اختصاص اليمين بالدَّعاوى الماليَّة دون الحدود
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
لو ادَّعى أحدٌ على آخر مُوجباً من موجبات الحد كالسرقة ولم تكن له بيِّنة فهل يتوجَّه على المدَّعى عليه -لو أنكر- اليمين لنفي الدعوى كما هو الشأن في الدعاوى الماليَّة؟
الجواب:
لا تثبت الحدود إلا بالبيِّنة أو إقرار المدَّعى عليه، ولهذا فلا معنى لتوجيه اليمين إلى المدَّعى عليه لأنَّ نكوله لا يثبت الدعوى وكذلك فإنَّ يمين المدَّعي بعد نكول المنكر لا تُثبت الدعوى. وقد نصَّت على ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: موثقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) -في حديث- قال: "لا يُستحلفْ صاحب الحدِّ"(1). ومفادها الإرشاد إلى أنَّه لا أثر لاستحلاف صاحب الحدِّ في نفي الدعوى أو إثباتها أو حتى سقوطها .
ومنها: موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) أن رجلاً استعدى عليَّاً (عليه السلام) على رجل فقال: إنَّه افترى عليَّ فقال عليٌّ (عليه السلام) للرجل: أفعلتَ ما فعلت؟ فقال: لا، ثم قال عليٌّ (عليه السلام) للمستعدي: ألكَ بيِّنة؟ قال: فقال مالي: بينة فأحلفْه لي، قال عليٌّ (عليه السلام): ما عليه يمين"(2).
ومنها: مرسلة الصدوق قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ادرأوا الحدود بالشبهات، ولا شفاعة، ولا كفالة، ولا يمين في حد"(3).
فهذه الروايات واضحة بأنَّه ليس على منكرِ ما يُوجب الحدِّ يمينٌ كما هو الشأن في الدعاوى الماليَّة، فإنَّ للمدَّعي -في الدعاوى الماليَّة- لولم تكن له بينة استحلاف المدَّعى عليه فإنْ حلف سقطت الدعوى وإنْ لم يحلف لزمته الدعوى إن يطلب يمين المدَّعي فإنْ حلف المدَّعي ثبتت الدعوى على المدَّعى عليه، هذا في الدعاوى الماليَّة، وأما لو أدُّعي على أحدٍ مُوجباً من موجبات الحدِّ فإنَّه ليس للمدَّعي ولا للقاضي توجيه اليمين إلى المدَّعى عليه إذا لم تكن للمدَّعي بيِّنة، فإنَّ الدعوى بمُوجب الحدِّ لا تثبت بنكول المنكر لمُوجب الحد ولو حلف فإنَّ الدعوى لا تسقط عنه لو قامت عليه بعد ذلك البيِّنة، وهذا هو معنى: "لا يُستحلفْ صاحب الحدِّ" ومعنى: ما عليه -منكر الحد- يمين "ومعنى: ولا يمين في حد".
نعم لو أدَّعى أحدٌ على آخر السرقة ولم تكن له بيِّنة فأحلف المدَّعى عليه فحلف فإنَّ حلفه يوجب سقوط ضمان المسروق، لأنَّها دعوى ماليَّة، ولكنَّ حلفه لا يُسقط الدعوى بمُوجب الحد لو أقام المدَّعي البيِّنة عليها بعد ذلك، فيمينُ المنكر تذهبُ بحقِّ المدعي في الضمان لأنَّها دعوى ماليَّة، وأمَّا الدعوى بمُوجب الحدِّ فإنَّها لا تسقط بيمين المنكر فإنَّها لاغية بمقتضى الروايات المذكورة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
14 / ذي القعدة / 1445ه
23 / مايو / 2024م
1- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص150، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص46.
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج6 / ص314، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص47.
3- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص74، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص47.