حكم المريض إذا زنى بما يوجب الجلد

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا زنى المريض فهل يُنتظر به حتى يبرأ أو يُقام عليه حدُّ الجلد في ظرف مرضه؟ وإذا كان الحكم هو التربُّص حتى يبرأ فما هو الحكم مع اليأس من برئه؟

الجواب:

إذا زنى المريض وكان حكمه الجلد أو زنى في عافيةٍ ومرض قبل إقامة الحدِّ عليه فاللازم التريُّث به حتى يبرأ مِن مرضه وعندها يُقام عليه حدُّ الجلد، والمُستندُ في ذلك معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِرَجُلٍ أَصَابَ حَدّاً وبِه قُرُوحٌ فِي جَسَدِه كَثِيرَةٌ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): أَخِّرُوه حَتَّى يَبْرَأَ لَا تَنْكَؤُوهَا عَلَيْه فَتَقْتُلُوه"(1).

فمقتضى إطلاق الرواية وعدم الاستفصال هو عدم الفرق بين إصابته لموجب الحدِّ حال المرض أو بعده، وكذلك لا فرق بين كون المرض من قبيل القروح أو غيره بقرينة التعليل الوارد في ذيل الرواية، ويُؤيِّده رواية مِسْمَعِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): "أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أُتِيَ بِرَجُلٍ أَصَابَ حَدّاً وبِه قُرُوحٌ ومَرَضٌ وأَشْبَاه ذَلِكَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): أَخِّرُوه حَتَّى يَبْرَأَ لَا تُنْكَأْ قُرُوحُه عَلَيْه فَيَمُوتَ ولَكِنْ إِذَا بَرَأَ حَدَدْنَاه"(2).

نعم لو كان المرض أو القروح لا يُخشى معها السِّراية لو أُقيم عليه الحدُّ فإنَّ الرواية ليست ظاهرة في الشمول لهذا الفرض، فالمرجعُ في هذا الفرض هو عموم ما دلَّ على جواز أو وجوب المبادرة لإقامة الحدِّ على مرتكب الزنا.

الحكم في فرض اليأس من البرء:

وأمَّا الحكم في فرض اليأس من البرء فهو الضرب مرَّة واحدة بعذقٍ مشتمل على مائة شمراخ كما نصَّت على ذلك موثقة أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّه (ص) بِرَجُلٍ دَمِيمٍ قَصِيرٍ قَدْ سُقِيَ بَطْنُه وقَدْ دَرَّتْ عُرُوقُ بَطْنِه قَدْ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَتِ: الْمَرْأَةُ مَا عَلِمْتُ بِه إِلَّا وقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص): أزَنَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ولَمْ يَكُنْ أُحْصِنَ فَصَعَّدَ رَسُولُ اللَّه (ص) بَصَرَه وخَفَضَه ثُمَّ دَعَا بِعِذْقٍ فَعَدَّه مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَه بِشَمَارِيخِه"(3).

وكذلك موثَّقة سماعة عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): أنَّه أُتيَ برجلٍ كبيرِ البطن، قد أصاب محرَّماً، فدعا رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله) بعرجون فيه مائة شمراخ، فضربه مرَّة واحدة، فكان الحد"(4).

فهذه الرواية والتي سبقتها وإنْ لم تكونا مشتملتين على قيد اليأس من البرء ولكنَّه القدر المتقين من مدلولهما، ويُتمسَّك فيما عدا ذلك بإطلاقات ما دلَّ على وجوب جلد الزاني مائة جلدة، وما دلَّ على أنَّه إذا كان مريضاً يرجى برؤه أنْ ينتظر به حتى يبرأ فيُجلد مائة جلدة.

ثم إنَّ مقتضى ظاهر قوله (ع): "فضربه مرَّة واحدة، فكان الحد" هو أنَّه تكفي الضربة الواحدة حتى لو لم تُصب جميع الشماريخ بدنَه كما هو الغالب. 

المستحاضة إذا زنت:

هذا وقد ورد أنَّ المستحاضة إذا زنت فإنَّها لا تُجلد الحدَّ إلا بعد أن ينقطعَ عنها الدم، نصَّت على ذلك معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا"(5).

وأمَّا النفساء والحائض فإنْ كان يخشى عليهما الهلاك لو أُقيم عليهما حدُّ الجلد فلا إشكال في لزوم التربُّص حتى ينقطع عنهما الدم ويتماثلا، وأمَّا إذا لم يكن يُخشى عليهما الهلاك فاللازم هو إقامة حدِّ الجلد عليهما، ولا يصحُّ تعدية حكم المستحاضة إليهما، لأنَّه من القياس، وليس في الروايات المعتبرة ما يصلحُ للبناء على لزوم تأخير إقامة الحدِّ عليهما إلى حين انقطاع الدم، نعم ورد في الجعفريات أنَّ عليَّاً (عليه السلام) قال: "ليس على الحائض حدٌّ حتى تطهر، ولا على المستحاضة حدٌّ حتى تطهر"(6) وورد أيضاً في الجعفريات عن عليٍّ (عليه السلام) قال: "ليس على الحبلى حدٌّ حتى تضع، ولا على النفساء حتى تطهر"(7) إلا أنَّه ونظراً لعدم تمامية سند الروايتين لا يُمكن اعتمادهما وإن كان الاحتياط في محلِّه.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

30 / ربيع الأول / 1447ه

23 / سبتمبر / 2025م

 


1- الكافي -الكليني- ج7 / ص244، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص29.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص244، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص30.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص244، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج 28 / ص30. 

4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص32، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص31.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص262، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص29.

6- مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص17.

7- مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص17.