عقوبةٌ الزاني غير المُحصن
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل تجبُ على الزاني غير المُحصن عقوبةٌ أخرى غير الجلد مائة جلدة؟
الجواب:
العقوبات المفروضة على الزاني غير المحصن:
المشهور ظاهراً هو أنَّ حكم الرجل الزاني إذا لم يكن مُحصناً هو أنْ يجلد ويجزُّ شعره ويُنفى من مصره سنةً كاملة، فقد نسب ذلك -كما أفاد صاحب الجواهر- إلى العماني والإسكافي والحلبي وإلى الشيخ في المبسوط والخلاف وإلى ابن إدريس في السرائر، ونسب إلى الشهيد الثاني في المسالك دعوى أنَّ ذلك هو ما عليه أكثر المتأخِّرين وعن غيره أنَّ ذلك هو ما عليه المشهور، وأفاد صاحب الجواهر أنَّ ظاهر السرائر وصريح الخلاف الاجماع عليه(1).
وفي المقابل قيَّد جمعٌ من الفقهاء التغريب سنة بمَن أملك ولم يدخل بزوجته، نُسب ذلك للشيخ في النهاية وابن زهرة وابن سعيد والكيدري، وقيل إنَّ ذلك هو ظاهر الصدوق والمفيد وسلار وابن حمزة، ونُسب إلى العلامة الحلِّى أنَّ ذلك هو ما عليه المشهور، ونُسب إلى ظاهر الغنية لابن زهرة دعوى الإجماع على اختصاص التغريب بمَن أملك(2).
مورد ما دلَّ على معاقبة غير المحصن بحلق رأسه أو جزِّه:
فالبحث أولاً حول معاقبة الزاني غير المحصن بحلق رأسِه أو جزِّه، فالوارد في ذلك روايتان:
الأولى: موثقة حنَّان بن سدير قال: سأل رجلٌ أبا عبد الله (ع) وأنا أسمع عن البكر يفجرُ وقد تزوَّج ففجر قبل أنْ يدخل بأهله؟ فقال: يُضرب مائة، ويُجزُّ شعره، ويُنفى من المصر حولاً، ويُفرَّقُ بينه وبين أهله"(3).
الثانية: صحيحة عليِّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألتُه عن رجلٍ تزوَّج امرأةً ولم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال: يُجلدُ الحدَّ، ويُحلقُ رأسه، ويُفرَّقُ بينه وبين أهله، ويُنفى سنة"(4).
وموردُ الروايتين -كما هو واضحٌ- هو الزاني الذي أُملك يعني ولم يدخل بزوجته، فهذا هو الذي أفادت الروايتان أنَّ مِن عقوبته الحلقَ أو الجزَّ، وحيث لا ظهور للروايتين في الإطلاق فيُقتصر على موردهما وهو الزاني الذي أُملك ولم يدخل بأهله، وأمَّا الزاني الأعزب فلا دليل على أنَّ مِن عقوبتِه الحلق أو الجزَّ.
موردُ ما دلَّ على معاقبة غير المحصن بالتغريب والنفي:
وأمَّا معاقبة الزاني غير المُحصن بالتغريب والنفي فالروايات في ذلك على طائفتين:
الطائفة الأولى: أفادت بوجوب النفي والتغريب لمُطلقِ الزاني غير المُحصن، فمِن ذلك موثقة سَمَاعَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): "إِذَا زَنَى الرَّجُلُ فَجُلِدَ يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَنْفِيَه مِنَ الأَرْضِ الَّتِي جُلِدَ فِيهَا إِلَى غَيْرِهَا فَإِنَّمَا عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَه مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي جُلِدَ فِيه"(5)
ومنه: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الزَّانِي إِذَا زَنَى أيُنْفَى؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ مِنَ الَّتِي جُلِدَ فِيهَا إِلَى غَيْرِهَا"(6).
ومنه: رواية مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الزَّانِي إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ قَالَ: يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ إِلَى بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيهَا سَنَةً"(7).
فموضوعُ وجوب النفي والتغريب في هذه الروايات هو مُطلق الزاني غير المحصن، والقرينة على إرادة غير المُحصن هي أنَّها بصدد الحديث عن الزاني الذي حكمُه الجلد.
الطائفة الثانية: أفادت وجوب النفي والتغريب للبكر والبكرة، فمِن ذلك صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كان عليٌّ (عليه السلام) يضربُ الشيخَ والشيخةَ مائةً ويرجمُهما، ويرجمُ المُحصنَ والمُحصنة، ويجلد البكر والبكرة، وينفيهما سنة"(8).
ومنه: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "في الشيخ والشيخة جلدُ مائة والرجم، والبكر والبكرة جلدُ مائة، ونفيُ سنة"(9).
فلو كنَّا وهاتين الطائفتين لكان مقتضاهما وجوب النفي عن البكر وعن مطلق الزاني غير المُحصن إلا أنَّه ورد في صحيحة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ ولَا يُنْفَى، والَّذِي قَدْ أُمْلِكَ ولَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُجْلَدُ مِائَةً ويُنْفَى"(10) فمقتضى هذه الصحيحة هو تقييد الطائفة الأولى بمن أُملك ولم يدخل بزوجته أي مقتضاها حمل الروايات التي أفادت وجوب تغريب الزاني غير المُحصن على إرادة خصوص غير المُحصن الذي أُملك، فالذي يجب نفيه هو المتزوِّج غير المُحصن. وأمَّا غير المُحصن الأعزب فحكمُه الجلد محضاً. بمقتضى ما صرَّحت به صحيحة زرارة.
وكذلك فإنَّ صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ أَنْ يُجْلَدَا مِائَةً، وقَضَى لِلْمُحْصَنِ الرَّجْمَ، وقَضَى فِي الْبِكْرِ والْبِكْرَةِ إِذَا زَنَيَا جَلْدَ مِائَةٍ ونَفْيَ سَنَةٍ فِي غَيْرِ مِصْرِهِمَا وهُمَا اللَّذَانِ قَدْ أُمْلِكَا ولَمْ يَدْخُلَا بِهَا"(11) ظاهرةٌ في أنَّ التغريب خاصٌّ بمن أُملك ولم يدخل بأهله فإنَّ الصحيحة بعد أنْ أفادت وجوب التغريب على البكر فسَّرته بمَن أُملك، فتصدِّي الرواية لتفسير البكر بمن أُملك ظاهرٌ أو مشعِر باختصاص عقوبة النفي والتغريب بمَن أُملك دون الأعزب.
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ الحكم بالحلق والتغريب خاصٌّ بمن تزوَّج ولم يدخل بأهله، وأمَّا الأعزب فعقوبتُه متمحِّضة في الجلد مائة جلدة.
المرأة غير المحصنة لا تُعاقب بالحلق أو الجزِّ:
هذا ما يتَّصل بحكم الزاني غير المُحصن، وأمَّا الزانية غير المُحصنة فالظاهر أنَّه لم يقع خلاف في أنَّها لا تُعاقب بالحلق أو الجزِّ لعدم الدليل على ذلك، فإنَّ ما دلَّ على وجوب الجزِّ أو الحلق هما موثقة حنَّان وصحيحة عليِّ بن جعفر وموردُ كلٍّ منها هو الرجل الزاني غير المُحصن الذي أُملك، ولا مصحِّح للتعدِّي منه إلى المرأة الزانية، إذ يكفي احتمال الخصوصيَّة في المنع من التعدّي، كما أنَّه لا ظهور للروايتين في الإطلاق، لذلك يتعيَّن الوقوف على مورد الروايتين.
مورد عقوبة النفي والتغريب للمرأة غير المحصنة:
وأمَّا عقوبةُ النفي والتغريب فقد أدُّعي عدم الخلاف في أنَّه لا تغريب على المرأة بل أدُّعي -كما أفاد صاحبُ الجواهر- الإجماع على ذلك في كتاب الخلاف للشيخ الطوسي والغنية لابن زهرة وظاهر المبسوط(12) وفي المقابل نُسب إلى ابن عقيل وابن الجنيد القول بثبوت التغريب على المرأة(13).
والظاهر أنَّ القول بثبوت التغريب على المرأة هو الصحيح، استناداً للعديد من الروايات:
منها: صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كان عليٌّ (عليه السلام) يضربُ الشيخَ والشيخةَ مائةً ويرجمُهما، ويرجمُ المُحصنَ والمُحصنة، ويجلد البكر والبكرة، وينفيهما سنة"(14).
ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "في الشيخ والشيخة جلدُ مائة والرجم، والبكر والبكرة جلدُ مائة، ونفيُ سنة"(15).
ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ أَنْ يُجْلَدَا مِائَةً، وقَضَى لِلْمُحْصَنِ الرَّجْمَ، وقَضَى فِي الْبِكْرِ والْبِكْرَةِ إِذَا زَنَيَا جَلْدَ مِائَةٍ ونَفْيَ سَنَةٍ فِي غَيْرِ مِصْرِهِمَا .."(16).
فهذه الروايات صريحةٌ في أنَّه لا فرق بين البكر والبكرة من جهة أنَّ عقوبة كلٍّ منهما -مضافاً إلى الجلد- النفيُ والتغريب، نعم هذا الحكم يختصُّ بالبكر والبكرة، وقد فُسِّر ذلك في صحيحة محمد بن قيس بقوله (ع): "وهُمَا اللَّذَانِ قَدْ أُمْلِكَا ولَمْ يَدْخُلَا بِهَا" فمقتضى ذلك هو أنْ غير المُحصنة التي تُعاقب بالنفي هي خصوص من أُملكت يعني المتزوِّجة التي لم يتمَّ الدخول بها، وأمَّا العزباء فغيرُ مشمولةٍ لهذا الحكم.
مناقشة دعوى الإجماع:
وأمَّا دعوى الإجماع على أنَّه لا تغريب على المرأة فهي غير تامَّةٍ ظاهراً فمضافاً إلى أنَّه قد نُسب الخلاف إلى ابن عقيل وابن الجنيد فإنَّ من غير المُحرز أنَّ مثل هذا الإجماع -لو تمَّ- من الإجماعات التعبُّدية وذلك لأنَّه محتمِلٌ للمدركية وأنَّ مدركه هي الوجوه الاستحسانيَّة التي أفادها البعض كقولهم أنَّ تغريب المرأة يُفضي إلى خروجها عن أيدي الحفاظ والمراقبين وهو ما قد يسوقها إلى الوقوع في الفاحشة وربما أفضى التغريب إلى اشتداد فقرها وهو ما قد يُلجئها إلى اختيار البغاء لسدِّ حاجتها ثم إنَّ التغريب قد يجعلها عرضةً للابتزاز أو القهر على الفاحشة لضعفها وعدم وجود مَن يدفع عنها من أقاربها، فلعلَّ مثل هذه الوجوه هي مدركُ بعض مَن أفتى بأنَّه لا تغريب على المرأة وهي كما ترى وجوه استحسانيَّة لا تصلح لإثبات أو نفي حكمٍ شرعي على أنَّ الحاكم الشرعي حينما يحكم بالتغريب فإنَّه سيحتاط للمنع مِن وقوع مثل هذه المحاذير. وعلى أي تقدير فإن احتمال استناد المجمعين أو بعضهم لهذه الوجوه يكفي لنفي حجيَّة هذا الإجماع إذ لن يكون بذلك من الإجماعات التعبُّديَّة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
23 / ربيع الأول / 1447ه
16 / سبتمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص323.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص324.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص36، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص78
4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص36، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص78
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص197، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص123.
6- الكافي -الكليني- ج7 / ص197، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص123.
7- الكافي -الكليني- ج7 / ص197، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص123.
8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص5، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص65.
9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص5، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص64.
10- الكافي -الكليني-ج7 / ص177، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص64.
11- الكافي -الكليني-ج7 / ص177، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص61.
12- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص328.
13- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص328.
14- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص4، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص65.
15- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص5، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص64.
16- الكافي -الكليني- ج7 / ص177، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص61.