منشأ استبعاد وصول قافلة الحسين (ع) لكربلاء يوم الأربعين
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل من المقبول بحسب المعطيات التأريخيَّة وحساب المسافات البناء على امكانيَّة وصول حرم الإمام الحسين (ع) من الشام إلى كربلاء يوم الأربعين مِن مقتله الشريف؟
الجواب:
قبل الإجابة على السؤال يحسنُ بنا التنبيه على أمور:
استحباب الزيارة والحداد يوم الأربعين ثابتٌ على أيِّ تقديرٍ:
الأمر الأول: هو أنَّه لو لم يتمُّ البناء على إمكانيَّة وصول حرم الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء يوم الأربعين فإنَّ ذلك لا يعني البناء على عدم استحباب زيارة الإمام الحسين (ع) يوم الأربعين، فإنَّ استحباب زيارته (ع) يوم الأربعين لا ربط له بوصول حرم الحسين (ع) لكربلاء يوم الأربعين، فاستحباب الزيارة يوم الأربعين ثابتٌ لقيام الدليل الخاص وهي الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) والمتصدية للأمر بالزيارة يوم الأربعين مضافاً إلى الروايات العامَّة والمتواترة التي نصَّتْ على الأمر بزيارة الإمام الحسين (ع) مطلقاً وفي عموم أيام السنَّة، فنفيُ وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين من مقتله الشريف لا ينفي استحباب الزيارة يوم الأربعين.
وكذلك فإنَّ نفي وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين لا ينفي استحباب الحِداد وإقامةِ العزاء على الحسين (ع) يوم الأربعين. فإنَّ استحباب إقامة العزاء ثابتٌ مطلقاً بقطع النظر عن وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين أو عدم وصولِهم في ذلك اليوم أو حتى عدم وصولهم من رأس.
استحباب زيارة الأربعين لا ربط له بزيارة جابر:
الأمر الثاني: إنَّ استحباب زيارة الامام الحسين (ع) يوم الأربعين لم تنشأ عن زيارة جابر بن عبد الله الأنصارى رحمه الله للحسين (ع) يوم الأربعين بل إنَّ الاستحباب ثبت بالدليل الخاص وهو ما ورد في الروايات عن أهل البيت (ع) من الأمر بالزيارة للحسين (ع) يوم الأربعين تماماً كما هو الشأن في استحباب الزيارة للحسين يوم عرفة مثلاً فإنَّ مدركه الأمر بذلك من قِبَل أهل البيت (ع).
ابنُ طاووس وابنُ نما لم يذكرا وصولهم يوم الأربعين:
الأمر الثالث: هو أنَّه لو لم يتمَّ القبول بوصول حرم الحسين (ع) إلى كربلاء يوم الأربعين فإنَّ ذلك لا يمنع من القبول بوصولهم إلى كربلاء بعد ذلك، فما أفاده السيِّد ابن طاووس في اللهوف، وكذلك ابن نما الحلِّي في مثير الأحزان من أنَّ حرم الحسين (ع) جاؤوا من الشام إلى كربلاء للزيارة بعد الأسْر قابلٌ للقبول إلا أنَّ السيِّد ابن طاووس وكذلك ابن نما الحلي لم يذكرا أنَّ وصولهم إلى كربلاء كان في يوم الأربعين، فنصُّ ما أفاده السيِّد ابن طاووس في اللهوف هو أنَّه : "لَمّا رَجَعَ نِساءُ الحُسَينِ عليه السّلام وعِيالُهُ مِنَ الشّامِ وبَلَغوا إلَى العِراقِ، قالوا لِلدَّليلِ: مُرَّ بِنا عَلى طريقِ كَربَلاءَ، فَوَصَلوا إلى مَوضِعِ المَصرَعِ، فَوَجَدوا جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ الأَنصارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ وجَماعَةً مِن بَني هاشِمٍ ورِجالًا مِن آلِ الرَّسولِ صلّى اللَّه عليه وآله قَد وَرَدوا لِزِيارَةِ قَبرِ الحُسَينِ عليه السّلام، فَوافَوا في وَقتٍ واحِدٍ، وتَلاقَوا بِالبُكاءِ وَالحُزنِ وَاللَّطمِ، وأقامُوا المَآتِمَ المُقرِحَةَ لِلأَكبادِ، وَاجتَمَعَت إلَيهِم نِساءُ ذلِكَ السَّوادِ وأقاموا عَلى ذلِكَ أيّاماً"(1).
وأمَّا نصُّ ما أفاده ابن نما الحلِّي في مثير الأحزان فهو أنَّه: "ولَمّا مَرَّ عِيالُ الحُسَينِ عليه السّلام بِكَربَلاءَ، وَجَدوا جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ الأَنصارِيَّ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيهِ وجَماعَةً مِن بَني هاشِمٍ قَدِموا لِزِيارَتِهِ في وَقتٍ واحِدٍ، فَتَلاقَوا بِالحُزنِ وَالاكتِئابِ وَالنَّوحِ عَلى هذَا المُصابِ المُقرِحِ لِأَكبادِ الأَحبابِ"(2).
ابن طاووس يستبعدُ في الإقبال وصولهم يوم الأربعين:
فهذا ما نصَّ عليه العلَمان وهما -كما تُلاحظون- خاليَين مِن ذكر أنَّ الوصول والموافاة لجابر رحمه الله كان في يوم الأربعين أو بعده. بل إنَّ السيِّد ابن طاووس في الإقبال صرَّح باستبعاد وصول قافلة الحسين (ع) إلى كربلاء يوم الأربعين يعني العشرين من صفر قال رحمه الله: "ووجدتُ في المصباح أنَّ حرم الحسين عليه السلام وصلوا المدينة مع مولانا عليِّ بن الحسين عليه السلام يوم العشرينَ من صفر، وفي غير المصباح أنَّهم وصلوا كربلاء أيضاً في عودهم من الشام يوم العشرينَ من صفر، وكلاهما مستبعَدٌ، لأنَّ عُبيد الله بن زياد لعنه الله كتب إلى يزيد يُعرِّفه ما جرى ويستأذنُه في حملِهم ولم يحملهم حتى عاد الجواب إليه، وهذا يحتاج إلى نحو عشرين يوماً أو أكثر منها، ولأنَّه لمَّا حملهم إلى الشام روي أنَّهم أقاموا فيها شهراً في موضعٍ لا يُكنُّهم من حرٍّ ولا بردٍ، وصورةُ الحال يقتضي أنَّهم تأخَّروا أكثر من أربعين يوماً من يوم قُتل عليه السلام إلى أنْ وصلوا العراق أو المدينة. وأمَّا جوازهم في عودهم على كربلاء فيُمكن ذلك، ولكنَّه ما يكون وصولهم إليها يوم العشرين من صفر"(3).
فهذا النصُّ صريح في استبعاد السيِّد ابن طاووس وصول حرم الحسين (ع) من الشام إلى كربلاء يوم الأربعين وإنْ كان يمكن وصولهم بعد هذا التأريخ، فما أفاده في الاقبال غيرُ منافٍ لما أفاده في اللهوف، إذ أنَّه لم يذكر في اللهوف سوى أنهم وصلوا كربلاء للزيارة دون أنْ يذكر تاريخ وصولهم.
وأمَّا ما أفاده من أنَّهم التقوا بجابرٍ الأنصاري فذلك لا يقتضي أنَّ اللِّقاء كان في يوم الأربعين، فلعلَّ جابراً مكثَ بعد وصوله أياماً عديدة فاتَّفق وصولهم قبل خروجه من كربلاء، ولعلَّ الموافاة وقعت في ظرف زيارةٍ أخرى لجابر غير الزيارة الأولى، وسنذكر ما يصحِّح ويؤكِّد هذا الاحتمال فيما بعد.
وعليه فلا يصحُّ الاستناد إلى ما أفاده السيد ابن طاووس في اللُّهوف وما أفاده ابنُ نما الحلِّي في مثير الأحزان لإثبات وصول قافلة الحسين (ع) من الشام إلى كربلاء يوم الأربعين.
المستفاد ممَّا أفاده الشيخُ المفيد في مسار الشيعة:
الأمر الرابع: ذكر الشيخ المفيد في كتابه: مَسارُّ الشيعة قال: "وفِي اليَومِ العِشرينَ مِنهُ -أي مِن شَهرِ صَفَرٍ- كانَ رَجوعُ حَرَمِ سَيِّدِنا ومَولانا أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السّلام مِنَ الشّامِ إلى مَدينَةِ الرَّسولِ صلّى اللَّه عليه وآله، وهُوَ اليَومُ الَّذي وَرَدَ فيهِ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ حِزامٍ الأَنصارِيُّ -صاحِبُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وآلِهِ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ- مِنَ المَدينَةِ إلى كَربَلاءَ لِزِيارَةِ قَبرِ أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السّلام. فَكانَ أوَّلَ مَن زارَهُ مِنَ النّاسِ"(4) وذكر ما يقرب من هذا النص الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتابه مصباح المتهجِّد(5). وكذلك ذكر الكفعمي في المصباح ما هذا نصًّه: "وفى العشرين منه -من شهر صفر- كان رجوع حرم الحسين بن علي عليه السلام إلى المدينة(6).
والملاحَظ أنَّ المصادر الثلاثة استعملت كلمة الرجوع، فإذا كان المراد من الرجوع هو الوصول أي وصول حرم الحسين (ع) إلى المدينة يوم العشرين من صفر فذلك يقتضي تعارض هذا الخبر مع ما رواه السيِّد بن طاووس وابن نما الحلي من أنَّ حرم الحسين (ع) ذهبوا إلى كربلاء قبل الرجوع إلى المدينة، إذ لا يمكن أنْ يكونوا قد ذهبوا إلى كربلاء ثم وصلوا إلى مدينة الرسول (ص) في العشرين من صفر، فالخبران -بناءً على تفسير الرجوع بمعنى الوصول- متعارضان بنحو التعارض المستحكِم غيرِ القابلِ للجمع، فإمَّا أنْ يكون الواقع هو وصولَهم إلى المدينة يوم العشرين من صفر أو يكون الواقعُ هو ذهابهم إلى كربلاء في طريقهم إلى المدينة.
وعليه يتعيَّن إمَّا إسقاط خبر الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والكفعمي أو إسقاط خبر السيِّّد ابن طاووس وابن نما الحلِّي، إذ أنَّ البناء على مطابقتهما معاً للواقع مستحيلٌ.
هذا بناءً على تفسير الرجوع في خبر الشيخ المفيد والطوسي بمعنى الوصول إلى المدينة يوم العشرين من صفر، وأمّا بناءً على أنَّ المراد من قوله في خبر المفيد: "وفِي اليَومِ العِشرينَ مِنهُ -أي مِن شَهرِ صَفَرٍ- كانَ رَجوعُ حَرَمِ سَيِّدِنا ومَولانا أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السّلام مِنَ الشّامِ إلى مَدينَةِ الرَّسولِ صلّى اللَّه عليه وآله" هو الخروج من الشام إلى المدينة فإنَّه -بناءً على ذلك لا يكون ثمة تعارضٌ بين خبر المفيد وخبر السيِّد ابن طاووس. وعليه يُمكن الالتزام بأنَّ حرم الحسين (ع) خرجوا من الشام إلى المدينة يوم العشرين من صفر كما في خبر المفيد- وفي طريقهم إلى المدينة عرَّجوا على كربلاء للزيارة كما في خبر السيِّد ابن طاووس. وبذلك لا يكون ثمة تنافٍ بين خبر الشيخ المفيد وخبر السيِّد ابن طاووس بل بينهما تمام الملائمة.
وإذا تمَّ الالتزام بأنَّ المراد من رجوعهم من الشام إلى المدينة هو خروجُهم من الشام إلى المدينة -إذا تمَّ الالتزام بذلك كما هو الأرجح- يتعيَّن البناءُ على أنَّ وصولهم إلى كربلاء كان بعد العشرين من صفر، إذ لا يمكن أنْ يكونوا قد خرجوا من الشام في يوم العشرين من صفر ووصلوا إلى كربلاء يوم العشرين من صفر.
المدَّةُ التي مكثتها عائلةُ الحسين (ع) في الشام:
إذا اتَّضح ما ذكرناه يقع الكلام حول المدَّة التي مكثتها عائلة الإمام الحسين (ع) في السبي بعد الدخول إلى الشام فبعد البحث لم نقفْ في الأخبار إلا على ثلاثة أقوال في ذلك:
القول الأول: إنَّ عائلة الحسين (ع) مكثتْ في أسْرِ الشام شهراً ونصف الشهر، أورد ذلك القاضي النعمان المغربي (ت: 362ه) في كتابه شرح الأخبار قال رحمه الله: "وقيل: "إنَّ ذلك بعد أنْ أجلسهنَّ في منزلٍ لا يكنُّهن مِن بردٍ ولا حرٍّ، فأقاموا فيه شهراً ونصف حتى اقشرت وجوهُهنَّ من حرِّ الشمس، ثم أطلقهم"(7).
القول الثاني: إنَّ عائلة الحسين (ع) مكثتْ في أسْرِ الشام شهراً كاملاً، أورد ذلك السيِّد ابن طاووس في كتاب الإقبال قال رحمه الله: ".. ولأنَّه لمَّا حملهم إلى الشام رُوي أنَّهم أقاموا فيها -الشام- شهراً في موضعٍ لا يكنٌّهم من حرٍّ ولا برد"(8).
القول الثالث: إنَّ عائلة الحسين (ع) مكثتْ في أسْرِ الشام عشرين يوماً، أورد ذلك الشيخ المفيد في مسار الشيعة والشيخ الطوسي في مصباح المتهجِّد والمطهر الحلِّي في العدد القويَّة والكفعمي في المصباح(9) وهذا القول مبنيٌّ على أنَّ المراد من رجوعِهم من الشام إلى المدينة هو خروجهم من الشام إلى المدينة.
فالمدَّة التي مكثتها عائلةُ الحسين (ع) في أسر الشام تتراوح بين الشهر ونصف الشهر وبين العشرين يوماً، فإذا أخذنا بأقصر المُدد الثلاث وهي العشرون يوماً، وكان وصولُهم إلى الشام في غرَّة صفر على أقلِّ التقادير فمقتضى ذلك أنَّهم خرجوا من الشام يوم العشرين من صفر يعني يوم الأربعين من مقتل الحسين(ع) فكيف وصلوا إلى كربلاء يوم العشرين من صفر؟! والحال أنَّهم يحتاجون للوصول إلى كربلاء إلى عشرين يوماً أو أكثر.
وعليه فإنَّ وصولهم إلى كربلاء لن يكون قبل العاشر من ربيع الأول، ولو كان مكثهم في الأسر امتدَّ لشهرٍ كامل كما في رواية السيِّد ابن طاووس فإنَّ وصولهم إلى كربلاء لن يكون قبل العشرين من ربيع الأول، وأمَّا لو كان مكثُهم في الأسر شهراً ونصف الشهر كما في رواية القاضي النعمان فإنَّهم لن يصلوا إلى كربلاء قبل الخامس من ربيع الثاني.
لا دليل على أنَّ مكثهم كان خمسة أو سبعة أيام بل الدليل على خلافه:
وأمَّا دعوى أنَّ مكث عائلة الحسين (ع) في أسر الشام خمسة أيام أو سبعة فمضافاً إلى أنَّه لا دليل عليه فإنَّه منافٍ لما نقلناه عن مثل السيد ابن طاووس والقاضي النعمان(10) وكذلك فإنَّ دعوى مكثهم خمسة إلى سبعة أيام مستبعَد غايته، وذلك بملاحظة الأحداث التي وقعتْ لهم في الشام وذكرها المؤرِّخون والرواة:
منها: أنَّ يزيد أمر بحبسِهم في موضعٍ لا يكِنُّهم من حرٍّ ولا برد حتى تقشَّرت وجوههم(11) وبحسب ما ورد في مثير الأحزان لابن نما الحلِّي: "حتى تقشَّرت الجلود وسال الصديد"(12) وفي ذلك تعبيرٌ عن طول المدَّة، إذ لا يتَّفق وقوع ذلك في وقتٍ يسير.
ومنها: أنَّ يزيد أمرَ بأن يُصلبَ الرأسُ الشريف عند باب داره أو عند باب جامع دمشق ثلاثة أيام(13) ثم أمرَ بأنْ يُطافَ به في مدائن الشام كما في شرح الأخبار للقاضي النعمان قال: ثم أمَرَ يَزيدُ اللَّعينُ بِرَأسِ الحُسَينِ عليه السّلام، فَطيفَ بِهِ في مَدائِنِ الشّامِ وغَيرِها"(14) ومدائن الشام هي مثل: دمشق، ومنبج، وحلب، وحماة، وحمص، والبيت المقدس، ومعرَّة النعمان، وقنسرين، وأنطاكية، وطرابلس، وعكا، وصور، وطرسوس وعسقلان، وسائر مُدن فلسطين وغيرها، والواضح أنَّ ذلك يسترعي وقتاً يصلُ على أقلِّ تقدير عشرين يوماً أو يزيد خصوصاً وأنَّ هذا الإجراء المقيت كان لغرض التشفِّي والاستعراض والإيحاء بالعظَمة والمَنَعة.
ثم إنَّ الصلبَ والتَطوَاف بالرأس الشريف وقع قبل أو بعد أنْ كان قد وضع الرأس الشريف في مجلسه أياماً يتباهي بوجوده عنده أمام الوفود وروَّاد مجلسه وندمائه على الشراب ولعب الشطرنج كما نصَّت على ذلك الأخبار، والتي يظهر منها أنَّ ذلك امتدَّ لأيام كما هو المستفاد من مثل ما أفاده السيِّد ابن طاووس في اللهوف قال: ".. كان يتَّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين عليه السلام ويضعُه بين يديه ويُشرفُ عليه، فحضر ذات يومٍ في مجلسه رسولُ ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم .."(15) فيظهر من سياق الكلام والتعبير بذات يوم أنَّ ذلك امتدَّ لأيام، وكذلك هو ما رواه الخوارزميُّ في مقتله عن محمد ابن الحنفيّة عن عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام قال: "لَمّا أُتِيَ بِرَأسِ الحُسَينِ عليه السّلام إلى يَزيدَ كانَ يَتَّخِذُ مَجالِسَ الشُّربِ، ويَأتي بِرَأسِ الحُسَينِ عليه السّلام ويَضَعُهُ بَينَ يَدَيهِ ويَشرَبُ عَلَيهِ. فَحَضَرَ ذاتَ يَومٍ في أحَدِ مَجالِسِهِ رَسولُ مَلِكِ الرّومِ، وكانَ مِن أشرافِ الرّومِ وعُظَمائِها .."(16) ويؤيِّده ما ورد في عيون أخبار الرضا (ع) بسنده عن الإمام الرضا (ع) وما ورد في من لا يحضره الفقيه(17).
ومنها: ما يظهر من العديد من الأخبار أنَّ يزيد بعد التشفِّي والاستعراض ندم بعد ما وجد مِن سخط الناس عليه وبغضهم له(18) فعاد فأحسن إلى الإمام زين العابدين (ع) وكذلك النساء من آل الحسين(ع) وأسكنهم في دارٍ قريبةٍ أو متَّصلة بداره وأذِن للنساء بإقامة العزاء ودخول النساء عليهنَّ للتعزية(19) وكان لا يتعشَّى ولا يتغذَّى إلا مع الإمام زين العابدين (ع)(20) وكان ربَّما أحضر الصبيان من آل الحسين (ع) وداعبهم(21) وبعده خيَّرهم بين البقاء والرحيل(22) ومقتضى الجمع بين مجموع هذه الأخبار وأخبار الحبس في الخربة التي يكاد جدارها أن ينقضَّ عليهم(23) وأخبار الحبس في الموضع الذي لا يُكنُّ من حرٍّ ولا برد حتى تقشَّرت جلودهم، مقتضى الجمع بين مجموع هذه الأخبار أنَّ مكثهم في الشام لم يكن قصيراً.
ومنها: الروايات التي أفادت أنَّ الإمام زين العابدين (ع) صار يتمشَّى في أسواق دمشق ويلتقي بالناس(24) وذلك إنَّما وقع بعد الحبس ويظهر من ذلك أنَّه صار في سعةٍ من الوقت والاطمئنان في الإقامة وإلا فكيف يتمشَّى في الأسواق ويلتقي بالناس. ويظهر من بعض الأخبار أنَّه يحضر إلى جامع دمشق ويكون في الموضع الذي يُريد كما يظهر من بعض الأخبار أنَّ الإمام (ع) هو مَن طلب الصعود إلى المنبر فحين أُذنَ له ألقى خطبته الشهيرة(25).
فبملاحظة هذه الأخبار وغيرها (26) التي تصدَّت لبيان الأحداث التي وقعت في الشام لعائلة الحسين (ع) يتأكَّد استبعاد دعوى أنَّ مكثهم فيها لم يتجاوز الخمسة إلى سبعة أيام، ويتأكَّد في ذاتِ الوقت ما رواه السيِّد ابن طاووس من أنَّ مكثهم في الشام امتدَّ لشهرٍ كامل أو أمتدَّ لشهرٍ ونصف الشهر بحسب ما رواه القاضي النعمان أو لا أقلَّ من أنَّه امتدَّ لعشرين يوماً بحسب ما هو المستفاد من رواية الشيخ المفيد، فمثل هذه الأخبار يُسهِم في استظهار إرادة الخروج من قوله: كان رجوع حرم الحسين (ع) من الشام إلى المدينة يوم العشرين من صفر.
ومنه يتبيَّن أنَّ ما نقله البعض كالبيروني في الآثار الباقية(27) وغيره من أنَّ حرم الحسين (ع) وصلوا بعد الأسْر في الشام إلى كربلاء يوم الأربعين في غاية البُعد، فهو منافٍ أولاً لما رواه السيِّد ابن طاووس من أنَّهم مكثوا شهراً، وما رواه القاضي النعمان من أنَّهم مكثوا شهراً ونصف الشهر، ومنافٍ ثانياً لمقتضى الأخبار المتصدِّية لبيان الأحداث التي وقعتْ لعائلة الحسين (ع) في الشام. ولعلَّ مَن نقل عنه البيروني وغيره أراد مِن دعواه نفيَ الأحداث الفظيعة التي وقعتْ للرأس الشريف ولعائلةِ الحسين (ع) في الشام.
ثم إنَّه بناءً على أنَّ دخولهم إلى الشام على أقلِّ التقادير كان في غرَّة صفر، وأنَّ وصولهم إلى كربلاء أو المدينة كان في العشرين من صفر (الأربعين) بناءً على ذلك هو أنَّهم لم يمكثوا يوماً واحداً في الشام!! وذلك لأنَّهم يحتاجون للوصول من الشام إلى كربلاء أو المدينة عشرينَ يوماً أو أكثر، وهذا ما يؤكد فساد ما ذكره البيروني وغيره من أنَّ وصول حرم الحسين (ع) إلى كربلاء كان يوم العشرين من صفر، ويؤكِّد أنَّ معنى ما أفاده الشيخ المفيد وغيره من رجوعهم من الشام إلى المدينة يوم العشرين من صفر هو أنَّ خروجهم من الشام إلى المدينة كان في العشرين من صفر.
ولتأييد ما ذكرناه من أنَّ الوقت الذي تحتاجه قافلة الحسين (ع) لقطع الطريق من الشام إلى كربلاء عشرون يوماً نقول:
إنَّ أقصر الطرق السالكة -كما قيل- التي يُمكن أنْ تكون قد سلكتها قافلة الحسين (ع) تبلغ تقريباً تسعمائة وعشرين كيلو متر، وحيث إنَّ متوسط المسافة التي تقطعها قافلة الإبل المحمَّلة بالأثقال في اليوم الواحد هو أربعون كيلو متر(28) فمقتضى ذلك أنَّ قافلة الحسين (ع) قد قطعت المسافة من الشام إلى كربلاء في ثلاثة وعشرين يوماً، وبناءً عليه لو قبلنا أنَّ وصولهم إلى الشام كان في غرَّة صفر -وهو مستبعَد جداً- فإنَّ مقتضى ذلك أنَّ قافلة الحسين (ع) لم تمكثْ يوماً واحداً في الشام!!.
ولو افترضنا أنَّ الإبل المحمَّلة بالأثقال كانت تقطعُ في اليوم خمسين كيلو متر فإنَّها تحتاج للوصول إلى كربلاء إلى ما يزيد بقليل على ثمانية عشر يوماً، ومقتضى ذلك أنَّ عائلة الحسين (ع) لم تمكث في الشام أكثر من يومين، يوم الوصول ويوم الخروج!! ولا يلتزم بذلك من أحد.
وهنا لا بدَّ من الالتفات إلى أننا افترضنا سلوك قافلة الحسين (ع) لأقصر الطرق السالكة، ولعلَّهم سلكوا طريقاً أطول، وليس لنا قرينة على سلوكهم للطريق الأقصر سوى المحاذرة من الجدل والمماراة. هذا أولاً.
وثانياً: لابدَّ من الالتفات إلى أنَّ رجال يزيد كانوا يسيرون بقافلة الحسين (ع) من الشام إلى مقصدهم برفقٍ واتئاد، فكانوا يسيرون بهم ليلاً وينزلون في النهار التزاماً بتوصيات يزيد، وكانوا مُلزمين بالتوقُّف متى ما طلبت القافلة أو أحدٌ منهم ذلك، وقد نصَّ على ذلك المؤرِّخون.
فمن ذلك: ما أورده الشيخ المفيد في الإرشاد قال: "أمَرَ -يَزيدُ- بِالنِّسوَةِ أن يُنزَلنَ في دارٍ عَلى حِدَةٍ مَعَهُنَّ أخوهُنَّ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السّلام .. ثُمَّ نَدَبَ يَزيدُ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ، وقالَ لَهُ: تَجَهَّز لِتَخرُجَ بِهؤُلاءِ النِّسوانِ إلَى المَدينَةِ .. وأنفَذَ مَعَهُم في جُملَةِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَسولًا تَقَدَّمَ إلَيهِ أن يَسيرَ بِهِم فِي اللَّيلِ، ويَكونوا أمامَهُ حَيثُ لا يَفوتونَ طَرفَهُ، فَإِذا نَزَلوا تَنَحّى عَنهُم وتَفَرَّقُ هُوَ وأصحابُهُ حَولَهُم كَهَيئَةِ الحَرَسِ لَهُم، ويَنزِلُ مِنهُم حَيثُ إذا أرادَ إنسانٌ مِن جَماعَتِهِم وُضوءاً وقَضاءَ حاجَةٍ لَم يَحتَشِم. فَسارَ مَعَهُم في جُملَةِ النُّعمانِ، ولَم يَزَل يُنازِلُهُم فِي الطَّريقِ ويَرفُقُ بِهِم كَما وَصّاهُ يَزيدُ ويَرعَونَهُم، حَتّى دَخَلُوا المَدينَةَ"(29).
ومنه: ما أورده الطبري في تأريخه قال: ".. فَخَرَجَ بِهِمُ -الرَّسولُ- وكانَ يُسايِرُهُم بِاللَّيلِ فَيَكونونَ أمامَهُ حَيثُ لا يَفوتونَ طَرفَهُ، فَإِذا نَزَلوا تَنَحّى عَنهُم وتَفَرَّقَ هُوَ وأصحابُهُ حَولَهُم كَهَيئَةِ الحَرَسِ لَهُم، ويَنزِلُ مِنهُم بِحَيثُ إذا أرادَ إنسانٌ مِنهُم وُضوءاً أو قَضاءَ حاجَةٍ لَم يَحتَشِم، فَلَم يَزَل يُنازِلُهُم فِي الطَّريقِ هكَذا ويَسأَلُهُم عَن حَوائِجِهِم ويُلَطِّفُهُم، حَتّى دَخَلُوا المَدينَةَ"(30).
ومنه: ما أورده ابنُ سعد في الطبقات: بَعَثَ -يَزيدُ- بِثَقَلِ الحُسَينِ عليه السّلام ومَن بَقِيَ مِن نِسائِهِ وأهلِهِ ووُلدِهِ مَعَهُم وأمَرَ الرُّسُلَ الَّذينَ وَجَّهَهُم مَعَهُم أن يَنزِلوا بِهِم حَيثُ شاؤوا ومَتى شاؤوا"(31).
وعليه فلا يُقاس مسير قافلة الحسين (ع) من الشام إلى كربلاء أو إلى المدينة بمسيرها من الكوفة إلى الشام. وكذلك فإنَّه لا يصحُّ قياس المسير بواسطة الخيل بالمسير بواسطة قافلة الأبل المحمَّلة بالأثقال خصوصاً إذا كانت تصطحب نساءً وأطفالاً، وكذلك لا يصحُّ قياس ما يقطعُه البريدُ بما تقطعُه قافلةُ الإبلِ المحمَّلة بالأثقال، فالبريد يكون بالفرس ولا يقفُ ساعةً واحدة على مدار الأيام التي يقطعُها، وذلك لأنَّ البريد المُعدَّ من قِبل الدولة في الزمن القديم عبارة عن وضع معسكرٍ على رأس كلِّ اثني عشر ميلاً، ويشتمل كلُّ معسكر على أفراسٍ مدرَّبة وفرسانٍ محترفين، فيقطع الفارسُ الأول الذي يحملُ الرسالة مِن السلطان اثني عشر ميلاً، وعليه أنْ يقطع هذه المسافة في أقصى سرعةٍ ممكنة ثم يسلِّم الرسالة إلى المعسكرِ على رأس اثني عشر ميلاً ليحملها فارسٌ آخر على فرسٍ أخرى، وهكذا يقطع الفارسُ الثاني اثني عشر ميلاً ويُسلِّم الرسالة إلى فارسٍ ثالث، وهكذا حتى تصل الرسالة إلى مقرِّها، فالرسالة لا تقف ساعةً واحدة على مدار الأيام وإنَّما الذي يقف هم الفرسان وأفراسهم، ولذلك تصلُ الرسالة سريعاً ولعلَّها تختصرُ من الوقت أكثر من الضعف. وعلى خلاف ذلك تماماً ما عليه قوافلُ الإبل المحمَّلة بالأثقال فإنَّ معدَّل ما تقطعُه الإبل المحمَّلة في اليوم والليلة عشر ساعات ولا تكون في أقصى سرعتها لأنَّها محمَّلة بالأثقال أو النساء والأطفال. فالإنسان الماشي بنشاط قد يكون أسرعَ منها.
منشأ استبعاد وصول قافلة الحسين (ع) يوم الأربعين:
وخلاصة القول: إنَّ منشأ استبعاد وصول قافلة الحسين (ع) يوم العشرين من صفر هو أنَّ المدَّة التي مكثتها عائلة الحسين(ع) في الشام تتراوح بين الشهر بحسب رواية السيِّد ابن طاووس وبين الشهر ونصف الشهر بحسب رواية القاضي النعمان، ومع القبول جدلاً بما دون هذه المدَّة فهي لا تقلُّ عن العشرين يوماً بحسب ما هو المستفاد من رواية الشيخ المفيد وبحسب ما تقتضيه الأحداث التي وقعت لعائلة الحسين (ع) والرأس الشريف في الشام، وحيث إنَّ دخول القافلة إلى الشام كان في غرَّة صفر -على أقلِّ التقادير وهو مستبعد كما سيأتي- فخرجوها على أقل المُدد يكون يوم العشرين من صفر فلا يكون وصولُهم إلى كربلاء قبل العاشر من ربيعٍ الأول، ولو فرضنا أنَّ المدَّة التي يحتاجونها لقطع الطريق أقلُّ من ذلك فإنَّ أيَّ مدَّةٍ مفترضة ستكون بعد العشرين من صفر بأيامٍ عديدة.
واستكمالاً للبحث يحسن بنا التنبيه على أمور:
اللِّقاء بجابر لا يعني الوصول يوم الأربعين:
الأمر الأول: ذكر السيِّد ابن طاووس في اللهوف وابنُ نما الحلِّي في مثير الأحزان أنَّ قافلة الحسين (ع) عرَّجت في طريقها إلى المدينة على كربلاء للزيارة، وهناك التقت بجابر بن عبد الله الأنصاري -ولم يذكرا- كما تقدَّم نقل كلامهما- أنَّ ذلك وقع يوم العشرين من صفر، فالاستدلال على أنَّ ذلك وقع يوم العشرين من صفر لمجرَّد أنَّ زيارة جابر كانت في العشرين من صفر لا يصح، وذلك لاحتمال أنَّ جابراً أقام مدَّة من الوقت في الغاضريات بعد زيارته في العشرين من صفر فاتَّفق أن التقى بهم حين وصولهم للزيارة بعد العشرين من صفر، ويُحتمل أنَّ لقاءه بقافلة الحسين (ع) كان في زيارةٍ أخرى لكربلاء غير الزيارة التي وقعتْ يوم العشرين من صفر، وذلك بأنْ يكون قد ذهبَ إلى الكوفة بعد أدائه للزيارة يوم العشرين من صفر ثم لمَّا أراد الرجوع إلى المدينة جدَّد الزيارة فاتَّفق لقاءه بالقافلة، فمع قيام هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال باللِّقاء على وصولهم يوم العشرين من صفر بل إنَّه يتعيَّن البناء على عدم اللِّقاء يوم العشرين من صفر بعد الفراغ من عدم إمكانيَّة وصول القافلة يوم العشرين من صفر.
هذا ويُمكن تأييد احتمال أنَّ اللقاء وقع في زيارة ثانية لجابر بما ورد في رواية عطية العوفي من أنَّ جابراً قال لعطية بعد الزيارة يوم العشرين من صفر: "خذني نحو أبيات كوفان"(32) فهو بناءً على هذه الرواية قد ذهب إلى الكوفة والمناسب للاعتبار أنَّه حين يُزمع العودة من الكوفة إلى بلده المدينة يُجدِّد الزيارة للإمام الحسين (ع) فلعلَّه حينذاك اتَّفق لقاءه بقافلة الحسين (ع).
والمؤيد الآخر -وهو الأهم- لكون اللِّقاء وقع في زيارةٍ ثانية لجابر هو أنَّ زيارته يوم العشرين من صفر التي رواها عطيَّة العوفي خالية عن أيِّ إشارة إلى أنَّه كان معه أثناء الزيارة جماعةٌ من بني هاشم ورجالٌ من آل الرسول (ص) في حين أنَّ الزيارة التي وقع فيها اللِّقاء والتي ذكرها السيِّد ابن طاووس كان مع جابر جماعةٌ من بني هاشم ورجالٌ من آل الرسول (ص) قال رحمه الله: ".. فَوَجَدوا جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ الأَنصارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ وجَماعَةً مِن بَني هاشِمٍ ورِجالًا مِن آلِ الرَّسولِ صلّى اللَّه عليه وآله قَد وَرَدوا لِزِيارَةِ قَبرِ الحُسَينِ عليه السّلام، فَوافَوا في وَقتٍ واحِدٍ"(33) وكذلك هو الشأن فيما نقله ابن نما الحلي في مثير الأحزان(34).
فلو كان مع جابر في الزيارة التي رواها عطية العوفي والتي نصَّت على كونها يوم العشرين من صفر، لو كان معه جماعةٌ من بني هاشم وآل الرسول (ص) لم يكن من المناسب إغفال الذكر لذلك، فإنَّ مثل حضور بني هاشم وآل الرسول (ص) للزيارة الأولى للحسين (ع) يحظى بأهميةٍ واضحة وهو ما يمنع من إغفال الراوي لنقله، وكذلك فإنَّ عطية قد تصدَّى لنقل تفاصيل هي دون حضور بني هاشم في الأهمية، وهو ما يؤكِّد عدم حضورهم في الزيارة التي كانت بصحبة عطيَّة، وبهذا يتأكَّد أن الزيارة التي تمَّ فيها اللِّقاء بقافلة الحسين (ع) وكان معه جماعةٌ من بني هاشم وآل الرسول (ص) كانت زيارةً أخرى غير الزيارة التي وقعت يوم العشرين من صفر بصحبة عطية العوفي.
التعليق على رواية الصدوق:
الأمر الثاني: روى الشيخ الصدوق في الأمالي بسندٍ له عن فاطمة بنت عليّ عليه السّلام: إنَّ يَزيدَ أمَرَ بِنِساءِ الحُسَينِ عليه السّلام فَحُبِسنَ مَعَ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليهما السّلام في مَحبِسٍ، لا يُكِنُّهُم مِن حَرٍّ ولا قَرٍّ حَتّى تَقَشَّرَت وُجوهُهُم، ولَم يُرفَع بِبَيتِ المَقدِسِ حَجَرٌ عَن وَجهِ الأَرضِ إلّا وُجِدَ تَحتَهُ دَمٌ عَبيطٌ، وأبصَرَ النّاسُ الشَّمسَ عَلَى الحيطانِ حَمراءَ كَأَنَّها المَلاحِفُ المُعَصفَرَةُ، إلى أن خَرجَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليهما السّلام بِالنِّسوَةِ، ورَدَّ رَأسَ الحُسَينِ عليه السّلام إلى كَربَلاءَ"(35).
هذه الرواية وإنْ نصَّت على أنَّ الإمام عليَّ بن الحسين (ع) ردَّ الرأس الشريف إلى كربلاء كما هو ثابت إلا أنَّها لم تذكر متى وقع ذلك، كما أنَّها لم تذكر متى خرج الإمام زين العابدين (ع) بالنسوة، وهل ذهب بهنَّ إلى كربلاء أو لا، فمِن الغريب الاستدلال بهذه الرواية الشريفة على أنَّ ردَّ الرأس وقع في العشرين من صفر وأنَّ قافلة الحسين(ع) حضرت لكربلاء يوم العشرين من صفر، فمع القبول بحضورها لكربلاء فإنَّ الرواية لا تدلُّ بل ولا تُشعِر بأنَّ ذلك وقع يوم العشرينَ من صفر.
متى وصلت قافلة الحسين(ع) إلى الشام:
الأمر الثالث: ما ذكرناه كان مبنيَّاً على أنَّ وصول قافلة الحسين (ع) من الكوفة إلى الشام وقع في غرَّة صفر -كما قيل- إلا أنَّ ذلك مستبعدٌ أيضاً بحسب المُعطيات التأريخيَّة، فقافلة الحسين(ع) وصلت بعد مقتل الحسين (ع) من كربلاء إلى الكوفة يوم الثاني عشر أو يوم الثالث عشر من المحرم، وعندها أرسل عبيدُ الله بن زياد رسولاً إلى يزيد يستأمُره في شأنِ عائلة الحسين (ع) إذ لا يتمكَّن بأخذ القرار في شأنها دون مراجعة يزيد، فجاءه الجواب مِن يزيد يأمرُه بتسييرها إليه في الشام، فمتى وصل الرسول إلى الشام، ومتى رجع منها إلى الكوفة، إنَّ ذلك يحتاج بالبريد إلى أسبوعين أو أكثر ذهاباً وإياباً، ولنفترض جدلاً أنَّ البريد قطع الطريق في اثني عشر يوماً ذهاباً وإياباً، ولنفترض أيضاً أنَّ تسيير قافلة الحسين (ع) من الكوفة وقع فوْرَ وصول البريد، فمقتضى ذلك أنَّ خروج القافلة من الكوفة إلى الشام وقع في اليوم الرابع والعشرين من المحرَّم، فمتى وصلوا إلى الشام؟!
إنَّ مسيرهم من الكوفة إلى الشام بالإبل المحمَّلة بالأثقال يحتاج إلى عشرين يوماً ولكن لنفترض أنَّ أجناد يزيد قطعوا المسافة في خمسة عشر يوماً، وذلك لأنَّهم تعجَّلوا المسير بقافلة الحسين (ع) -نكايةً بهم وإمعاناً في إيذائهم- كما هو مقتضى طبعِهم اللئيم- فمعنى ذلك أنَّ قافلة الحسين (ع) وصلتْ إلى الشام يوم التاسع من صفر.
ولتوثيق ما ذكرناه من أنَّ وصول قافلة الحسين (ع) من كربلاء إلى الكوفة كان في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر وما ذكرناه من أنَّ خروج القافلة من الكوفة إلى الشام وقع بعد وصول الأمر من يزيد بتسييرها إلى الشام لتوثيق ذلك ننقل عدداً من النصوص:
النص الأول: ما أورده الشيخ المفيد في الإرشاد وغيره: قال: ".. وأقام -عمر بن سعد- بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجَّه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين فيهم .."(36).
النص الثاني: ما أورده ابنُ الأثير في الكامل قال: ".. فأقام عمر بعد قتله -الحسين (ع)- يومين ثمّ ارتحل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض .."(37).
النص الثالث: ما أورده ابن قتيبة الدينوري في الأخبار الطوال قال: ".. وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأسا .. وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في المحامل .."(38).
أقول: يظهر من النصِّ الأول أنَّ وصول قافلة الحسين (ع) من كربلاء إلى الكوفة كان في اليوم الثاني عشر من المحرَّم، وأمَّا النصُّ الثاني والثالث فالظاهر منهما أنَّ وصول القافلة إلى الكوفة كان في اليوم الثالث عشر.
النصُّ الرابع: ما رواه الشيخ الصدوق في الأمالي قال: "ثم أُمِرَ بعليِّ بن الحسين (عليه السلام) فغُلَّ، وحُمِلَ مع النسوة والسبايا إلى السجن .. فحُبسوا في سجنٍ وطُبِّقَ عليهم"(39).
النص الخامس: ما رواه السيد ابن طاووس في الإقبال قال: ".. لأنَّ عبيد الله بن زياد لعنه الله كتبَ إلى يزيد يُعرِّفه ما جرى ويستأذنُه في حملِهم ولم يحملْهم حتى عاد الجوابُ إليه .."(40).
النص السادس: ما أورده الطبري وغيره قال: "لمَّا قُتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله، فبينا القوم محتبسون، إذ وقع حجرٌ في السجن معه كتابٌ مربوط، وفى الكتاب خرجَ البريد بأمرِكم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائرٌ كذا وكذا يوماً وراجع في كذا وكذا فإنْ سمعتم التكبير فأيقِنوا بالقتل، وإنْ لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إنْ شاء الله، قال فلمَّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجرٌ قد أُلقيَ في السجن ومعه كتابٌ مربوط وموسى، وفى الكتاب أوصوا واعهدوا فإنَّما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا، فجاء البريد ولا يُسمع التكبير، وجاء كتاب بأنْ سرِّح الأسارى إليَّ قال: فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن فقال انطلقوا بالثقل والرأس إلى .. يزيد بن معاوية"(41).
الواضح من النصِّ السادس أنَّ مبدأ رحيل القافلة من الكوفة إلى الشام كان بعد وصول البريد من الشام يأمرُ ابنَ زياد بتسريح عائلة الحسين(ع) إلى يزيد، وكان البريد -الذي جاء من الشام- جواباً على البريد الذي بعثه ابنُ زياد إلى يزيد يستأمرُه في شأنِ عائلة الحسين (ع) كما هو الواضح من عبارة "خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية" ويظهر من العبارة أن تبليغهم بخروج البريد إلى الشام كان بعد أيامٍ من خروجه.
ونحن قد افترضنا أنَّ خروج البريد ورجوعه قد استغرق على أقلِّ التقادير اثني عشر يوماً وأنَّ خروج القافلة إلى الشام وقع فوْرَ وصول البريد من الشام، فمقتضى ذلك أنَّ خروج القافلة من الكوفة إلى الشام لم يكن قبل اليوم الرابع والعشرين من المحرَّم على أقلِّ التقادير، فلو استغرق مسيرُهم إلى الشام خمسة عشر يوماً فالوصول إلى الشام لن يكون قبل التاسع من شهر صفر، فإذا كانوا قد مكثوا في الشام عشرين يوماً -وليس شهرا كما في رواية السيد ابن طاووس- فخروجهم منها سيكون في يوم التاسع والعشرين من صفر، يعني بعد يوم الأربعين بتسعة أيام فمتى وصلوا كربلاء.
ثم إنَّه لو قبلنا جدلاً أنَّهم مكثوا خمسة إلى سبعة أيام -رغم أنَّ الدليل على خلافه- فإنَّ خروجهم من الشام لن يكون قبل الخامس عشر من شهر صفر بناءً على مكثهم خمسة أيام، وبناءً على السبعة أيام لن يكون الخروج من الشام قبل السابع عشر من شهر صفر يعني أنَّه لن يبقى على يوم العشرين من صفر (الأربعين) سوى خمسة أيام أو ثلاثة أيام والحال أنَّ وصولهم إلى كربلاء يحتاج إلى عشرين يوماً، وحتى لو قيل أنَّهم قطعوا الطريق في خمسة عشر يوماً فإنَّهم لن يصلوا إلا بعد الأربعين بعشرة أيام يعني في غرَّة ربيع أو أنَّ وصولهم سيكون بعد دخول ربيع بثلاثة أيام بناءً على مكثهم في الشام سبعة أيام.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / محرم الحرام / 1447ه
20 / يوليو / 2025م
1- اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص114.
2- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص86.
3- إقبال الأعمال -السيِّد ابن طاووس- ج3 / ص101. وكذلك استبعد العلامة المجلسي في ملاذ الأخبار وصولهم إلى كربلاء يوم العشرين من صفر: ج9 / ص301. وكذلك فإن الشيخ عباس القمي صاحب المفاتيح استبعد وصولهم إلى كربلاء لاحظ ما أفاده في منتهى الآمال ج1 / ص621 تحت عنوان ورود أهل البيت (ع) إلى كربلاء.
4- مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة -الشيخ المفيد- ص46.
5- مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص787.
6- المصباح (جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية) -الكفعمي- ص510. العدد القوية -علي بن يوسف المطهر الحلي- ص219.
7- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص269.
8- إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس- ج3 / ص101.
9- مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة -الشيخ المفيد- ص46، مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص787، العدد القويَّة -المطهر الحلي- ص219، المصباح (جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية) -الكفعمي- ص510.
10- إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس- ج3 / ص101، شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص269.
11- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص231، شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص269.
12- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص81.
13- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج69 / ص160، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج3 / ص319، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج5 / ص107، الأمالي -الصدوق- ص231، روضة الواعظين -الفتال النيسابوري- ص191، مقتل الحسين (ع) -الخوارزمي- ج2 / ص73. وقال في صبح الأعشى للقلقشندي: "وعلق رأس الحسين عليه السلام عند قتله في المكان الذي علق عليه رأس يحيى بن زكريا" ج4 / ص100.
14- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص159.
15- اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص110.
16- مقتل الحسين (ع) -المؤيد الخوارزمي- ج2 / ص80
17- عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج2 / ص 25، من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص419، وفي مثير الأحزان لابن نما الحلي قال: وكان يزيد يتخذ مجالس الشراب واللهو والقيان والطرب ويحضر رأس الحسين بين يديه .." ص82.
18- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص389، تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج10 / ص94، الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4 / ص87.
19- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص122، الفتوح -ابن أعثم الكوفي-ج5 / ص133، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص355.
20- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص353، الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4 / ص87، المنتظم في تاريخ الامم والملوك -ابن الجوزي- ج5 / ص344.
21- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص353، الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4 / ص87، المنتظم في تاريخ الامم والملوك -ابن الجوزي- ج5 / ص344.
22- أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص217، شرح الأخبار- القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص189، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج5 / ص212، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج41 / ص367، مقتل الحسين (ع) -الخوارزمي- ج2 / ص74،
23- الخرايج والجرائح -القطب الراوندي- عن عمران بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما اتي بعلي بن الحسين عليهما السلام ومن معه إلى يزيد بن معاوية -عليهما لعائن الله -جعلوهم في بيت خراب واهي الحيطان .." ج2 / ص753، الأمالي -الشيخ الصدوق- ص231، شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص269، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص81. قال: "وأُسكن في مساكن لا يقيهن من حر ولا برد حتى تقشرت الجلود وسال الصديد".
24- الفتوح -ابن أعثم الكوفي- ج5 / ص133، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص84، اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص112.
25- مقتل الحسين (ع) -الخوارزمي- ج2 / ص69، الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص39، فنزل عليه السلام فأخذ بناحية باب المسجد، فلقيه مكحول صاحب رسول الله عليه السلام فقال: كيف أمسيت يا بن رسول الل ..".
26- ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم، وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثقل الحسين -رأس الحسين- ومن بقي من أهله، وجهزهم .." مرآة الجنان اليافعي المكي- ج1 / ص109. فإذا صح هذا الخبر فإنَّه يكون مؤيداً آخر لما رواه السيد ابن طاووس والنعمان المغربي من أن مكث عائلة الحسين (ع) في الشام امتدَّ لشهرٍ أو لشهر ونصف الشهر، فيزيد بحسب الخبر المذكور بعث إلى المدينة يستقدم عدة من موالي بني هاشم فمتى وصل رسول يزيد إلى المدينة ومتى جاء موالي بني هاشم إلى الشام.
27- الآثار الباقية -أبو الريحان البيروني- ص422.
28- لاحظ موسوعة الإمام الحسين (ع) -الريشهري- ج5 / ص203 إلى 211، وخارطة الطرق في خاتمة الجزء الخامس، ولاحظ تقرير حول تحديد مقدار مسيرة يوم طبقا للحسابات الجديدة في موضوع قصر الصلاة العدد السادس من مجلة الاستنباط.
29- الإرشاد -الشيخ المفيد- ج2 / ص122، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص476، الدر النظيم -ابن حاتم الشامي المشغري- ص566.
30- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص354.
31- الطبقات الكبرى ترجمة الإمام الحسين(ع) -ابن سعد- ص84.
32- بشارة المصطفى -محمد بن أبي القاسم الطبري- ص126.
33- اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص114.
34- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص86.
35- الأمالي -الشيخ الصدوق- ص231.
36- الإرشاد -الشيخ المفي- ج2 / ص114، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص348.
37- الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4/ 81.
38- الأخبار الطوال- ابن قتيبة الدينوري- ص259.
39- الأمالي -الصدوق- ص229.
40- إقبال الأعمال -السيد ابن طاووس- ج3 / ص101.
41- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص354، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص84.