ادَّعى جماعةٌ مالاً وليس لهم سوى شاهد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

تثبت الدعوى المالية بشاهد ويمين المدَّعي فماذا لو كان المدَّعي جماعة هل يكفي أن يحلف أحدهم أو أن الدعوى لا تثبت إلا بأن يحلفوا جميعاً؟

 

الجواب:

الدعوى الماليَّة إذا كانت من جماعة فإنْ أقاموا عليها البينة -شاهدين عادلين- فذلك كافٍ في ثبوت دعواهم، وأما لو لم يكن لديهم سوى شاهدٍ واحد ففي مثل هذا الفرض يتعيَّن لإثبات الدعوى أنْ يحلف جميعُ أصحاب الدعوى، فإنْ حلفوا جميعاً ثبت لهم المال الذي ادَّعوه على المدَّعى عليه، وإنْ حلف بعضُهم دون البعض الآخر ثبت لمَن حلف مقدار حصَّته من المال المدَّعى ولم يثبت شيءٌ لمن رفض الحلف، وذلك لأنَّ دعواهم تنحلُّ إلى دعاوى بعدد أفراد أصحاب الدعوى، وحيث إنَّ الفرض هو عدم إقامتهم للبيِّنة وأنَّه ليس لهم سوى شاهدٍ واحد، ولأنَّ الدعوى لا تثبت بالشاهد الواحد إلا بعد أن تنضمَّ إليه يمينُ المدَّعي لذلك يتعيَّن على كلِّ واحدٍ من أصحاب الدعوى أنْ يحلف لإثبات دعواه، فإذا حلف ثبت له مقدار حصَّته من المال المدَّعى لأنَّ ذلك هو مقدار دعواه، وأمَّا حصص البقية فهو أجنبيٌّ عنها، فلا تثبت بحلفه عليها. فإذا أرادوا الإثبات لدعواهم فعلى كلِّ واحدٍ منهم أنْ يحلف، فمن حلف منهم ثبت له من المال المدَّعى مقدار حصَّته.

 

ادَّعى جماعةٌ أنَّ لمورِّثهم مالاً على آخر:

ومثال ذلك ما لو ادَّعى جماعةٌ أنَّ لمورِّثهم مالاً على زيدٍ -عيناً كان أو ديناً- فإن أقاموا على دعواهم البيِّنة ثبت لهم ذلك المال، ويقتسمونه بحسب حُصصهم، وإنْ لم يكن لهم سوى شاهدٍ واحد فإنَّ دعواهم لا تثبت إلا مع يمين المدَّعي، وحيث إنَّ المدَّعي جماعة لذلك فكلُّ واحدٍ منهم مدَّع، فلا تثبت دعواه إلا بيمينه، فإذا أدَّى اليمين فلا يثبت له إلا مقدار حصَّته، وما زاد عليها لا يثبت لأنَّه أجنبي بالإضافة إلى الزائد عن حصَّته، والذي لم يؤدِّ اليمين لا يثبت له شيءٌ، لأنَّه لم يُقِم على دعواه سوى شاهدٍ وهو غير كافٍ وحده لإثبات الدعوى مالم يضم إليه يمينَه.

 

ثم إنَّ مَن حلف من الورثة وثبتت بحلفه دعواه بمقدار حصَّته فإنْ كان المال المدَّعى على زيد ديناً استحقَّ الحالف على زيد مقدار حصَّته من الدين، فإذا قبضه منه فهو خالصٌ له لا يشاركه فيه بقية الورثة، وإذا كان المال المدَّعى على زيد عيناً كأنْ يكون أرضاً أو متاعاً فإنَّ الحالف يستحقُّ على زيدٍ مقدار حصَّته المشاعة من الأرض، وفي مثل هذا الفرض تكون هذه الحصَّة مشتركة بينه وبين سائر الورثة، وذلك لإقراره بأنَّ الأرض ميراثٌ للورثة الذين هو أحدهم، وحيثُ إنَّ الشركة للأعيان بين الورثة تكون بنحو الشركة الحقيقية لذلك فكلُّ جزء منها يكون مملوكاً بنحو الإشاعة للجميع، فالحصة التي صارت له بعد يمينه تكون مشتركة بينه وبين الورثة لإقراره بأنَّ المال مالٌ لمورثهم.

 

نعم للحالف -كما أفاد السيد الخوئي(1)- أن يأخذ حصَّته كاملة من طريق بيعها على المدَّعى عليه أو غيره فيقبض ثمنها ويكون له خالصاً ويُصبح المشتري للحصَّة المشاعة شريكاً لأصحاب الأرض بمقدار الحصَّة المشاعة التي اشتراها. تماماً كما لو ورث جماعة من أبيهم أرضاً فإنَّهم يكونون شركاء في هذه الأرض ويملك كلَّ واحدٍ منهم مقدار حصَّته من الأرض بنحو الإشاعة، فلو باع أحدهم حصَّته على أجنبي فإنَّه يخرج من الشركة ويُصبح المشتري شريكاً للورثة بمقدار الحصَّة المشاعة التي اشتراها من الوارث البائع ويملك الوارثُ البائع الثمَن ويكون خالصاً له.

 

إذا كان بين أصحاب الدعوى صبيٌّ:

ثم إنَّ هنا فرعا يذكره الفقهاء في هذه المسألة وهو ما لو كان في أصحاب الدعوى صغير، كما لو كان بين الورثة صغير فادَّعوا لمورِّثهم مالاً عند زيد ولم يكن لهم إلا شاهد واحد فحلفوا جميعاً على الدعوى فاسحقَّ كلُّ واحدٍ منهم حصَّته من المال عدا الصغير فإنَّ يمينَه غير معتبرة ولا يترتَّب عليها أثر، فهل لوليِّ الصغير أن يحلف أو يُنتظر بالصغير حتى يبلغ فإنْ حلف حينها وإلا سقط حقُّه من المال المدَّعى؟

 

المشهور بين الفقهاء هو أنَّه ليس لوليِّه الحقُّ في أنْ يحلف بدلاً عنه بل لم ينقل الخلاف بينهم في ذلك -كما أفاد السيد الخوئي(2)- ولهذا يُنتظر بالصغير حتى يبلغ فإن حلف أخذ حصَّته، واستُدلَّ لذلك بأنَّ ما نصَّت عليه الروايات هو أنَّ الدعوى تثبت بشاهدٍ ويمين صاحب الحقِّ وصاحب الدين، كما في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه‏ (عليه السلام) قال: "كان رسول اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وآله وسلّم يقضي بشاهدٍ واحد مع يمين صاحب الحقِّ"(3).

 

وصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه‏ (عليه السلام) قال: "كان رسولُ اللّه‏ صلّى اللّه‏ عليه وآله يُجيز في الدين شهادة رجلٍ واحد ويمين صاحب الدين، ولم يُجز في الهلال إلاّ شاهدي عدل"(4).

 

فالمُعتبر بحسب هاتين الروايتين هو يمينُ صاحب الحقِّ وصاحب الدين، والوليُّ ليس هو صاحب الحقِّ ولا هو صاحب الدين، ولهذا لا اعتبار بيمينه. فالمتعيَّن هو أنْ يُنتظر بصاحب الحق حتى يبلغ فإنْ حلف كان له استيفاء الحقِّ الذي حلف عليه.

 

جواب السيد الخوئي على دليل المشهور:

وأجاب السيد الخوئي رحمه الله(5) بأنَّ ثمة رواياتٍ أخرى تدلُّ على ثبوت الدعوى بشاهدٍ ويمين المدَّعي أو الخصم كما في معتبرة حماد بن عثمان، قال: "سمعتُ أبا عبداللّه‏ يقول. كان عليٌّ (عليه السلام) يُجيز في الدين شهادة رجلٍ ويمين المدَّعي"(6).

 

وصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: "لو كان الأمرُ إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا عُلم منه خيرٌ مع يمين الخصم في حقوق الناس .."(7).

 

وصحيحة منصور بن حازم: أنَّ أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: "إذا شهد لطالب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز"(8).

 

فمفاد الروايات هو ثبوت الدعوى بيمين مطلق المدَّعي ومطلق الخصم، وطالب الحق وهي عناوين صادقة على الولي، ولا موجب لتقييدها بمثل صحيحتي محمد بن مسلم ومنصور بن حازم، إذ لا مفهوم لهما يقتضي نفي ثبوت الدعوى بغير صاحب الحقِّ وصاحب الدين، وعليه إنْ لم يقم إجماعٌ على عدم ثبوت الدعوى بيمين ولي الصبي، فإنَّ الصحيح بمقتضى الروايات المذكورة هو اعتبار يمين الولي وصلاحيتها لإثبات الدعوى تماماً كما لو اقترض أحدُهم مال الصبي ثم أنكره ولم يكن في البين سوى شاهدٍ واحد فإن لوليِّه أن يحلف لإثبات حقِّ الصبي في المال المقترض.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

20 / ذو القعدة / 1445ه

29 / مايو / 2024م

---------------------------

1- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41/ ص43، القضاء والشهادات -السيد الخوئي- ج1 / ص114-

2- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص43.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص264.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص268.

5- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص43، 44، القضاء والشهادات -السيد الخوئي- ج1 / ص114، 115.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص265.

7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص268.

8- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص271.