إقامة الحدِّ في أرض العدو
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
لو قامت البيِّنة على أحدٍ أنَّه ارتكب ما يُوجب الحدَّ ثم خرج إلى أرض العدو أو فعل ما يُوجب الحدَّ في أرض العدو فهل يُقام عليه الحد في أرض العدو أو يُتربَّص به إلى أنْ يرجع إلى أرض الإسلام ثم يُقام عليه الحدُّ؟
الجواب:
ذهب جمعٌ من الفقهاء إلى أنَّه لا يُقام الحدُّ على مرتكب ما يُوجبه حال وجوده في أرض العدو، والمُستند في ذلك صحيحة أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ حَدٌّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ"(1).
وكذلك تدلُّ عليه موثَّقة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن عليٍّ (عليهم السلام) أنَّه قال: "لا أُقيم على رجلٍ حداً بأرض العدو حتى يخرج منها مخافةَ أنْ تحملَه الحميَّة فيلحقُ بالعدو"(2).
وأفاد السيِّد الخوئي رحمه الله أنَّ مقتضى موثقة غياث هو أنَّ المنع من إقامة الحدِّ في أرض العدو مقيَّد بعدم الخشية من التحاق من يقام عليه الحد بالعدو، وبذلك تكون موثقة غياث قرينة على عدم إرادة الإطلاق من صحيحة أبي مريم.
إلا أنَّه قد يُقال إنَّ التعليل الوراد في موثقة غياث ليس ظاهراً في اختصاص المنع بفرض الخشية من التحاق المحدود بالعدو، وإنَّما هي بصدد بيان الحكمة من الحكم بالمنع إقامة الحدِّ في أرض العدو، لذلك لا تكون موثقة غياث صالحة لتقييد صحيحة أبي مريم.
ولعلَّ ممَّا يؤكِّد ذلك أنَّ الخشية من التحاق المحدود بالعدو إنْ لم تكن دائمة فهي غالبة، إذ لا يسع الحاكم غالباً إحراز أنَّ المحدود لن يغضب فليلتحق بالعدو، فاحتمال الالتحاق قائم غالباً وهو معنى الخشية، وعليه لو كان المنع من إقامة الحدِّ في أرض العدو مقيَّداً بعدم الخشية لكان ذلك من استثناء الأكثر وهو مستهجَن، وبذلك يتعزَّز ظهور موثقة غياث في إرادة بيان الحكمة من المنع وليست في مقام تقييد المنع بعدم الخشية .
هذا وقد نُسب -كما في الرياض(3)- لصريح الشهيد الثاني في المسالك، وظاهر العلامة في المنتهى والتذكرة البناء على كراهة إقامة الحدِّ على المستحَقِّ في أرض العدو.
وهو خلاف الظاهر، فإنَّ قوله (ع): "لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ حَدٌّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ" ظاهر في المنع وأن ذلك لا يُشرع تماماً كما هو ظاهر قوله (ع) في معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ عَنْهَا"(4).
واحتمل صاحب الرياض(5) أنَّ منشأ البناء على الكراهة لدى الشهيد الثاني والعلامة هو ضعف الرواية وإشعار التعليل بالكراهة.
أمَّا ضعف الرواية فلا يتم فإنَّ رواية أبي مريم لا إشكال في سندها إلا من جهة أبي مريم وأمَّا بقية رجال السند فكلُّهم ثقات دون ريب وأمَّا أبو مريم فهو -ظاهراً وكما ذكر السيد الخوئي(6)- أبو مريم الأنصاري الثقة، فعنوان أبي مريم وإنْ كان مشتركاً بينه وبين مَن لم تثبت وثاقته وهو بكر بن حبيب الكوفي ولكنَّ هذا الاسم ينصرف عند الإطلاق إلى أبي مريم الأنصاري، فهو المعروف بين أصحاب الروايات وله كتاب وكذلك فإنَّ الراوي عنه في هذه الرواية هو يونس بن يعقوب وهو ممَّن يروي عن أبي مريم الأنصاري.
وكذلك لا إشكال في رواية غياث بن إبراهيم فرجال سندها كلُّهم ثقات، وأمَّا غياث بن إبراهيم فهو وإن كان بترياً -كما قيل(7)- إلا أنَّه ثقة كما أفاد الشيخ النجاشي(8) رحمه الله.
وأمَّا أنَّ التعليل مشعِر بالكراهة فهو لا يعدو الإشعار، فلا يصلح لسلب ظهور صحيحة أبي مريم في الحكم بالمنع من إقامة الحدِّ في أرض العدو. خصوصاَ مع الالتفات إلى ما دلَّ على عدم جواز تعطيل الحدود أو تأخير الإقامة لها، فلو لم يكن المورد من موارد المنع من إقامتها لكان الواجب هو الإقامة لها بل والمبادرة إلى إقامتها.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
7 / ربيع الآخر /1447ه
30 / سبتمبر / 2025م
1- الكافي -الكليني- ج7 / ص218، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص24.
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص40، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص24.
3- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص471.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص262، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص29.
5- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص471.
6- المعتمد في القضاء والشهادات والحدود -السيد الخوئي- ص530.
7- الأبواب (رجال الطوسي) -الطوسي- ص142.
8- فهرست أسماء مصنفي الشيعة -النجاشي- ص305.