حكمُ مَن زنا بامرأةٍ غصباً

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو حكم من زنا بامرأة غصباً؟ وهل يختلفُ الحكم بين ما لو كان محصناً وبين ما إذا لم يكن محصناً؟

الجواب:

الظاهر أنَّه لم يختلف الفقهاء (رضوان الله تعالى عليهم) في أنَّ حكم مَن زنا بامرأةٍ غصباً هو القتل، فقد أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله أنَّه لم يجد في ذلك خلافاً، وأفاد أنَّ الإجماع المحصَّل قائمٌ عنده وأنَّ الإجماع المنقول مستفيض(1).

والمُستند فيما أفتى به الفقهاء مضافاً إلى دعوى الإجماع رواياتٌ عديدة وُصفت بالمستفيضة(2) وردت عن أهل البيت (ع):

منها: صحيحة بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ اغْتَصَبَ امْرَأَةً فَرْجَهَا؟ قَالَ: يُقْتَلُ مُحْصَناً كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَن"(3).

ومنها: صحيحة زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع): الرَّجُلُ يَغْصِبُ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا؟ قَالَ: يُقْتَل"(4).

ومنها: صحيحةٌ أخرى لزُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) فِي رَجُلٍ غَصَبَ امْرَأَةً نَفْسَهَا؟ قَالَ: يُقْتَلُ"(5).

إلا أنَّه في مقابل هذه الروايات وردت روايتان قد يُستظهر منهما معارضة الروايات المتقدِّمة:

الرواية الأولى: رواية زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي رَجُلٍ غَصَبَ امْرَأَةً نَفْسَهَا؟ قَالَ: قَالَ: يُضْرَبُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ بَلَغَتْ مِنْه مَا بَلَغَتْ"(6).

فقد يقال إنَّ هذه الرواية ظاهرةٌ في أنَّ عقوبة من زنا بامرأة غصباً هو أنْ يضرب بالسيف ضربةً واحدة، فإنْ قُتل منها فذلك هو جزاؤه وإنَّ لم يُقتل منها فقد استوفى عقوبته وهو منافٍ لما أفادته الروايات السابقة من أنَّ عقوبةً مَن زنا بامرأةٍ غصباً هو القتل.

وأجيب بأنَّ الرواية ظاهرة في أنَّ عقوبته القتل، وأمَّا قوله (ع): "بَلَغَتْ مِنْه مَا بَلَغَتْ" فسيق لبيان إفادة عدم المبالاة في شأنه، ولا أقلَّ من عدم صراحتها في نفي عقوبة القتل عنه، فتكون الروايات السابقة -والصريحة في أنَّ عقوبتَه القتل- صالحة إمَّا لتفسير المراد من هذه الفقرة وأنَّها لا تعني نفي عقوبة القتل عنه، وإمَّا أن تكون موجبة لإجمالها بالعرض، وبعبارةٍ أخرى هذه الرواية إمَّا أن تكون ظاهرة فيما صرَّحت به الروايات السابقة أو غير منافية لكونها مجملة.

هذا مضافاً إلى اشتمال سندها على عليِّ بن حديد وقد ضعَّفه الشيخ الطوسي في أكثر من موضعٍ كما التهذيب قال: "فالطريق إليه علي بن حديد وهو مضعَّف جدا لا يعول على ما ينفردُ بنقله"(7) وقال ذلك أيضاً في باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة من الاستبصار(8) وقال في موضعٍ آخر من الاستبصار: "وراويه ضعيف وهو عليُّ بن حديد وهذا يضعِّف الاحتجاج بخبره"(9).

الرواية الثانية: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: إِذَا كَابَرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَلَى نَفْسِهَا ضُرِبَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ مَاتَ مِنْهَا أَوْ عَاشَ"(10).

وهذه الرواية صريحة في أنَّ العقوبة هي ضربُه ضربةً بالسيف، فإنْ لم يمتْ منها فقد استوفى عقوبته إلا أنَّها ليست صريحةً في وقوع الزنا منه لكنَّها -انصافاً- ظاهرةٌ في الكناية عن المواقعة قهراً، فهي معارِضة للروايات السابقة، ولكنَّها فاقدةٌ للحجيَّة في نفسها لإعراض عامَّة الفقهاء عن العمل بمضمونها، مضافاً إلى أنَّ ما يُقابلها رواياتٌ صريحةٌ ومستفيضة فلا تصلح لمقاومتها.

الحكم بقتل مَن زنا بامرأة غصباً لا يختص بالمحصن:

ثم إنَّ الحكم بقتل مَن زنا بامرأةٍ غصباً لا يختصُّ بالمُحصن بل هو حقٌّ على المُحصن وغير المُحصن شيخاً كان أو شابَّاً مسلماً كان أو كافراً، فذلك هو مقتضى إطلاق الروايات وعدم الاستفصال، مضافاً إلى تصريح صحيحة بريد والتي اشتملت على قوله (ع): "يُقْتَلُ مُحْصَناً كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَن" والظاهر أنَّه لم يقعْ خلافٌ في ذلك كما أفاد صاحب الجواهر(11).

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

16 / ربيع الأول / 1447ه

9 / سبتمبر / 2025م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص315.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص315.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص189، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص321. ج28 / ص108.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص189، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص109.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص189، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص109.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص189، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص109. 

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج7 / ص101.

8- الاستبصار -الطوسي- ج3 / ص95.

9- الاستبصار -الطوسي- ج1 / ص40.

10- الكافي -الكليني- ج7 / ص189، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص109.

11- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص315.