حكم المعتدَّة إذا زنت
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا زنت المرأة وهي في العدَّة فهل عليها حدُّ المحصنة أو أنَّ الإحصان ينتفي بالطلاق وموت الزوج؟ وماذا على الزوج لو زنى في عدَّة مطلَّقته هل عليه حدٌّ المحصن؟
الجواب:
المطلقة طلاقاً رجعياً زوجةٌ حقيقةً ما دامت في العدَّة، ولذلك يترتَّب عليها جميع الآثار المترتِّبة على الزوجة ومنها الإحصان، فإذا زنتْ قبل انقضاء عدَّتها الرجعية فعليها حدُّ المُحصنة دون إشكال، وكذلك الرجل إذا زنى قبل انقضاء عدَّة مطلَّقته الرجعيَّة فإنَّ عليه حدُّ المُحصن.
أمَّا لو طلِّقت الزوجة طلاقاً بائناً -كالمُختلَعة والمطلقة ثلاثاً- فزنتْ وهي في عدَّة الطلاق البائن فعليها حدُّ غير المُحصنة لأنَّها حين زنت لم تكن متزوِّجة، إذ أنَّ الطلاق البائن يُنهي عُلقة الزواج من حين إيقاع الطلاق، وذلك على خلاف الطلاق الرجعي فإنَّ عُلقة الزوجيَّة لا تنتهي بالطلاق وإنَّما تنتهي بانقضاء العدَّة.
وكذلك لو زنى الرجلُ قبل انقضاء عدَّة مطلَّقته البائن فإنَّ عليه حدَّ غير المُحصن، لأنَّه قد زنى -بحسب الفرض- وهو غير متزوِّج، إذ أنَّ الطلاق البائن يُنهي عُلقة الزواج بمجرَّد إيقاع الطلاق.
الاستدلال على التفصيل المذكور بصحيحة الكناسي:
ويكفي للاستدلال على التفصيل المذكور ما دلَّ على أنَّ المطلَّقة الرجعيَّة زوجةٌ حقيقة ما دامت في العدَّة وما دلَّ على أنَّ المطلَّقة البائن تبينُ من زوجها بمجرَّد إيقاع الطلاق، فما دلَّ على ذلك كافٍ لإثبات التفصيل المذكور دون الحاجة لدليلٍ خاص.
هذا وقد نصَّت على التفصيل المذكور روايةٌ خاصَّة وهي صحيحة يَزِيدَ الْكُنَاسِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا؟ قَالَ: إِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَإِنَّ عَلَيْهَا الرَّجْمَ، وإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّةٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فَإِنَّ عَلَيْهَا حَدَّ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ زَوْجِهَا مِنْ قَبْلِ انْقِضَاءِ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ والْعَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا، وعَلَيْهَا ضَرْبُ مِائَةِ جَلْدَةٍ .."(1).
توجيه موثقة عمار ورواية قرب الاسناد:
وأمَّا موثقة عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجلٍ كانت له امرأةٌ فطلَّقها أو ماتت فزنى؟ قال: عليه الرجم. وعن امرأة كان لها زوجٌ فطلَّقها أو مات ثم زنت عليها الرجم؟ قال: نعم"(2).
فيتعيَّن حمل مفروض السؤال على خصوص المطلَّقة طلاقاً رجعيَّا فالسؤال وإن كان عن المطلَّقة الشامل بإطلاقه لكلٍ من الطلاق الرجعي والطلاق البائن إلا أنَّه بقرينة التفصيل الوارد في صحيحة الكناسي يتعيَّن تقييد الموثَّقة بصحيحة الكناسي، وأما ما اشتملت عليه الموثقة من الحكم برجم الزانية التي مات زوجها، ورجم الزوج الذي ماتت زوجته فهو مطروح ولا يمكن الالتزام به لمنافاته مع صحيحة الكناسي ومنافاته مع ما دلَّ على أنَّ من لا زوج لها فإنَّها لا تكون محصنة، ولا ريب أنَّ التي مات زوجها فإنَّها لا تكون ذات زوج، وكذلك فإنَّ من ماتت زوجته فإنَّه يكون ممن لا زوجة له، ولذلك ينتفي عنه الإحصان دون ريب، ولذلك حمل الشيخ الطوسي ما اشتملت عليه الرواية من الحكم برجم الزاني الذي ماتت زوجته أو والزانية التي مات زوجُها حمله على وهم الراوي(3) فإن تمَّ ذلك وإلا فيتعين طرح الرواية لمنافاتها مع ما هو المتسالم عليه بين الفقهاء وكذلك منافاتها مع ما أفادته صحيحة الكناسي.
وبما ذكرناه يتَّضح الحال فيما رواه في قرب الاسناد عن عليِّ بن جعفرٍ عن أخيه (عليه السلام) قال: سألتُه عن رجلٍ طلَّقَ أو بانت امرأتُه ثم زنى ما عليه؟ قال: الرجم. وسألته عن امرأة طُلِّقت فزنت بعد ما طلقت -بسنة- هل عليها الرجم؟ قال: نعم"(4) فإنَّ إيجاب الرجم على الرجل الذي زنى بعد ما طلَّق زوجته محمول على فرض كون طلاقه رجعياً ووقوع الزنا قبل خروج مطلَّقته من العدَّة، وأما ما اشتملت عليه الرواية من إيجاب الرجم على من زنى بعد أن بانت منه زوجته فهو مطروح لمنافاته لما ثبت -دون ريب- من أنَّ الإحصان لا يكون لمن لا زوجة له ومن الواضح أنَّ من بانت منه زوجته فهو ممَّن لا زوجة له فليس عليه لو زنى سوى حدِّ الجلد، وكذلك يتعيَّن طرح ما اشتملت عليه الرواية من إيجاب الرجم على المرأة التي زنت بعدما طُلِّقت بسنة، نعم لو كانت كلمة -بسنة- زائدة كما هو كذلك بحسب بعض النسخ فحينئذٍ يكون إيجاب الرجم محمول على فرض كون الطلاق رجعياً ووقوع الزنا قبل خروج الزانية من العدَّة.
بقي الكلام حول أمور ثلاثة:
سقوط الحدِّ في فرض الجهل بالحكم أو الموضوع:
الأمر الأول: إذا تزوَّجت المرأة وهي في العدَّة وادَّعت الجهل بحرمة ذلك واحتُمل في حقِّها الجهل بذلك لم يثبت عليها حدٌّ، وكذلك لو تزوَّج الرجل بامرأةٍ ذات عدَّة وادَّعى الجهل وثبت جهله بكونها ذات عدَّة أو جهله بحرمة الزواج من المعتدَّة لم يثبت عليه حدٌّ، وكذلك لو احتُمل في حقِّه الجهل بالحكم أو الموضوع وإلا فمجرَّد الدعوى لا تُوجب سقوط الحد.
أمَّا مستند البناء على سقوط الحدِّ بثبوت الجهل فيدلُّ عليه ما يدلُّ على رفع القلم عن الجاهل، وكذلك نصَّت على ذلك مثل معتبرة حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأةٍ تزوَّجت في عدَّتها بجهالةٍ منها بذلك قال: فقال: لا أرى عليها شيئاً، ويُفرَّق بينها وبين الذي تزوَّج بها، ولا تحلُّ له أبداً، قلتُ: فإنْ كانت قد عرفتْ أنَّ ذلك محرَّمٌ عليها ثم تقدَّمتْ على ذلك فقال: إنْ كانت تزوَّجته في عدَّةٍ لزوجها الذي طلَّقها عليها فيها الرجعة فإنِّي أرى أنَّ عليها الرجم، فإنْ كانت تزوَّجته في عدَّةٍ ليس لزوجها الذي طلَّقها عليها فيها الرجعة فإنِّي أرى أنَّ عليها حدَّ الزاني، ويُفرَّق بينها وبين الذي تزوَّجها ولا تحلُّ له أبداً"(5).
وأمَّا البناء على سقوط الحدِّ مع احتمال الصدق في دعوى الجهل فلأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهة، فلا يسع الحاكم إقامة الحدِّ ما لم يُحرز علم الزاني بالحكم والموضوع، فمع امكان صدق الزاني في دعواه الجهل لا يثبت عليه حدٌّ، وذلك هو ما عليه عامَّة المتأخِّرين كما أفاد صاحب الرياض، وأفاد بأنَّ ذلك هو ما يُحمل عليه كلام مَن أطلق ولم يقيِّد الحكم بإقامة الحدِّ بفرض عدم إمكان صدق الزاني في دعواه الجهل بالحكم أو الموضوع(6).
إذا زنت المعتدَّة بعدَّة الوفاة:
الأمر الثاني: إذا زنت المعتدَّة بعدَّة الوفاة لم يكن عليها رجم لانتفاء الإحصان عنها بموت زوجها وقد نصَّت على ذلك صحيحة يزيد الكناسي عن أبي جعفر: ".. وإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ زَوْجِهَا مِنْ قَبْلِ انْقِضَاءِ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ والْعَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا، وعَلَيْهَا ضَرْبُ مِائَةِ جَلْدَةٍ .."(7).
إذا زنت المختلعة بعد الرجوع في البذل:
الأمر الثالث: إذا خالع الرجل زوجته فبانت منه ثم رجعت في البذل ورجع هو إليها وقبل الدخول بها زنى أو زنت لم يكن على الزاني رجم قبل الدخول وذلك لأنَّ الرجوع بعد البينونة بمثابة الزواج الجديد وقد اتَّضح ممَّا تقدَّم في بحث ما به يتحقَّق الإحصان للرجل والمرأة أنَّ الإحصان لا يتحقق ما لم يدخل الرجل بزوجته فمع فرض وقوع الزنا قبل الدخول يكون حكم الزاني هو الجلد.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
29 / ربيع الأول / 1447ه
22 / سبتمبر / 2025م
1- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص20، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص126.
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص22، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص129.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص22.
4- قرب الاسناد -الحميري القمي- ص254، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص76.
5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج7 / ص487، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص455.
6- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج15 / ص447.
7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص20، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص126.