معنى: مِن حقِّ الأب أن "لَا يَسْتَسِبّ لَه"
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
روي عن أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بن جعفر (ع) قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّه (ص) مَا حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِه قَال:َ لَا يُسَمِّيه بِاسْمِه، ولَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْه، ولَا يَجْلِسُ قَبْلَه، ولَا يَسْتَسِبُّ لَه"(1).
ما معنى قوله (ص): "ولَا يَسْتَسِبُّ لَه"
الجواب:
معنى قوله (ص): "ولَا يَسْتَسِبُّ لَه" هو أنْ لا يفعل ما يُغري الآخرين بسبِّ أبيه كأنْ يسبَّ آباء الناس فيسبُّون أباه، أويؤذي أحداً فيدفعه إلى سبِّ أبيه، أو يسُنَّ مظلمةً فيشنِّع الناسُ عليه وعلى أبيه ما دامت المظلمة قائمة، أو يفعل بعض القبائح فيشتم الناس أباه ويتَّهمونه بأنَّه لم يُحسنْ تربية ابنه، أو يفعل بعض المنفِّرات التي جرت عادة الناس- من السُوقة- على لعن فاعلها ومَن ينتسب إليهم وذلك بأنْ يقضي حاجته في مواطن اللَّعن؛ عند الشجرة المثمرة -مثلاً- أو عند أبواب الدور أو في قارعة الطريق أو في مواضع اجتماع الناس، وهكذا هو الشأن في رمي القذارات في مواطن اللَّعن؛ عند أبواب الدور -مثلاً- أو في مشارع المياه أو على قارعة الطريق أو ما أشبه ذلك. ولعلَّ مما يصدق عليه الإغراء بسبِّ الأب معاشرة الفحاشين والسفلة من الناس ومفاكهتهم فإنَّ ذلك يُجرئهم على شتم الآباء والأمهات مزاحاً.
وكيف كان فمعنى: يستسب هو طلب السبِّ، فالسين والتاء تدخلان على الفعل فتفيدان الطلب فيُقال يستعطف ويسترحم يعني يطلب العطف ويطلب الرحمة، ويُقال يستنجد يعني يطلب النجدة كذلك فإنَّ معنى يستسب هو أنَّه يطلب السبَّ، وطلبُ الرجلِ السبَّ لنفسه أو لأبيه تارةً يكون بالقول كأنْ يقول سبُّوني، وهذا لا يكون عادة، وتارةً يكون طلبُ السبِّ بفعل ما يُوجب سبَّ الآخرين له أو لأبيه أو لدينه، ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(2) يعني لا تسبُّوا آلهة المشركين التي يدعونها ويعبدونها من دون الله فتغرونهم بذلك أنْ يسبُّوا الله ظلماً وعدواناً. فكأنَّ في سبِّ آلهة المشركين طلباً لسبِّ الله جلَّ وعلا.
وهكذا هو الشأن في فعل الرجل ما يُوجب سبَّ أبيه، فكأنَّه يطلب من الآخرين سبَّ أبيه، ولذلك ورد عن الرسول الكريم (ص) كما في رواية الكليني في الكافي عن أبي جعفر الباقر(ع) قال: ".. لَعَنَ اللَّه .. ومَنْ لَعَنَ أَبَوَيْه، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّه أيُوجَدُ رَجُلٌ يَلْعَنُ أَبَوَيْه فَقَالَ: نَعَمْ، يَلْعَنُ آبَاءَ الرِّجَالِ وأُمَّهَاتِهِمْ فَيَلْعَنُونَ أَبَوَيْه .."(3).
وورد عن النبيِّ الكريم (ص) كما في المصنَّف قال: "إنَّ أكبر الذنب عند الله أنْ يسبَّ الرجلُ والديه، قالوا: وكيف يسبُّ الرجل والديه؟ قال (ص): يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسبُّ أمَّه"(4).
هذا وقد ورد أنَّ فعل ما يُوجب سبَّ الأبوين أو أحدهما مضافاً إلى أنَّه إساءةٌ للأبوين وتضييعٌ لحقٍّ من حقوقهما فإنَّه نحوٌّ من العقوق لهما، فقد رُويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: "إنَّ من حقِّ الوالدين على ولدهما أنْ يقضيَ ديونهما، ويوفي نذورهما، ولا يستسبَّ لهما، فإذا فعل ذلك كان بارَّاً وإنْ كان عاقا لهما في حياتهما، وإنْ لم يقضِ ديونهما ولم يوفِ نذورهما، واستسبَّ لهما، كان عاقَّاً وإن كان بارَّاً بهما في حياتهما"(5).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
26 / رجب المعظَّم / 1446ه
27 / يناير / 2025م
1- الكافي -الكليني- ج2 / ص159.
2- سورة الأنعام / 108.
3- الكافي -الكليني- ج8 / ص71.
4- المصنف -ابن أبي شيبة- ج6 / ص248.
5- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص112.