حكم الزاني مرَّات متعدِّدة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا ثبت على أحدٍ أنَّه زنى مراراً دون أنْ يُقام عليه الحدُّ بعد كلِّ مرة فهل يُحدُّ بعدد مرَّات ما اقترفه من الزنا أو يكون اللازم عليه حدَّا واحداً، وما هو حكم من تكرَّر منه الزنا وأُقيم عليه الحدُّ بعد كلِّ مرَّة؟

الجواب:

للمسألة فروض متعدِّدة:

الفرض الأول: أن يتكرَّر الزنا من المُحصن الذي حكمه الرجم، وهنا لا موضوع لتكرار الحدِّ، لأنَّ حكمه الرجم عن المرَّة الأولى فمع تنفيذ الحكم في حقِّه ينتفي الموضوع وهو الزاني، إذ لا وجود للزاني بعد إعدامه بالرجم، ولهذا ينتفي الحكم بانتفاء الموضوع، حيث لا معنى للحكم بإعدام المعدوم.

ويُلحق بهذا الفرض من كان حكمه القتل وقد تكرَّر منه ما يوجب القتل كما لو زنى مراراً بذات محرم فإنَّ حكمه القتل وإنْ لم يكن مُحصناً، ولا موضوع لتكرار القتل.

الفرض الثاني: أن يتكرَّر من أحدٍ الزنا قبل إقامة الحدِّ ويتفق أنْ وقع منَّه مرَّة وهو غير محصن ووقع منه في أخرى وهو محصن، وفي هذا الفرض يتعيَّن الجمع له بين الجلد والرجم، فهو مستحقٌّ للجلد حين زنى وهو غير محصن، ومستحِقٌّ للرجم حين زنى وهو محصن، ولا دليل على كفاية الإقامة لحدِّ الرجم بعد إمكان الجمع له بين الحدَّين المستحقَّين، وبعبارة أخرى لا مُوجب لسقوط التكليف بإقامة حدِّ الجلد لعدم الدليل على السقوط.

الفرض الثالث: أنْ يزني غير المحصن فيثبت عليه الزنا ويُقام عليه الحدُّ ثم يزني مرَّة ثانية فيثبت عليه الزنا فهنا يجب إقامة الحدِّ عليه مرَّة ثانية دون ريب، وهكذا لو زنى مرَّة ثالثة بعد إقامة الحدِّ عليه في المرَّة الثانية فإنَّه يجب إقامة الحدِّ عليه للمرَّة الثالثة، وذلك لأنَّ الزنا في كلِّ مرَّة يكون موضوعاً مستقلاً للأمر بإقامة الحدِّ على الزاني، هذا مضافاً للنصِّ على ذلك كما سيأتي تفصيلُه.

تكرُّر الزنا من غير المُحصن قبل إقامة الحدِّ عليه:

الفرض الرابع: أنْ يتكرَّر الزنا من غير المُحصن مراراً قبل إقامة الحدِّ عليه، فهل يُقام عليه حدُّ الجلد بعدد مرَّات الزنا أو يكفي أنْ يُقام عليه حدُّ الجلد مرَّة واحدة؟

المشهور بين الفقهاء -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- هو أنَّ عليه حدٌّ واحد وإنْ تعدَّد منه الزنا مرَّاتٍ كثيرة إذا لم يكن قد أُقيم عليه الحدُّ بينها، ولا فرق في ذلك بين افتراض تعدُّد الزنا منه بواحدة أو تعدُّد الزنا منه بمتعدِّدات. نعم نُسب إلى الشيخ الصدوق والإسكافي القول بتعدُّد الحدِّ بتعدُّد المزني بها.

ومُستندُ المشهور هو إطلاق الآية المباركة وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾(2) فإنَّ موضوع الأمر بالجلد هو الزاني سواءً كان قد زنى مرَّة أو مرَّاتٍ عديدة، نعم لو ضُبط بعد الزنا الأول فإنَّه يكون زانياً لذلك يجب أنْ يُقام عليه الحدُّ، فإذا أقيم عليه الحدُّ انتفى الموضوع وانتفى الخطاب بالجلد لسقوط التكليف بالامتثال، فإذا ضُبط وقد زنى مرَّةً ثانية فهذا موضوعٌ جديد للأمر بجلد الزاني وهكذا، وأمَّا لو لم يُضبط إلا بعد مقارفته الزنا مرَّاتٍ عديدة فليس في البين سوى موضوعٍ واحد للأمر بالجلد، فأمام القاضي زانٍ فهو مخاطَبٌ بجلده، فموضوع الأمر بالجلد ليس هو فعل الزنا حتى يتعدَّد بتعدُّد الفعل بل موضوعه الزاني وهو غير متعدِّد، والمتعدِّدُ إنَّما هو الزنا وليس هو موضوع الأمر بالجلد، ولهذا لا يتعدَّد حدُّ الزاني الذي تكرَّر منه فعل الزنا سواءً كان زناه بواحدة أو بمتعدِّدات ففي كلا الفرضين الزاني متَّحد، وموضوع الأمر بالجلد مائة جلدة هو الزاني، وهذا العنوان لا يختلف صدقُه سواءً تكرَّر منه الزنا أو لا، وسواءً كان المزنيُّ بها واحدة أو متعدِّدات. ففي تمام الفروض ليس أمامنا سوى زانٍ وقد أمرنا بجلده مائة جلدة.

وأمَّا مُستند القائلين بالتفصيل فهو رواية أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الرَّجُلِ يَزْنِي فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِرَاراً كَثِيرَةً؟ قَالَ: فَقَالَ: "إِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا وكَذَا مَرَّةً فَإِنَّمَا عَلَيْه حَدٌّ وَاحِدٌ، وإِنْ هُوَ زَنَى بِنِسْوَةٍ شَتَّى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وفِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ عَلَيْه فِي كُلِّ امْرَأَةٍ فَجَرَ بِهَا حَدّاً"(3).

فالرواية ظاهرة في التفصيل بين مَن زنى بامرأةٍ واحدة مراراً وبين من زنى بمتعدِّدات إلا أنَّها فاقدة للاعتبار لإعراض المشهور عن العمل بها بل وُصفت بالشذوذ وأنَّها مطرحة(4) هذا مضافاً إلى ضعف سندها لاشتماله على عليِّ ابن أبي حمزة البطائني.

تكرَّر منه الزنا وأقيم عليه الحدُّ في كلِّ مرَّة:

وأمَّا حكم من تكرَّر منه الزنا وهو غير مُحصن وأُقيم عليه الحدُّ في كلِّ مرَّة فالمشهور بين الفقهاء أُنَّه إذا أُقيم عليه حدُّ الجلد ثلاث مرَّات قُتل في الرابعة، وقد أدُّعي على ذلك الإجماع في الغنية والانتصار كما أفاد صاحب الجواهر(5).

والمُستند في ذلك صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): "الزَّانِي إِذَا زَنَى جُلِدَ ثَلَاثاً، ويُقْتَلُ فِي الرَّابِعَةِ، يَعْنِي إِذَا جُلِدَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"(6).

ويُؤيدُه ما ورد في معتبرة محمد بن سنان في العيون عن الإمام الرضا (ع) قال: ".. وعلَّةُ القتل بعد إقامة الحدِّ في الثالثة على الزاني والزانية لاستخفافهما، وقلَّة مبالاتهما بالضرب حتى كأنَّهما مطلقٌ لهما ذلك الشيء. وعلَّةٌ أخرى أنَّ المُستخِفَّ بالله وبالحدِّ كافرٌ فوجب عليه القتل لدخوله في الكفر.."(7) فظاهر الرواية هو الفراغ عن أنَّ حكم الزاني الذي أُقيم عليه الحدُّ ثلاثاٌ هو القتل بعدها، والرواية إنَّما هي بصدد بيان العلَّة أو الحكمة من الحكم بقتله في هذا الفرض، وأفادت أنَّ علة ذلك هو الاستخفاف بالله تعالى وبحدوده، والمستخِفُّ بالله تعالى وبحدوده بمنزلة الكافر أي أنَّه على حدِّ الكفر وإنْ لم يكن كافراً.

هذا وقد نُسب للصدوقين وابن إدريس الحلِّي -كما في الجواهر(8)- القول بأنَّ غير المُحصن إذا أُقيم عليه الحدُّ مرَّتين قُتل في الثالثة، ومُستندُهم في ذلك صحيحة يُونُسَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاضِي (ع) قَالَ: "أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ كُلِّهَا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ مَرَّتَيْنِ قُتِلُوا فِي الثَّالِثَةِ"(9).

وأُجيب عن ذلك بأنَّ دلالة الرواية على قتل الزاني في الثالثة إنَّما هو بالعموم، ولذلك فهي قابلة للتخصيص بصحيحة أبي بصير، فنلتزم أنَّ عموم أصحاب الكبائر إذا أقيم عليهم الحدُّ مرَّتين قتلوا في الثالثة إلا الزاني فإنَّه يُقتل بعد أنْ يُقام عليه الحدُّ ثلاث مرَّات، فهذا هو مقتضى الجمع العرفي بين صحيحة أبي بصير وصحيحة يونس.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

2 / ربيع الثاني / 1447ه

25 / سبتمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص334، كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص481.

2- سورة النور / 2.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص196، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص122.

4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص335.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص331.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص191، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص19

7- عيون أخبار الرضا (ع) ج2 / ص104، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص117.

8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص331.

9- الكافي -الكليني- ج7 / ص191، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص19.