حديثٌ حولَ سورة الضحى (3)

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبوابَ رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.

قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحَى / وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى / مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى / وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى / وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾(1).

تحدثنا فيما سبق حول ما قيل إنَّه سبب نزول السورة المباركة وحول دعوى احتباس الوحي عن النبيِّ الكريم (ص) مدَّةً من الزمن ومناقشة الروايات التي تصدَّت لبيان منشأ الاحتباس المزعوم ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ودعوى احتباس الوحي

ونتحدَّث في هذه الجلسة إنْ شاء الله تعالى حولَ مفاد الآياتِ من سورة الضحى .

بدأت السورة المباركة بالقسَم بالضُّحى وبالليل، فالواوُ هي واو القسم، والمقسَمُ به في الآية الأولى هو الضُّحى، وأقسمت الآية الثانية بالليل إذا سجى، فالمقسَم به في الآية الثانية هو الليل إذا سجى.

تحديد معنى الضُّحى:

والمراد من الضُّحى هو صدرُ النهار حين ترتفعُ الشمسُ ويصفو ضوئها ويمتدُّ وتنبسطُ أشعتها، والأصل في الضحى -كما قيل- أنَّه بمعنى الظهور والبروز، فلانَّ شروق الشمس وامتداد أشعَّتِها يُفضي إلى ظهور الأشياء للعيان بعد أنْ كانت مخفيَّة بسبب الظلمة لذلك ناسب أنْ يُطلق على الوقت الذي ترتفعُ فيه الشمس -فتظهرُ فيه الأشياء بعد خفائها- بأنَّه وقتُ الضُّحى. فالآية بذلك تُقسِم بهذه الظاهرة الكونيَّة التي تتكرَّر في كلِّ يوم وهي ضحْو الشمس ومجيءُ النهار.

والضُّحى وإنْ كان يبدأ حين ترتفعُ الشمس ويصفو لونُها -بعد أن كان مصفرَّاً- إلا أنَّه يمتدُّ إلى أنْ يقرب نصف النهار فما بين هذين الوقتين يُقال له ضُّحى، وقد استعمل القرآنُ المجيد الضُّحى في هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾(2) يعني وأنْ يجتمع الناس عند صدر النهار أو قبل منتصفه، وكذلك -ظاهراً- هو المراد من الضُّحى في قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾(3) أي يأتيهم العذاب في صدر النهار وهم مشتغلون باللَّهو واللعب، وقد يكون المراد من الضُّحى في الآية الشريفة هو عامَّة النهار، وذلك بقرينة استعمالها في مقابل الليل في الآية التي سبقتْ هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾(4) ولهذا أفاد بعضُ المفسِّرين أنَّ المراد من الضُّحى في سورة الضُّحى هو عامَّةُ النهار، وذلك بقرينة استعمالِه في مقابل الليل، فالضحى وإنْ كان المتعارف في كلام العرب استعمالَه في صدر النهار ولكنَّه قد يُستعمل تجوُّزاً في عامَّة النهار.

تحديد المراد من سجى:

وأمَّا معنى سجى في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ فهو أنَّه سكَن وهدأ، فالسجْو يعني السكون، يقال ليلة ساجية أي أنَّها ساكنة وخاية من الصخب والضوضاء، ويُقال بحرٌ ساجٍ إذا سكنتْ أمواجُه، وذلك في مقابل البحر الهائج، ومعنى سجو الليل وسكونِه هو سكون أهلِه وانقطاعهم عن الحركة والسعي للمعاش وخلودهم للنوم والراحة، فالموصوف بالسكون- بناءً على ذلك- هو المظروف وليس الظرف. فوصف الليل بالسكون إنَّما هو بلحاظ المظروف.

وقد يكون المراد من قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني إذا غطَّى بظلمته الآفاق، فالليلُ يبدأ بسقوط القرص وزوال الحمرة المشرقيَّة، وفي هذا الظرف لا تكون ظلمتُه شديدة، ولكنها تأخذُ في الاشتداد شيئاً فشيئاً إلى أنْ يسقط الشفق ويحين وقت العتمة، ففي هذا الظرف تشتدُّ الظلمة فتُصبح وكأنَّها غشاءٌ يغطِّي الآفاق فيحجبُها عن الرؤية كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾(5) وقال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾(6) يعني تسترُ وتحجبُ وتغطِّي ظلمة الليل ضوءَ النهار، فالسجْو يأتي بمعنى الغشيان والتغطية، ومن ذلك ما يُقال تسجية الميِّت يعني تغطيته، كما في الدعاء المأثور: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْمُسَجَّى قُدَّامَنَا عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ"(7) فالميِّت المسجَّى يعني مغطَّى، وقد يكون منشأ وصفِه بالمسجَّى هو سكونه وانتفاء مطلق الحركة منه.

الغرض من القَسَم بالظواهر الكونيَّة:

والغرض من القسَم بالضحى وبالليل وكذلك بسائر الظواهر الكونيَّة كالفجر والعصر والشمس والقمر والنجم والسماء والأرض، الغرض من ذلك هو التنبيه والدعوة إلى التدبُّر في هذه الظواهر، فالإنسان بطبعه يذهلُ ويغفل عمَّا يعتاد على مشاهدته ومعاينته رغم أنَّ كلَّ ما هو حوله يكشف عن عظمة الله تعالى وحسن تدبيره فكلُّ هذه الظواهر آيات وعلامات على وجود الله تعالى وقدرته، وحسن تدبيره، وعظيم إنعامه. فالقرآن المجيد حين يُقسم بهذه الظواهر يبتغي فيما يبتغي التنبيهَ على أنَّها وسائل الوصول لليقين بوجود الصانع جلَّ وعلا، فيكفي التأمل في إتقان صنعها ودقَّة انتظامها وعظيم أثرها للإذعان واليقين بوجود الله تعالى وقدرته وحسن تدبيره. 

مفاد قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾:

ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهو جواب القسم وتقدير ذلك أُسم بالضُّحى ما ودَّعك ربٌّك، ومفاد الآية المباركة هو أنَّ الله عزَّوجل لم يتخلَّ عن نبيِّه(ص) منذُ نشأتِه، فكان في كنفه منذُ تكوينه يحبوه بألطافه وعنايته، ويغمرُه بالكرامة، وقد تولَّى تعليمه والتزكية له قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾(8) وما زال منذُ كوَّنه يُواصله بالوحي والفضائل ومحامد الصفات وسجايا الخير، فما انقطعت عنه ألطافه، وما تخلَّى عن رعايته طرفةَ عين، فهذا هو مفاد الآية المباركة والتي تصدَّت لنفي ما روَّج له المبطلون من أنَّ الله تعالى قد ودَّعه وصرمه وهجره وقلاه، فهي تنفي ذلك من طريق النفي المطلق لانقطاع ألطاف الله ووحيه عن نبيِّه الكريم (ص).

يقول أميرُ المؤمنين (ع) في خطبته الشهيرة والمعروفة بالقاصعة: ".. ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه (ص) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه .."(9).

يعني أنَّ الله تعالى قد وكَّل بنبيِّه الكريم (ص) منذُ فِطامه مَلَكاً هو أعظمُ ملائكتِه، فكان مُلازماً له لا يُفارقه ليله ونهاره، وكان من وظائفه تأييدُه وتسديدُه والعبورُ به مدارجَ الكمال وطريقَ المكارم والسمو بملكاتِه إلى أحسن وأرقى ما تكون عليه ملكاتُ ذوي الخُلق الرفيع من أبناء العالَم والذي يشملُ الملائكة على اختلاف مراتبهم ويشملُ الأنبياء والرسل والأصفياء والصالحين. 

وعن أبي جعفر الإمام محمد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ فقال (عليه السلام): يوكِّل اللهُ تعالى بأنبيائه ملائكة يحصِّنون أعمالهم ويؤدُّون إليهم تبليغهم الرسالة، ووكَّل بمحمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) ملَكا عظيماً منذُ فصل"(10) يعني منذ صار فطيماً.

وعن الإمام الرضا (ع) قال: "يرشدُه إلى الخيرات، ومكارم الأخلاق، ويصده عن الشرِّ ومساوي الأخلاق"(11).

نستكملُ الحديث فيما بعدُ إن شاء الله تعالى

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

10 / ربيع الآخر / 1447ه

3 / أكتوبر / 2025م

 


1- سورة الضحى / 1-5.

2- سورة طه / 59.

3- سورة الأعراف / 98.

4- سورة الأعراف / 97.

5- سورة الليل / 1.

6- سورة الرعد / 3.

7- الكافي -الكليني- ج3 / ص184.

8- سورة النساء / 113.

9- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ص300.

10- البرهان في تفسير القرآن -السيد هاشم التوبلاني- ج5 / ص513.

11- بحار الأنوار -المجلسي- ج15 / ص362.