تفويت المورِّث الميراث على الورثة بالاقرار

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

لو كان المورِّث يكره لأسبابٍ عقلائية أنْ يرث ورثتُه أموالَه فأقرَّ بأنَّ أمواله أو بعضها ليست له وإنَّما هي ملكٌ لزيدٍ من الناس ليفوِّت بذلك على الورثة أنْ يرثوا أمواله فهل ذلك جائزٌ شرعاً.

الجواب:

إذا كانت الوصية في صورة الإقرار:

إذا قصد المورِّث من إقراره الوصيَّة وكان المقدار الذي أقرَّ به لا يتجاوز الثلث فهو جائز، وتكون هذه الوصيَّة ناجزة يجب إنفاذها، ولا يُعدُّ إقراره كذباً لأنَّه قصد من الإقرار الوصية كما هو الفرض، غايته أنَّه جاء بالوصية في صورة الإقرار ليوهِم الورثة بأنَّ المقدار الذي أقرَّ به ملكٌ للموصى له، فهو قد قصد من الإقرار التورية لمعرفته أو ظنِّه بأنَّه لو جاء بالوصية في صورة الوصية فإنَّ الورثة لن يلتزموا بإنجازها لفسقهم أو لأيِّ سببٍ آخر، لذلك جاء بالوصية في صورة الإقرار، فما أوصى به مشروعٌ لأنَّه لم يتجاوز به الثلث والذي هو حقه من التركة، والصيغة التي أوصى بها لم تكن كذباً لأنَّه قصد منها التورية، والتورية ليست من الكذب.

وأما لو لم يقصد من الإقرار التورية وإنَّما قصد الاعتراف حقيقةً أنَّ المقدار الذي أقرَّ به هو للمقرِّ له وكان غرضه من ذلك تفويت الثلث على الورثة وكذلك لو كان ما أقرَّ به أكثر من مقدار الثلث كما لو أقرَّ بتمام التركة أو بنصفها لزيد من الناس ليفوِّت بإقراره على الورثة ميراثهم لمالِه فهو حرام دون إشكال لأنَّه أولاً من الكذب.

وثانياً: لأنَّ الأموال بعد موته ملكٌ للورثة وهم مسلَّطون شرعاً عليها ولكنه بإقراره كذباً قد فوَّت على الورثة القدرة على وضع يدهم على أموالهم والتصرف فيها والانتفاع بها، والتسبيب في الحيلولة دون وضع المالك يده على ما يملك أو التسبيب في حرمانه منه وصيرورته لغير المالك حرام شرعاً تماماً كحرمة المباشرة في الغصب ووضع اليد على مال الغير عدواناً. فكما يحرم على المكلَّف سلب أموال الغير والاستحواذ عليها كذلك يحرم عليه حرمانه منها بإتلافها أو تضييعها.

وثمة وجه ثالث للحرمة أفاده السيد الخوئي رحمه الله وهو أنَّ المورِّث حين أقرَّ كذباً لزيد من الناس أنَّ المال ملك له تسبَّب في أن يضع المقرُّ له يده على أموال الورثة فيكون بذلك قد تسبَّب في ارتكاب المقرِّ له للحرام واقعاً، والتسبيب لفعل الحرام كمباشرته حرامٌ شرعاً، فحين ينهى المولى مثلاً عن أكل مال اليتيم فإنَّ المتفاهم عرفاً من هذا الخطاب هو النهي عن مباشرة الأكل لمال اليتيم وعن تقديم مال اليتيم للغافل وتمكينه من أكله.

والمقام من هذا القبيل، فالمورِّث حين أقرَّ بالمال للمقرِّ له تسبَّب في اعتقاد المقرِّ له أنَّها ملكٌ له فتصرف فيها تصرُّف المالك والحال أنَّها ملك لغيره، فالمورِّث هو من تسبَّب في ارتكاب المقرِّ له للحرام الواقعي والتسبيب لارتكاب الحرام حرامٌ كمباشرته.

نعم لو كان المقرِّ له يعلم أنَّ المال ليس ملكاً له وأنَّ إقرار المورِّث كان خطأ أو كان لغرض تفويت الميراث على الورثة فإنَّه في مثل هذا الفرض لا يكون الإقرار تسبيباً من المورِّث لارتكاب المقرِّ له للحرام، وذلك لافتراض علمِه بأنَّ المال المقرَّ به ليس ملكاً له، فإذا قبضه ووضع يدَه عليه كان ذلك مستنداً لاختياره، فلا يكون إقرارُ المورِّث محرَّماً من هذه الجهة، وإنَّما هو محرَّمٌ من جهة الكذب ومن جهة التسبيب في حرمان المالك الحقيقي وهم الورثة مِن وضع يدهم على أموالهم أي أنَّ الحرمة تكون من جهة تفويت المورِّث -بإقراره الكاذب - الميراث على الورثة المستحقِّين له شرعاً.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

9 / ربيع الأول / 1446ه

13 / سبتمبر / 2024م


1- التنقيح في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج8 / ص261.