حكم الجاني المستجير بالحرم
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم من ارتكب موجب الحد خارج الحرم ثم التجأ الى الحرم هل يقام عليه الحد في الحرم؟ وماذا لو كان قد ارتكب موجب الحد في الحرم نفسه؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لم يقع خلاف(1) بين الفقهاء رضوان الله عليهم في أنَّه لا يُقام الحد على مرتكب ما يُوجبه لو التجأ إلى الحرم ولكن يُضيَّق عليه في المأكل والمشرب وسائر أسباب المعاش إلا ما يتبلَّغُ به، ويُنتظر به حتى يخرج وحينذاك يُقام عليه الحد.
الاستدلال بالآية المباركة:
ويُستدلُّ على عدم جواز إقامة الحدِّ عليه في الحرم بقوله تعالى: ﴿ومَنْ دَخَلَه ُ كانَ آمِناً﴾(2) فإنَّ الآية وإنْ سيقت على هيئة الجملة الخبرية ولكن الظاهر منها هو إرادة الإنشاء، فمفاد الآية هو التكليف بالمنع عن فعل ما يسلبُ الأمن عمَّن استجار بالحرم، نعم لا يسقط الحدُّ المستحَقُّ عن المستجير بالحرم لعدم الدليل على سقوطه، وبه تكون أدلَّه وجوب إقامة الحدِّ على مستحقِّة قائمة، هذا مضافاً إلى ما يترتَّب من مفاسد لو كان البناء هو سقوط الحدِّ عن مستحقِّه باللجوء للحرم، ولهذا يجب التربُّص بالمستجير حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد، ويتوسَّل في ذلك بالتضييق عليه في المأكل والمشرب وسائر أسباب المعاش.
الاستدلال بالروايات على التضييق والتربُّص:
ويستدلُّ على ذلك مضافاً إلى نفي الخلاف ودعوى الإجماع(3) بالروايات المستفيضة الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم، ثم يلجأ إلى الحرم، قال: لا يُقام عليه الحدُّ، ولا يُطعم، ولا يُسقى، ولا يُكلَّم، ولا يُبايع، فإنَّه إذا فُعل به ذلك يوشك أنْ يخرج فيُقام عليه الحدُّ، وإنْ جنى في الحرم جنايةً، أُقيم عليه الحدُّ في الحرم، فإنَّه لم يَرَ للحرم حرمة"(4).
ومنها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً﴾ قَالَ: "إِذَا أَحْدَثَ الْعَبْدُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ جِنَايَةً ثُمَّ فَرَّ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يَسَعْ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَه فِي الْحَرَمِ ولَكِنْ يُمْنَعُ مِنَ السُّوقِ ولَا يُبَايَعُ ولَا يُطْعَمُ ولَا يُسْقَى ولَا يُكَلَّمُ فَإِنَّه إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ بِه يُوشِكُ أَنْ يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ، وإِذَا جَنَى فِي الْحَرَمِ جِنَايَةً أُقِيمَ عَلَيْه الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ لأَنَّه لَمْ يَدَعْ لِلْحَرَمِ حُرْمَتَه"(5).
ومنها: صحيحة مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ؟ فَقَالَ: "لَا يُقْتَلُ ولَا يُطْعَمُ ولَا يُسْقَى ولَا يُبَايَعُ ولَا يُؤْوَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ فَيُقَامَ عَلَيْه الْحَدُّ قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ سَرَقَ قَالَ: يُقَامُ عَلَيْه الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ صَاغِراً إِنَّه لَمْ يَرَ لِلْحَرَمِ حُرْمَةً، وقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ فَقَالَ: هَذَا هُوَ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ: ﴿فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾"(6).
ومنها: رواية عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّوجَلَّ: ﴿ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً﴾ قَالَ: إِنْ سَرَقَ سَارِقٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ أَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى نَفْسِه فَفَرَّ إِلَى مَكَّةَ لَمْ يُؤْخَذْ مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْه، ولَكِنْ يُمْنَعُ مِنَ السُّوقِ ولَا يُبَايَعُ ولَا يُجَالَسُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْه فَيُؤْخَذَ وإِنْ أَحْدَثَ فِي الْحَرَمِ ذَلِكَ الْحَدَثَ أُخِذَ فِيه"(7).
حكم من ارتكب جنايته في الحرم:
هذا ما يتَّصل بفرض ما إذا كان الجاني قد ارتكب الجناية خارج الحرم ثم استجار به وأمَّا إذا ارتكب الجناية في الحرب فقد نصَّت الروايات السابقة على أنَّه يقام عليه الحد في الحرم لأنَّه لم يرع للحرم حرمة وبذلك أفتى الفقهاء دون خلاف كما أفاد صاحب الرياض(8).
نعم أرسل الشيخ الصدوق عن الصاق (ع) أنَّه قال:" ولو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معانداً اخرج من الكعبة ومن الحرم، وضربت عنقه"(9).
وورد ذلك في موثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ: ".. ولَوْ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَبَالَ فِيهَا مُعَانِداً أُخْرِجَ مِنَ الْكَعْبَةِ ومِنَ الْحَرَمِ وضُرِبَتْ عُنُقُه"(10).
فظاهر ذلك هو أنَّه لا يُقام الحدُّ على أحدٍ في الحرم وإن كانت جنايته في الحرم بل وفي الكعبة الشريفة إلا أنَّه ونظراً لصراحة الروايات السابقة في جواز إقامة الحدِّ في الحرم على من كانت جنايته في الحرم يتعيَّن حمل الموثقة على الأفضلية أي على رجحان إقامة الحدِّ على مَن جنى في الحرم في خارجه .
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
9 / ربيع الآخر / 1447ه
2 / أكتوبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج43 / ص31.
2- سورة آل عمران / 97.
3- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص169.
4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص59.
5- الكافي -الكليني- ج4 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج13 / ص226.
6- الكافي -الكليني- ج4 / ص228، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج13 / ص225.
7- الكافي -الكليني- ج4 / ص227، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج13 / ص226.
8- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص169، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج43 / ص31.
9- من لا يحضره الفقيه ج2 / ص251، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج13 / ص291.
10- الكافي -الكليني- ج2 / ص28، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج13 / ص291.