالمسار الإبراهيمي والتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث حول العالم وتوظيفِ المناهج التعليمية والإعلام لهذا الغرض، ويتمُّ في ذاتِ الوقت العملُ على تعميق الصراعات المذهبيَّة واثارتُها بمختلف الوسائل وكذلك تعميقها بين أصحاب الديانات وذلك للإثبات العملي أنَّه لا طريقَ لمعالجة هذه الصراعات إلا باعتماد المُشترَك الإبراهيمي.

ومن الوسائل تصدِّي القادة الروحانيين المجنَّدين حول العالم من الديانات الثلاث وكذلك المثقفين والأكاديميين لتحسين صورة المفاهيم المشتركة -بنظرهم- وتحسين صورة المشترك بين الكتاب المقدس بعهديه وبين القرآن المجيد واعتبارهما في رتبة واحدة عملياً من حيث القداسة والمصداقية والعمل على تأصيل المُشترك بين هذه النصوص والاستدلال على صحتها والعمل في ذات الوقت على خلق الاستيحاش من المختلف وإثارة الشبهات والتشكيك حوله، كلُّ ذلك تحت مسمَّيات جاذبة مثل دراسات مقارنة أو دراسات في النصِّ الديني المقدس أو مقاربات بين النصوص أو تأرخيَّة النصِّ الديني أو ما يُشبه ذلك والمتابع للساحة الثقافية يجد هذا المشروع قائماً على قدمٍ وساق، والله المستعان.

ولولا ضيقُ الوقت لأفضتُ الحديث حول التعريف التفصيلي بمعالم المشروع بصيغتيه إلا أنَّ ما ذكرناه صالحاً لإعطاء صورةٍ إجمالية لهذا المشروع الخطير وذلك يكفي لاستشعار الحرص على اليقظةِ والمحاذرة. وأبشِّر هؤلاء الواهمين أنَّ سعيهم خائب وسيحمي اللهُ تعالى دينَه الإسلام وقرآنَه من عبث العابثين.

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ الطيبينَ الطاهرينَ الأبرارِ الأخيار، اللهمَّ اغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءٍ منهم والأموات.

﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور

16 من شهر جمادى الأولى 1445هـ - الموافق1 ديسمبر 2023م

جامع الإمام الصّادق (عليه السلام) - الدّراز