حكم الحبلى إذا زنت

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قامت البيِّنة على امرأة أنَّها زنت ثم تبيَّن أنَّها حبلى، فهل يُقام عليها الحدُّ أو يُنتظر بها حتى تضعَ حملَها؟

الجواب:

إذا زنت الحبلى أو قامت عليها البيِّنة وهي حبلى وكانت مُحصنة فلا يقام عليها الحدُّ حتى تضعَ حملها سواءً كان الحملُ قد تخلَّق من نكاح أو من الزنا بلا خلافٍ في ذلك نصَّاً وفتوى كما أفاد صاحب الجواهر(1).

ويدلُّ على ذلك عددٌ من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):

منها: صحيحة أبي مريم(2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "أتتْ امرأةٌ أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: قد فجرتُ، فأعرض بوجهه عنها، فتحوَّلت حتى استقبلت وجهه، فقالت: إنِّي قد فجرتُ، فأعرضَ عنها، ثم استقبلتْه، فقالت: إنِّي قد فجرتُ، فأعرضَ عنها، ثم استقبلته، فقالت: إنِّي فجرتُ، فأمرَ بها فحُبست وكانت حاملاً، فتربَّص بها حتى وضعتْ .."(3).

ومنها: موثَّقة عمَّار الساباطي قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن مُحصنةٍ زنت وهي حبلى، قال: تقرُّ حتى تضعَ ما في بطنها، وتُرضع ولدها، ثم تُرجم"(4).

وهل يُنتظر بها حتى تُرضع ولدها؟

مقتضى مفاد موثقة عمَّار هو أنَّه لا يُقام عليها الحدُّ إلا بعد أن تُرضعَ ولدها، وبذلك يكون مقتضى الجمع العرفي بينها وبين صحيحة أبي مريم هو البناء على أنْ التربُّص بالحبلى إنَّما هو إلى أنْ تضع حملها وبعده يصحُّ رجمُها، وحملُ موثقة عمار على جواز تأخير الرجم إلى أن ترضع ولدها وإن كان يحقُّ للحاكم إقامة الحدِّ على قبل ذلك ومن حين وضعها لحملها، نعم لو كان عدم التربُّص بها إلى أنْ ترضع ولدها مُفضياً لصيرورة الولد في معرض الهلاك ففي مثل هذا الفرض يتعيَّن التربُّص بها إلى أن تُرضع ولدها أو تجد مَن يُرضعه، وذلك لقاعدة نفي الضرر، إذ أنَّ الحكم بوجوب المبادرة إلى رجمها بعد الوضع ينشأ عنه وقوع الولد في الضرر فلذلك يكون الحكم بوجوب أو جواز المبادرة منفيٌّ بقاعدة نفي الضرر، والتي تعني أن كلَّ حكم ينشأ عنه الضرر فهو منفي، ويُؤيد الحكم بلزوم التربُّص حتى تُرضع ولدها عند عدم وجدان من يُرضعه ما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال لعمر وقد أُتيَ بحاملٍ قد زنت فأمر برجمها، فقال له عليٌّ (عليه السلام): هبْ لك سبيلٌ عليها، أيُّ سبيلٍ لك على ما في بطنِها، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فقال عمر: لا عشتُ لمعضلةٍ لا يكون لها أبو الحسن، ثم قال: فما أصنعُ بها يا أبا الحسن؟ قال: احتطْ عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدتَ لولدها من يكفلُه فأقم الحدَّ عليها"(5).

إذا كانت الزانية الحبلى غير محصنة:

هذا لو كانت الزانية الحبلى مُحصنةً، وأمَّا إذا لم تكن مُحصنة وكانت عقوبتُها الجلد، فإذا كان الجلد موجباً للخشية من هلاكها أو هلاك جنينها ففي مثل هذا الفرض يتعيَّن التربُّص بها حتى تضع حملها لذات الملاك الذي يُؤخَّر لأجله إقامة الحدِّ عن المريض وذي القروح(6) والذي نصَّت الرواياتُ على لزوم تأخير إقامة حدِّ الجلد عليه وكذلك لما دلَّ على حرمة فعل ما يوجب صيرورة الجنين في معرض الهلاك.

وأمَّا في فرض عدم الخشية من الهلاك لها أو لجنينها ففي مثل هذا الفرض لا دليل على لزوم تأخير إقامة الحدِّ عليها بل إنَّ ما دلَّ على لزوم المبادرة إلى إقامة الحدود المستحقة يقتضي البناء على وجوب إقامة حدِّ الجلد عن الحبلى وعدم الانتظار بها إلى أن تضعَ حملها.

نعم ورد في كتاب الجعفريات عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: "ليس على الحُبلى حدٌّ حتى تضع، ولا على النفساء حتى تطهر"(7) فإنَّ مقتضى إطلاقها هو لزوم تأخير الحدِّ عن الحبلى حتى تضع حملها سواءً كان الحدُّ المستحق هو الرجم أو الجلد إلا أنَّه ونظراً لكون الرواية غير نقيةِ السند، لذلك لا يصحُّ اعتمادها لرفع اليد عمَّا دلَّ على لزوم المبادرة إلى إقامة الحدود المستحقَّة.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

3 / ربيع الآخر / 1447ه

26 / سبتمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص337.

2- المراد من أبي مريم -ظاهراً وكما ذكر السيد الخوئي- هو أبو مريم الأنصاري الثقة، فعنوان أبي مريم وإن كان مشتركاً بينه وبين من لم تثبت وثاقته زهو بكر بن حبيب الكوفي ولكن هذا الاسم ينصرف عند الإطلاق إلى أبي مريم الأنصاري فهو المعروف بين أصحاب الروايات وله كتاب وكذلك فإن الراوي عنه في هذه الرواية هو يونس بن يعقوب وهو ممَّن يروي عن أبي مريم الأنصاري

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص107.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص107.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص108.

6- مثل معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِرَجُلٍ أَصَابَ حَدّاً وبِه قُرُوحٌ فِي جَسَدِه كَثِيرَةٌ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): أَخِّرُوه حَتَّى يَبْرَأَ لَا تَنْكَؤُوهَا عَلَيْه فَتَقْتُلُوه" الكافي -الكليني- ج7 / ص244، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص29. رواية مِسْمَعِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): "أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أُتِيَ بِرَجُلٍ أَصَابَ حَدّاً وبِه قُرُوحٌ ومَرَضٌ وأَشْبَاه ذَلِكَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): أَخِّرُوه حَتَّى يَبْرَأَ لَا تُنْكَأْ قُرُوحُه عَلَيْه فَيَمُوتَ ولَكِنْ إِذَا بَرَأَ حَدَدْنَاه" الكافي -الكليني- ج7 / ص244، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص30.

7- مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص17.