المُحصَن إذا زنى بصبيَّة أو مجنونة والمُحصَنة إذا زنى بها صبيٌّ أو مجنون

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو حكم مَن زنى بصبيةٍ أو مجنونة وهو محصن؟ وما هو الحكم فيما لو زنت المرأة المُحصنة العاقلة وكان الزاني بها صبيَّاً لم يبلغ سنَّ التكليف؟

الجواب:

حكم المُحصن إذا زنى بصبية أو مجنونة:

اختلف الفقهاء في حكم البالغ العاقل المُحصن إذا زنى بصبيَّةٍ أو مجنونة فنُسب إلى الشيخ الطوسي في النهاية وإلى يحيى بن سعيد في الجامع القول بأنَّ حكمه الجلد، ونُسب إلى الشهيد في الروضة دعوى أنَّ ما عليه المشهور هو الحكم بالجلد دون الرجم إذا كان المزنيُّ بها مجنونة(1) وفي المقابل نُسب إلى الحلبي وابن زهرة، وابن إدريس القول بوجوب رجم المُحصن وإنْ كان المزنيُّ بها مجنونةً أو صبيَّةً لم تبلغ(2).

مُستندُ القائلين بوجوب رجم المُحصن:

ومستند القائلين بوجوب رجم المُحصن حتى في فرض كون المزنيِّ بها صبيةً أو مجنونة هو إطلاقات ما دلَّ على أنَّ حكم المُحصن إذا زنى هو الرجم، فمِن ذلك موثقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "الْحُرُّ والْحُرَّةُ إِذَا زَنَيَا جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَأَمَّا الْمُحْصَنُ والْمُحْصَنَةُ فَعَلَيْهِمَا الرَّجْمُ"(3) فإنَّ مقتضى إطلاق الموثقة وكثير غيرها أنَّ المُحصن إذا زنى وجب رجمه سواءً كان المزنيُّ بها كاملةً أو كانت قاصراً لجنونٍ أو صبا وليس في الروايات على كثرتها ما يدلُّ على التقييد من هذه الجهة.

مُستند القائلين بسقوط الرجم ومناقشته:

وأما مستند القائلين بسقوط الرجم عن المُحصن إذا كان المزنيُّ بها صبيةً أو مجنونة فوجوه هي أشبه بالاستحسان لذلك لا يصلحُ شيءٌ منها لتقييد إطلاقات ما دلَّ على أنَّ حكم المُحصن هو الرجم إذا زنا. ولعلَّ أهمَّ هذه الوجوه هي دعوى نقصان حرمة الصبيَّة والمجنونة إذا قيست حرمتهما إلى حرمة المرأة الكاملة، والذي يوكِّد نقصان حرمتهما ما دلَّ على عدم وجوب الحدِّ على من قذفهما.

والجواب هو من أين لنا العلم بأنَّ مناط تحديد طبيعة الحدِّ من حيث الغلظة والخفَّة هو مقدار حرمة المزنيِّ بها، ولوفرض أنَّ ذلك هو أحد مناطات الحكم إلا أنَّه من غير المعلوم أنَّ ذلك هو تمام المناط، فلعلَّ ثمة مناطاتٍ أخرى دخيلةً في تحديد طبيعة الحدِّ المجعول، فلعلَّ بشاعة الاعتداء على صبيةٍ أو مجنونة هو المناط في هذا المورد، ولعلَّه المتمم لنقص الحرمة.

على أنَّ نقصان حرمة القاصر بالإضافة إلى حرمة المرأة الكاملة من حيث هذه الفاحشة غير مُحرَزٍ، وأمَّا عدم أيجاب الحدِّ على قذف القاصر فلا يدلُّ على نقصان حرمتها فلعلَّ منشأ عدم إيجاب حدِّ القذف أنَّ القذف لا يسوءُ القاصر لقصوره.

وعلى أيِّ تقديد فالمدار في ثبوت الحكم ونفيه بعد القصور عن الإحاطة بملاكات الأحكام هو ملاحظة ما يقتضيه ظاهر النصوص الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع) وهي كما تبيَّن ظاهرةٌ في الإطلاق.

وجهٌ آخر لدعوى سقوط الرجم:

وثمة وجهٌ آخر لدعوى سقوط الرجم إذا كان المزنيُّ بها صبيةً أو مجنونة وهو أنَّه قد نصَّت بعض الروايات كما سياتي على أنَّ المرأة المُحصنة إذا زنت وكان الزاني صبياً فإنَّها لا تُرجم وإنَّما تُجلد فيمكن الاستدلال بفحوى ذلك على أنَّ الزاني إذا كان مُحصناً وكان المزنيُّ بها صبيةً فإنَّه لا يُرجم بل يُجلد.

وهذا الوجه أوهى من الذي سبقه، وذلك لأنَّه من القياس وتعدية الحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر. فموضوعُ الحكم الثابت -أعني سقوط الرجم- هو المُحصنة إذا زنا بها صبي، والموضوع الذي نبحث عن حكمه هو المُحصن إذا زنا بصبيَّةٍ أو مجنونة، وتعدية الحكم من موضوعٍ إلى آخر قياسٌ نهت الروايات المتواترة عن اعتماده في استنباط الأحكام الشرعيَّة.

والمتحصَّل أنَّ مقتضى إطلاقات ما دلَّ على أنَّ المُحصن إذا زنى فإنَّه يُرجم هو تعيُّن البناء على وجوب رجم الزاني المُحصن إذا زنى بصبية أو مجنونة، فإطلاقات الأدلَّة غير قاصرةٍ عن الشمول لهذا الفرض.

حكم الزانية المُحصنة إذا زنى بها صبيٌّ أو مجنون:

وأمَّا حكم الزانية المُحصنة إذا زنى بها صبيٌّ لم يبلغ الحلم فهو الجلد رغم كونها مُحصنة ويدلُّ على ذلك صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي غُلَامٍ صَغِيرٍ لَمْ يُدْرِكْ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ زَنَى بِامْرَأَةٍ قَالَ: يُجْلَدُ الْغُلَامُ دُونَ الْحَدِّ، وتُجْلَدُ الْمَرْأَةُ الْحَدَّ كَامِلاً قِيلَ لَه: فَإِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً؟ قَالَ: لَا تُرْجَمُ لأَنَّ الَّذِي نَكَحَهَا لَيْسَ بِمُدْرِكٍ ولَوْ كَانَ مُدْرِكاً رُجِمَتْ"(4).

فالرواية صريحةٌ في سقوط حدِّ الرجم عن الزانية المُحصنة إذا كان الزاني بها صبيَّاً ويكون حكمها الجلد مائة جلدة، وعلى ذلك تُحمل الروايات التي أفادت أنَّ على الزانية المُحصنة الحدَّ إذا كان الزاني بها صبيَّاً مثل موثقة ابْنِ بُكَيْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) فِي آخِرِ مَا لَقِيتُه عَنْ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ أَيُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهِمَا قَالَ: يُضْرَبُ الْغُلَامُ دُونَ الْحَدّ،ِ ويُقَامُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَدُّ.."(5) فإنَّ المراد من الحدِّ في هذه الموثقة بقرينة صحيحة أبي بصير هو الجلد.

نعم مقدار ما نصَّت عليه الصحيحة هو ما لو كان الزاني بالمُحصنة صبياً، فهذا هو الفرض الذي أفاد الإمام (ع) معه بسقوط الرجم عن المُحصنة، وأمَّا لو كان الزاني بالمُحصنة مجنوناً فهو خارج عن مفروض الرواية ومقتضى إطلاقات ما دلَّ على أنَّ المُحصنة إذا زنت فحكمها الرجم هو لزوم رجم المُحصنة وإن كان الزاني بها مجنوناً، ولعلَّه لذلك أفتى الشيخ في النهاية وجماعة -كما أفاد صاحب الرياض(6)- بعدم سقوط الرجم عن الزانية المُحصنة إذا كان الزاني مجنوناً. بل أفاد صاحب الجواهر أنَّه لا خلاف في ذلك إلا ما يُحكى عن يحيى بن سعيد(7).

إلا أنَّه قد يُقال إنَّ صحيحة أبي بصير وإنْ كانت بصدد بيان حكم المُحصنة إذا زنى بها صبيٌّ لكنَّ التعليل الذي أفاد الإمام (ع) أنَّه منشأ سقوط الرجم عن المُحصنة ينطبق على فرض كون الزاني بالمُحصنة مجنوناً فقد أفاد الإمام (ع) -بحسب الصحيحة-: "لَا تُرْجَمُ لأَنَّ الَّذِي نَكَحَهَا لَيْسَ بِمُدْرِكٍ، ولَوْ كَانَ مُدْرِكاً رُجِمَتْ" فإنَّ هذا التعليل ينطبقُ على المجنون إذا زنى بمحصنة فإنَّه يصدق على هذا الفرض أنَّ الذي نكحها ليس بمُدرِك ولو كان مدركاً رُجمت.

وعليه لا يصحُّ التمسُّك بإطلاقات ما دلَّ على أنَّ المُحصنة تُرجم إذا زنت، فإنَّ صحيحة أبي بصير صالحة لتقييدها إلا أنْ يدَّعى أنَّ المستظهَر من قوله: "لأَنَّ الَّذِي نَكَحَهَا لَيْسَ بِمُدْرِكٍ" هو أنَّه ليس ببالغٍ وليس بمدرِكٍ سنَّ التكليف أي أنَّه لم يبلغ الحلم، ولا أقلَّ من عدم ظهور التعليل في إرادة عدم الإدارك العقلي فتكون الرواية في هذا المقدار مجملة، وعليه لا يصحُّ التمسُّك بعموم التعليل لعدم إحراز ظهوره فيما يشملُ المجنون، فلا تكون صحيحة أبي بصير صالحة للاستدلال بها على سقوط الرجم عن المُحصنة إذا كان الزاني بها مجنوناً. وبذلك يكون المتعيِّن هو الرجوع إلى إطلاقات ما دلَّ على رجم المُحصنة إذا زنت كما هو مبنى المشهور.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

22 / ربيع الأول / 1447ه

15 / سبتمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص320.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص321.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص177، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص62.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص180، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص82.

5- الكافي -الكليني- ج 7 / ص180، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص82.

6- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج15 / ص482.

7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي-  ج41 / ص321.