إخراج الفطرة عن الجنين
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل يجب إخراج الفطرة عن الجنين؟ وإذا لم يكن واجباً فهل هو مستحب؟
الجواب:
أما الجنين الذي يظلُّ جنيناً إلى ما بعد يوم العيد فلا إشكال في عدم وجوب إخراج زكاة الفطرة عنه، وكذلك لم يثبت استحباب إخراج الفطرة عنه في هذا الفرض.
وأمَّا إذا وُلد ليلة العيد يعني بعد أنْ يهلَّ هلال شوال فالمشهور بل ادُّعي الإجماع(1) على عدم وجوب إخراج الفطرة عنه، ومُستند ذلك ما ورد في صحيحة مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ مَوْلُودٍ وُلِدَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَلَيْه فِطْرَةٌ قَالَ: لَا، قَدْ خَرَجَ الشَّهْرُ، قَالَ: وسَأَلْتُه عَنْ يَهُودِيٍّ أَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَلَيْه فِطْرَةٌ؟ قَالَ: لَا"(2).
فالرواية صريحة في عدم الوجوب وأنَّ منشأ عدم الوجوب هو انتفاء موضوع الوجوب بخروج الشهر، فموضوع وجوب الفطرة عمَّن يعوله المكلَّف -بمقتضى ظاهر الرواية- هو تحقق العيلولة قبل خروج شهر رمضان، فمع خروجه قبل الولادة يكون الموضوع منتفياً.
وثمة رواية أخرى بذات المضمون لمعاوية بن عمار أوردها الشيخ الصدوق في الفقية عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام): في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر قال: ليس عليهم فطرة، وليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر"(3).
فهذه الرواية صريحة أيضاً في عدم وجوب إخراج الفطرة عن الجنين إذا ولد بعد هلال شوال إلا أنَّه نظراً لضعف سندها بعلي بن أبي حمزة البطائني فإنَّها لا تصلح للاستدلال ولكنها تصلح للتأييد.
استحباب إخراج الفطرة عن الجنين؟
ثم إنَّ الكلام في استحباب إخراج الفطرة عن الجنين إذا ولد بعد الهلال فتارةً يُولد بعد الهلال وقبل الزوال من يوم العيد، وتارة يُولد بعد الزوال، أمَّا في الفرض الثاني فلا إشكال في عدم الاستحباب الشرعي، وأمَّا في الفرض الأول فالمعروف بين الفقهاء(4) هو استحباب إخراج الفطرة عنه إذا وُلد ما بين الهلال وأداء صلاة العيد أو ما بين الهلال والزوال الذي ينتهي عنده وقتُ صلاة العيد، ومدركُ ذلك ما رواه الشيخ الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألتُه عمّا يجبُ على الرجل في أهله من صدقة الفطرة قال: تصدّق عن جميع مَن تعول من حرٍّ أو عبدٍ أو صغيرٍ أو كبيرٍ مَن أدرك منهم الصلاة"(5).
وكذلك ما ورد في مرسلة الشيخ الطوسي قال: قد رُوي أنّه «إنْ ولد له قبل الزوال يخرج عنه الفطرة، وكذلك مَن أسلم قبل الزوال"(6).
فالأمر في الروايتين بإخراج الفطرة وإنْ كان ظاهراً في الوجوب إلا أنَّ مقتضى الجمع بينها وبين الروايات النافية للوجوب في فرض وقوع الولادة بعد الهلال هو حمل الأمر في الروايتين على الاستحباب، هذا مضافاً إلى ضعف الروايتين من حيث السند فيكون الحمل على الاستحباب مبتنياً على قاعدة التسامح في أدلَّة السنن بناءً على تماميتها إلا أنْ يقال إنَّ الروايتين مجبورٌ ضعف سنديهما بعمل الأصحاب، فهما صالحتان بناءً على ذلك على إثبات الاستحباب حتى بناءً على عدم القبول بقاعدة التسامح.
ثم إنَّ رواية محمد بن مسلم قد علَّقت الأمر فيمن تُخرج الفطرة عنه على إدراك الصلاة، والمراد من الصلاة هنا هي صلاة العيد، إذ لا ريب في وجوب إخراج الفطرة عن المُعال من الأولاد وغيرهم وإنْ لم يكن ممَّن أدرك الصلاة المفروضة بأن كان رضيعاً أو صبياً غير مميِّز.
ثم إنَّ إدراك صلاة العيد يحتمل معيين، فإمَّا أن يكون المراد من ذلك هو تولُّده قبل أداء المكلَّف لصلاة العيد، وبناءً عليه يسقط الأمر لو وقعت الولادة بعد أداء المكلَّف لصلاة العيد، وإمَّا أن يكون المراد من إدراك الصلاة هو الإدراك لوقتها والذي يمتدُّ للزوال، وبناءً عليه فإنَّ الأمر بإخراج الفطرة يمتدُّ إلى الزوال، فإذا وقعت الولادة قبل الزوال استُحبَّ إخراج الفطرة عن المولود حتى لو وقعت الولادة بعد أداء الصلاة، ولا يبعد تعيٌّن الاحتمال الثاني بقرينة مرسلة الشيخ الطوسي، ومع عدم القبول بذلك والبناء على تعيُّن الاحتمال الأول فإنَّه لا مانع من التمسُّك بمرسلة الطوسي للحكم بامتداد الاستحباب إلى الزوال وحمل اختلاف الوقتين على التفاوت في الفضل، فالاستحبابُ حين تقع الولادة قبل أداء الصلاة أشدُّ ولكنَّ الاستحباب يمتدُّ إلى الزوال. فذلك هو مقتضى الجمع بين الروايتين، إذ لا تجري في مثلهما قواعد التعارض كما هو واضح.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
3 / شهر رمضان / 1446ه
4 مارس 2025م
1- رياض المسائل -الطبأطبائي- ج5 / ص209.
2- الكافي -الكليني- ج4 / ص172، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج9 / ص352.
3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج9 / ص352.
4- رياض المسائل -الطبأطبائي- ج5 / ص210.
5- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج2 / ص182، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج9 / ص329.
6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج4 / ص72، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج9 / ص353.