تعمُّد الجنابة للعاجز عن الغسل بعد دخول الوقت

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

هل يجوز لمن كان عاجزاً عن الغسل أنْ يعاشر زوجته؟

الجواب:

ما تقتضيه القاعدة:

لا إشكال في جواز ذلك قبل دخول الوقت وحينذاك تكون وظيفته التيمم لرفع الحدث، إنَّما الكلام في معاشرة زوجته بعد دخول الوقت رغم عجزه عن الغسل، فإنَّ مقتضى القاعدة -كما أفاد السيد الخوئي-(1) هو عدم الجواز اختياراً، فإنَّ التيمم -بدلاً عن الغسل- وظيفةُ العاجز عن الغسل في مجموع الوقت، وفرض الكلام أنَّ هذا المكلَّف كان قادراً عند دخول الوقت على أداء الصلاة بالطهارة الاختيارية، فمعاشرتُه لزوجته في هذا الفرض تفويتٌ للواجب اختياراً وهو غير جائز، تماماً كما هو الشأن فيمَن كان على وضوء بعد دخول الوقت وعلم أنَّه لو تعمَّد الحدث فإنَّه لن يتمكن من الوضوء فإنَّه لا يجوز له تعمُد الحدث قبل أداء الصلاة لأنَّه يكون من تفويت الواجب وهي الصلاة بالطهارة الاختيارية، وكذلك لو كان له ماء يكفي للوضوء وليس لديه غيره فإنَّه لا يجوز له إهراقه بعد دخول الوقت، لأنَّه في هذا الفرض مخاطَبٌ بالصلاة عن وضوء، فإهراقه للماء بعد دخول الوقت تعجيزٌ للنفس عن أداء الواجب الفعلي اختياراً.

فالقاعدة تقتضي عدم جواز معاشرة الزوجة بعد دخول الوقت إذا كان عاجزاً عن الغسل للصلاة لكنَّه يتعيَّن رفع اليد عمَّا تقتضيه القاعدة لورود النصِّ الخاص في ذلك وهو موثقة إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَه أَهْلُه فِي السَّفَرِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ أيَأْتِي أَهْلَه؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِه، قَالَ: قُلْتُ: طَلَبَ بِذَلِكَ اللَّذَّةَ أَوْ يَكُونُ شَبِقاً إِلَى النِّسَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ الشَّبِقَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِه قُلْتُ: يَطْلُبُ بِذَلِكَ اللَّذَّةَ قَالَ: هُوَ حَلَالٌ .."(2) فالرواية صريحة في جواز المعاشرة للزوجة رغم أنَّ فرض المسألة هو العجز عن الغسل لعدم وجدان الماء، ومقتضى إطلاقها هو الجواز حتى بعد دخول الوقت.

عدم جواز التعدِّي عن مورد النصِّ الخاص:

نعم لا يصحُّ التعدِّي من مورد الرواية -وهو معاشرة الزوجة- إلى سائر أسباب الجنابة، فلا يصحُّ للمكلَّف مثلاً اختيار النوم بعد دخول الوقت إذا كان يعلم بوقوع الجنابة منه أثناء النوم، وكذلك لا يسوغُ له استدعاء الجنابة اختياراً بغير المعاشرة بعد دخول الوقت، فإنَّ أقصى ما يقتضيه النصُّ الخاص هو جواز الجنابة من طريق معاشرة الأهل فيبقى ما عدا مورد النصِّ الخاصِّ على أصل الحرمة بمقتضى قاعدة عدم جواز تفويت أداء الواجب الفعلي اختياراً.

وممَّا ذكرناه يتَّضح مدرك ما يُفتي به الفقهاء من عدم جواز تعمُّد الحدث الأصغر بعد دخول الوقت لمَن كان على وضوء إذا كان يعلم بعدم وجدان الماء للوضوء، وكذلك ما يُفتي به الفقهاء من عدم جواز إهراق الماء بعد دخول الوقت إذا لم يكن له غيره لرفع الحدث، فإنَّ مدرك ذلك وشبهه هو عدم جواز تعجيز النفس عن أداء الواجب الفعلي في وقته، فوظيفة المكلَّف في مفروض المسألتين هو الصلاة عن وضوء، وذلك لأنَّ الصلاة عن تيمم إنَّما هي وظيفة العاجز عن الوضوء في مجموع الوقت، والمفروض أنَّه لم يكن عاجزاً عنه بعد دخول الوقت وقبل تعمُّد الحدث وقبل إهراق الماء. لذلك فهو مخاطبٌ بالصلاة عن وضوء، فلو تعمَّد الحدث في المسألة الأولى أو أهرق الماء في المسألة الثانية فإنَّه يكون قد عجَّز نفسَه عن أداء الواجب الفعلي اختياراً فيكون قد خالف الأمر المولوي المتنجِّز في حقِّه، فيكون مأثوماً بذلك.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

13 / ربيع الأول / 1446ه

17 / أكتوبر / 2024م


1- التنقيح في شرح العروة الوثقى ج6 / ص287.

2- الكافي -الكليني- ج5 / ص495، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص110.