حدود مشروعيَّة المقاصَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
متى تجوز المقاصَّة مِن مال مَن لك مال في يده أو في ذمَّته؟
الجواب:
لو كان لأحدٍ مالٌ لدى شخصٍ أخر فتارةً يكون هذا المال شخصيَّاً كما لو كان من قبيل دابَّةٍ بعينها أو كان فراشاً أو ثوباً أو ما أشبه ذلك من الأموال الشخصيَّة وفي هذا الفرض يسوغ للمالك أنْ يأخذ ماله -إذا وجده وتمكَّن من أخذه- دون إذنٍ ممَّن بيده المال ودون إذنٍ من الحاكم الشرعي ودون الحاجةِ إلى الترافع عند القاضي، وذلك لأنَّ الناس مسلَّطون على أموالهم، فللمالك أنْ يضع يده على ماله دون إذنٍ من أحد، وهذا لا يُعدُّ من المقاصَّة.
إذا كان المال كلياً في الذمَّة أو في معين وكان الغريم باذلاً:
والفرض الثاني يكون المال الذي له على الآخر كلياً في الذمَّة كما لو كان له ألف دينار في ذمَّة زيد أو يكون المال الذي له كليَّاً في معيَّن كما لو كان له كيلو من صبرة الحنطة المعيَّنة، ففي مثل هذا الفرض تارةً يكون مَن عليه المال مقرَّاً بما عليه وغير ممتنعٍ من الأداء، وفي مثل هذا الفرض لا يجوز لمن له المال -الدائن- أنْ يأخذ من أموال المدين مقدار ما له دون إذنِه، لأن الدائن إنَّما يملك مالاً كليَّاً، ولا ولاية له على تطبيقه على ما يشاء من أموال المدين، فتشخيص ما له من مال على المدين وتعيينه إنَّما يكون بيد المدين. ولهذا لا يصحُّ للدائن في الفرض المذكور استيفاء ماله الكلِّي دون إذن المدين -الغريم-.
اذا كان الغريم ممتنعاً دون قصد التعدِّي:
والفرض الثالث: يكون المال الذي له على الآخر كليَّاً أيضاً في الذمَّة أو المعين ولكن مَن عليه المال ممتنعٌ من الأداء لا بقصد التعدي والاستحواذ على مال الغير ظلماً وإنَّما هو ممتنعٌ إمَّا لنسيانه أو لاعتقاده أنَّ الدائن قد استوفى ماله منه أو لأي سببٍ معذِّر، وفي هذا الفرض لا يجوز للدائن أيضاً أخذ ماله من المدين -الغريم- دون إذنه لأنَّ ما يملكه على المدين هو الكلِّي في الذمة أو في المعين، وتطبيق ذلك وتشيخصه بيد المدين المالك لأمواله الخارجيَّة، ولذلك لا يصحُّ للدائن استيفاء ماله إلا من طريق الترافع للقضاء.
إذا كان الغريم ممتنعاً عن الأداء ظلماً وعدوانا:
والفرض الرابع: يكون المال الذي له على الآخر كليَّاً أيضاً في الذمَّة أو المعين، ومَن عليه المال ممتنعٌ عن الأداء ظلماً وعدوانا بقطع النظر عن كونه مقرِّاً أو جاحداً يعني أنَّ هذا الفرض يشمل صورة إقرار المدين بالدين ولكنَّه ممتنعٌ عن الأداء ظلماً ودون عذرٍ، كما يشمل صورة الجحود والإنكار ظلماً للدَّين الذي عليه، ففي هذا الفرض بكلا صورتيه يسوغ لصاحب المال المقاصَّة من مال المدين -الغريم- دون الحاجة إلى استئذان الحاكم الشرعي ودون الحاجة إلى الترافع للقاضي، فيسوغ للدائن إذا وجد مالاً للمدين أن يأخذ منه مقدار المال الذي له عليه، ويدلُّ على ذلك عدد من الروايات:
منها: صحيحة داود بن زربي، قال: قلتُ لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أُعامل قوماً وربّما أرسلوا إليَّ فأخذوا منّي الجارية والدابَّة فذهبوا بها منّي، ثمّ يدور لهم المال عندي فآخذُ منه بقدر ما أخذوا منّي؟ فقال (ع): خذ منهم بقدر ما أخذوا منك ولا تزد عليه"(1).
فالواضح من الرواية أو هو القدر المتيقن منها أنَّ مفروضها هو أخذهم للجارية أو الدابَّة كان عدواناً، وقد أجابه الإمام (ع) بجواز الأخذ من أموالهم التي صارت في يده بمقدار ما أخذوا منه. فالمال الذي صار في يده ليس هو شخص المال الذي أُخذ منه ورغم ذلك أجاز الإمام (ع) الأخذ منه بمقدار ماله كما أنَّ مقتضى إطلاق الرواية هو أنَّه يجوز الأخذ من أموالهم وإنْ لم تكن من جنس ما أخذوه منه.
ومنها: معتبرة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلتُ له: رجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فجحده إيَّاه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قِبله، أيأخذه مكان مالِه الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم .."(2).
والواضح من الرواية أنَّه يسوغ للدائن أن يستوفي ماله الذي جحده الغريم، ومقتضى إطلاقها هو عدم اشتراط جواز الاستيفاء والمقاصَّة بإذن الحاكم الشرعي.
ومنها: صحيحة أبي العباس البقباق أنَّ شهابا ما رآه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعَه بعد ذلك ألف درهم قال أبو العباس فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك، فأبى شهاب، قال: فدخل شهابٌ على أبي عبد الله عليه السلام فذكر له ذلك، فقال: أمَّا أنا فأحبُّ أنْ تأخذ وتحلف"(3).
فقوله (ع): "أمَّا أنا فأحبُّ أن تأخذ" صريح في جواز المقاصَّة بل لا يبعد ظهوره في رجحانها، وأما قوله "وتحلف" فالظاهر أنَّ المراد منه جواز أنْ يحلف -لو قاضاه الغريم- على أنَّه ليس له عليه مال.
والمتحصل مما ذكرناه أنَّ الفرض الذي تجوز في مورده المقاصَّة هو الفرض الرابع وأنَّه لا فرق بين كون المال المستحَق للدائن ديناً كما هو مورد معتبرة الحضرمي أو كون المال المستحق شخصيَّاً كما هو مورد صحيحة داود بن زربى، وكذلك فإنَّ مقتضى إطلاق الروايات هو جواز المقاصَّة حتى من غير جنس المال المأخوذ من الدائن.
لا يعتبر في المقاصَّة إذن الحاكم الشرعي:
واتَّضح كذلك مما تقدَّم أنَّه لا يُعتبر في جواز المقاصَّة استئذان الحاكم الشرعي، وذلك لإطلاق الروايات وعدم أخذ الإذن في جوازها، نعم ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار أخذ الإذن، وذلك لأنَّ الدائن يملك مالاً كليَّاً، وهو لا يتعين إلا بإذن المالك الغريم فمع افتراض امتناعه يلزم الرجوع للحاكم الشرعي لأنَّه وليُّ الممتنع.
إلا أنَّ هذا الكلام لا يتم فإنَّ صاحب الشريعة -كما أفاد السيد الخوئي(4)- قد أذِن في المقاصَّة ولم يقيِّد الإذن بالمراجعة الشخصيَّة للحاكم الشرعي أو وكيلة، فمقتضى الإطلاق هو جواز المقاصَّة دون الحاجة إلى الإذن الشخصي من الحاكم الشرعي أو وكيله.
لا يعتبر في المقاصَّة القدرة على أخذ الحق بالترافع:
هذا وقد أفاد بعض الأعلام أنَّ جواز المقاصَّة مشروطٌ بعدم قدرة الدائن على إثبات حقِّه من طريق الترافع عند القاضي، فمع إمكانيَّة إثبات الحق وأخذه بواسطة القضاء لا يسوغ التقاص، وذلك لأنَّ التقاصَّ نحو من التصرُّف في أموال الغير وهو غير جائزٍ دون دليل، والقدر المتيقن من مفاد الروايات التي أجازت المقاصَّة هو ما إذا تعذَّر إثبات الحقِّ وأخذه من طريق الترافع لدى القضاء.
وأجاب السيِّد الخوئي رحمه الله(5) أنَّ تعيُّن الاقتصار على القدر المتيقن إنَّما يكون في فرض عدم ظهور الروايات في الإطلاق كما لو كان دليل جواز المقاصَّة لبيَّاً، وأمَّا مع ظهور الروايات في الإطلاق فإنَّه لا مُوجب للتمسُّك بالقدر المتيقن، إذ أنَّ وجود القدر المتيقن للدليل لا يكون مانعاً من التمسُّك بإطلاقه وإلا لم يصح الاستناد إلى الإطلاق في مختلف الأدلة اللفظيَّة، إذ ما مِن دليلٍ لفظيٍّ ظاهرٍ في الإطلاق إلا وله قدرٌ متيقَّن، فالصحيح هو جواز المقاصَّة حتى في فرض إمكان إثبات الحقِّ وأخذه من طريق الترافع وذلك استناداً إلى إطلاق الروايات.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
14 / ربيع الأول / 1446ه
18 / سبتمبر / 2024م
1- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص272.
2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص272.
3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج17 / ص272.
4- القضاء والشهادات -السيد الخوئي- ج1 / ص154.
5- القضاء والشهادات -السيد الخوئي- ج1 / ص154.