هل تكرَّر الكفارة بتكرُّر مُوجبها؟

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل تتكرَّر الكفارة بتكرُّر تناول المفطر في نهار شهر رمضان؟

الجواب:

تناول المفطر قي يومين أو أكثر:

إذا تكرَّر تناول المفطر قي يومين أو أكثر من أيام شهر رمضان بأنْ تناول المفطر مرَّة واحدة في اليوم الأول وتناوله مرَّة واحدة في اليوم الثاني وهكذا ففي مثل هذا الفرض تتكرَّر الكفارة بتكرُّر التناول للمفطِر دون إشكال ولا خلاف، وذلك لتكرُّر المُوجِب المستقل للكفارة، فموضوع وجوب الكفارة هو تناول المفطِر في نهار شهر رمضان فبتحقُّقه يتحقَّق موضوع وجوب الكفارة، فإذا تناوله في يومٍٍ آخر فإنَّ موضوعاً آخر لوجوب الكفارة قد تحقَّق، فكلٌّ من الإفطارين موضوعٌ مستقل لوجوب الكفارة عن الآخر، ولهذا يتكرَّر وجوبُ الكفارة بتكرُّر الإفطار في هذا الفرض سواءً اتَّحد ما أفطر عليه في اليومين أو اختلف، وسواءً تخلَّل ما بين الإفطارين الإخراج للكفارة أو لا، فكلٌّ من الإفطارين موضوعٌ مستقل لوجوب الكفارة كما هو مقتضى إطلاق ما دلَّ على أنَّ من أفطر فعليه الكفارة، والقول بأصالة تداخل الأسباب لا تجري في مثل المقام وإنَّما تجري في فرض تناول المفطِر مرَّتين أو مرَّات في يومٍ واحد مِن أيام شهر رمضان، وأمَّا مع تعدُّد الأيام فإنَّ الأسباب ليست متَّحدة ليُبنى على التداخل، فالسبب المُوجب للكفارة في اليوم الأول مستقلٌّ عن السبب المُوجب لها في اليوم الثاني تماماً كما لو أفطر يومين من رمضانين.

تكرُّر تناول المفطر في يومٍ واحد:

وإذا تكرَّر تناول المفطر في يومٍ واحد فالصحيح -في غير الجماع- هو عدم تكرُّر الكفارة سواءً اتَّحد نوع المفطِر أو اختلف، وسواءً تخلَّل ما بين التناول الأول والثاني إخراجُ الكفارة أو لا، وهذا هو المشهور- ظاهراً- بين الفقهاء، وفي مقابل ذلك ذهب بعض الأعلام إلى تكرُّر الكفارة بتكرُّر تناول المفطر في اليوم الواحد مطلقاً، وذهب بعضهم إلى تكرُّر الكفارة في فرض اختلاف نوع المفطِر الذي تناوله وفي فرض تخلل الكفارة بين التناول الأول والثاني(1).

والظاهر أنَّ منشأ ذلك هو اعتبار المسألة من صغريات أصالة تداخل الأسباب وعدمه فمَن بنى على عدم التداخل حكَم بتعدُّد الكفارة مطلقاً، ومن بنى على التداخل حكم بعدم التعدُّد إلا مع تخلُّل الكفارة أو اختلاف نوع المفطِر.

إلا أنَّ الصحيح -كما هو مبنى المشهور- هو عدم تعدُّد الكفارة سواءً بنينا على تداخل الأسباب أو عدم تداخلها، فالمسألة ليست من صغريات هذه القاعدة، وذلك لعدم تحقُّق تعدُّد الأسباب بتعدُّد تناول المفطر، فالصائم إذا تناول المفطر في المرَّة الأولى فإنَّ صومه ينتقض بذلك، فحين يتناولُه مرَّة ثانية لا يكون قد نقض صومه فإنَّ صومه قد انتقض في المرَّة الأولى، فما يتناوله في المرَّة الثانية لا يكون ناقضاً للصوم، إذ لا صوم في هذا الفرض.

وبتعبير آخر: إنَّ حقيقة الصوم هو الإمساك عن المفطِّرات فهو ينتقض بمجرَّد تناول المُفطر، وحينذاك لا يكون صائماً لينتقض صومُه بتناول المفطِر مرَّة أخرى، فهو حين تناول المفطر في المرَّة الثانية كان مفطِراً، فلا يكون تناولُه للمفطر ناقضاً للصوم لانتفاء موضوع الصوم بتناول المفطر في المرَّة الأولى. وعليه لا معنى لوجوب الكفارة الثانية لأنَّ موضوع وجوب الكفَّارة هو نقض الصوم بتناول المفطِر، وهو لم ينقض الصوم في المرَّة الثانية لأنَّه لم يكن صائماً. فالشأنُ في المقام تماماً كالشأن فيمَن أحدث بعد الوضوء فإنَّه يكون قد نقضَ وضوءه، فلو أحدث بعد ذلك فإنَّه لا يكون قد نقض وضوءه، إذ أنَّ وضوءه قد انتقض بالحدث الأول. كذلك هو الشأن في الصائم إذا تناول المفطر فإنَّ صومَه قد انتقض بذلك فتناوله للمفطر مرَّةً ثانية لا يكون نقضاً للصوم إذ لا صوم في هذا الفرض، وذلك لانتقاضه بالتناول الأول للمفطِر.

نعم لو كانت الكفارة مترتِّبة على عناوين المفطرات لأمكن القول بأنَّ المكلَّف إذا أكل ثم شرب فإنَّه يكون قد جاء بسببين فيقع البحث عن التداخل وعدمه إلا أنَّ الأمر لم يكن كذلك فموضوع الكفارة فيما عدا الجماع هو تناول المفطر، وذلك يتحقَّق بأول وجودٍ لاستعمال المفطر بقطع النظر عن عنوانه، وحينذاك لا موضوع بعده لوجوب الكفارة لأنَّ وجوبها هو تناول الصائم للمفطر، والمكلف حين يتناول الطعام أو الشراب أو غيرهما في المرَّة الثانية لا يكون ما تناوله مفطراً لأنَّه لم يكن صائماً، فموضوع الكفارة قد انعدم بتناول المفطر في المرَّة الأولى. وما فعله في المرَّة الثانية إنَّما هو تناول الطعام والشراب، والطعامُ والشراب ليسا مفطرين لغير الصائم، فموضوع الكفارة ليس هو تناول الطعام والشراب وإنَّما هو تناول المفطر وتناول المفطر لا يصدق إلا مع افتراض كون المتناول للطعام صائماً، فموضوع وجوب الكفَّارة منتفٍ في التناول الثاني سواء اتَّحد جنس ما تناوله أو اختلف وسواءً تخلل ما بينهما التكفير أو لا، ففي تمام هذه الفروض لا تجب الكفارة في المرَّة الثانية لانتفاء موضوعها وعدم تصوُّر تعدُّد الأسباب حتى نبحث عن أنَّ الأصل هو التداخل أو عدمه.

وببيان آخر: موضوع وجوب الكفَّارة -بحسب الروايات(2) فيما عدا الجماع- هو تناول المفطر بقطع النظر عن عناوين المفطِّرات، وتناول المفطر يتحقَّق بأول وجودات استعماله، والاستعمال الثاني لا يكون مفطراً لانتقاض الصوم -المصحِّح لصدق الإفطار- بالاستعمال الأول.

لو تكرَّر الجماع في نهار شهر رمضان:

بقي الكلام في الجماع لو تكرر من المكلف في نهار شهر رمضان فهل تتعدد الكفارة بتكراره أو لا؟

ذهب بعض الأعلام إلى وجوب تعدد الكفارة بتعدُّد صدور الجماع في نهار شهر رمضان ممَّن يجب عليه الصوم، ومنشأ ذلك هو استظهار أنَّ موضوع وجوب الكفارة هو تحقُّق الجماع في نهار شهر رمضان ممَّن يجبُ عليه الصوم، وهذا العنوان قابلٌ للتكرار، فمَن صدر منه الجماع مرَّة ثانية فهو وإن كان حينها مفطراً إلا أنَّ موضوع الكفارة ليس هو الإفطار وإنَّما هو الجماع في نهار شهر رمضان ممَّن يجب عليه الصوم وهذا الموضوع لا ينعدم بالجماع الأول، فالجماع الثاني كالجماع الأول محقِّق لموضوع وجوب الكفارة.

ويدلُّ على ذلك عدد من الروايات:

منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع"(3).

ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألتُه عن رجلٍ يعبث بامرأته حتى يمني وهو مُحرِم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان؟ فقال عليه السلام: عليهما جميعاً الكفارة مثل ما على الذي يجامع"(4).

فظاهر مثل هذه الروايات أنَّ موضوع الكفارة هو الجماع بعنوانه في نهار شهر رمضان ممَّن يجب عليه الصوم فمن تحقَّق منه ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، ومقتضى إطلاقها هو وجوب الكفارة سواءً تكرر منه ذلك أو لا، فمن جامع مرَّة ثانية يصدق في حقِّه أنَّه جامع في نهار شهر رمضان، ولذلك فهو مخاطب بالتكفير تماماً كما هو مخاطب في المرَّة الأولى إلا مع البناء على تداخل الأسباب وهو خلاف التحقيق، فمقتضى التحقيق أنَّ كلَّ فرد من الأسباب مستقلٌّ في التأثير، أي أنَّ مقتضى إطلاق الدليل هو انحلال الموضوع إلى أسباب بعدد الأفراد المتحقِّقة خارجاً، فكلُّ فردٍ فإنَّه يكون سبباً مستقلاً في التأثير أي في إيجاب الكفارة، فإذا جامع الرجل زوجته في نهار شهر رمضان لزمته الكفارة سواءً سبق هذا الجماع جماعٌ آخر أو لحِقه، وسواءً تخلَّل ما بينهما تكفير أو لا، وسواءً سبَق الجماع تناولٌ لمفطرٍ آخر كالأكل أو لا، ففي تمام هذه الفروض يكون مخاطباً بالتكفير بمقتضى الإطلاق، وذلك لأنَّه في تمام هذه الفروض يصدق في حقِّه أنَّه جامع في نهار شهر رمضان والذي هو موضوع وجوب الكفارة.

ويظهر من الروايات أنَّ موضوع وجوب الكفارة هو الجماع أو الاستمناء في نهار شهر رمضان سواءً كان مفطرا أو لا. هذا حاصل ما أفاده السيد الخوئي رحمه الله(5).

وأمَّا دعوى انصراف الروايات إلى أنَّ موضوع الكفارة هو الجماع أو الاستمناء الموجب للإفطار بحيث يكون الجماع الثاني غير موجب للكفارة لعدم كونه موجباً للإفطار، هذه الدعوى لا تتم ظاهراً، فالروايات لم تُعلِّق وجوب الكفارة على أكثر من الجماع والاستمناء في نهار شهر رمضان، فمقتضى إطلاقها هو وجوب الكفارة كلَّما تحقَّق الموضوع ودعوى الانصراف بحاجة إلى دليلٍ مفقود. ومجرَّد الاحتمال لا يكفي لصرف الروايات عن ظهورها في الإطلاق المقتضي لتكرار الكفَّارة بتعدُّد الجماع في نهار شهر رمضان.

ويُؤيد ظهور الروايات في الإطلاق المقتضي للتكرار رواية الخصال للشيخ الصدوق بسنده عن الفتح بن يزيد الجرجاني أنَّه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن رجلٍ واقع امرأةً في شهر رمضان من حلال أو حرام في يومٍ عشر مرات؟ قال: عليه عشر كفارات لكلِّ مرَّةٍ كفارة، فإن أكل أو شرب فكفَّارة يوم واحد"(6).

وكذلك ما روي عن أبي عقيل على ما نقله العلامة عنه قال: ذكر أبو الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب ( شمس المذهب ) عنهم عليهم السلام أنَّ الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامداً فعليه القضاء والكفارة، فإن عاود إلى المجامعة في يومه ذلك مرَّة أخرى فعليه في كلِّ مرَّة كفارة"(7).

وكذلك مرسلة العلامة قال: وروي عن الرضا عليه السلام: أنَّ الكفارة تتكرَّر بتكرُّر الوطئ"(8).

فهذه الروايات وإنْ كانت ضعيفةً من حيث السند ولكنَّها صالحة لتأييد ما يظهر من الروايات في أنَّ موضوع الكفارة هو الجماع في نهار شهر رمضان بقطع النظر عن وقوعه ممَّن هو صائم أو ممَّن هو مفطر بجماع سابق أو بغيره.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

9 / شهر رمضان / 1446ه

10 / مارس / 2025م

 


1- لاحظ الحدائق الناضرة -الشيخ يويف البحراني- ج13 / ص230، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج16 / ص303.

2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- باب من أفطر يوماً من شهر رمضان عمداً ج10 / ص53.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص39.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص39.

5- المستند في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج21 / ص341.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص55.

7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص56.

8- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج10 / ص56.