اجتماع أكثر من حدٍّ على مكلَّف
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا اجتمع على مكلَّفٍ أكثرُ من حدِّ وكان فيها الرجمُ أو القتل بالسيف، فهل يسقط ما دون القتل من الحدود عنه أو يلزم إقامة جميع الحدود المستحقَّة عليه ويكون اللازم تقديم ما هو دون القتل؟
الجواب:
للمسألة ثلاثة فروض:
اجتماع حدود ليس منها القتل أو الرجم:
الفرض الأول: أنْ تجتمع على مكلَّفٍ حدودٌ متعدِّدة ولكن ليس في شيءٍ منها القتل أو الرجم كما لو قامت البيِّنة على مكلَّفٍ غير مُحصن أنَّه زنى بأجنبيَّة وشرب الخمر وقذف مؤمناً، ففي مثل هذا الفرض لا إشكال في أنَّه يكون مستحقَّاً لثلاثة حدود، فكلُّ جنايةٍ سببٌ مستقلٌّ لحدٍّ من الحدود فيكون مستحقَّاً له، نعم لا يجب تقديم حدٍّ منها بعينه على الآخر، فللحاكم تقديم أيَّها شاء، إذ لا يفوِّت -بحسب الفرض- التقديمُ لأحدها القدرة على إقامة الحدِّ أو الحدود الأخرى المستحقَّة. وحيث إنَّ الحاكم مخاطب بإقامة مجموع الحدود فهو مخيَّر بأيِّها يبدأ. والظاهر من كلمات صاحب الجواهر عدم الخلاف في ذلك(1) ويدلُّ على التخيير مضافاً لما تقدم إطلاق الروايات الآتية. كقوله (ع) في صحيحة زرارة: "يُبدأُ بالحدود التي هي دون القتل، ثم يُقتل بعد ذلك" وقوله (ع) في صحيحة حماد:" تُقَامُ عَلَيْه الْحُدُودُ ثُمَّ يُقْتَلُ".
إلا أنَّه ورد في المقابل ما يظهر منه لزوم الترتيب في بعض الحدود وهي صحيحة عليِّ بن جعفرٍ عن أخيه (عليه السلام) قال: سألتُه عن رجلٍ أُخذ وعليه ثلاثة حدود: الخمر، والزنا، والسرقة، بأيِّها يُبدأ به من الحدود؟ قال: بحدِّ الخمر ثم السرقة، ثم الزنا"(2) فالرواية واضحة في تعيُّن التقديم لحدِّ الشرب للخمر على حدِّ السرقة والزنا، ويمكن تأييده بما تشعر به موثقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِيمَنْ قَتَلَ وشَرِبَ خَمْراً وسَرَقَ، فَأَقَامَ عَلَيْه الْحَدَّ فَجَلَدَه لِشُرْبِه الْخَمْرَ، وقَطَعَ يَدَه فِي سَرِقَتِه وقَتَلَه بِقَتْلِ"(3).
وعليه فإنَّ تمَّ الإحراز لإعراض مشهور القدماء عن العمل بصحيحة عليِّ بن جعفر وإلا كان المتعيَّن تقييد إطلاقات التخيير بمورد الرواية.
اجتماع حدود وكان منها القتل أو الرجم:
الفرض الثاني: أنْ تجتمع على مكلَّف حدودٌ متعدِّدة، ويكون من بينها القتل أو الرجم كما لو قامت البيِّنة على مُحصنٍ أنَّه زنى، وشرب الخمر، ففي مثل هذا الفرض يكون مُستحِقَّاً لكلا الحدِّين، إذ أنَّ كلاً منهما موضوع وسبب مستقلٌّ لحدٍّ من الحدود، ويجب في هذا الفرض تأخير حدِّ الزنا كي لا تفوت بإقامته القدرة على امتثال التكليف بإقامة حدِّ شرب الخمر.
والظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء في ذلك كما أفاد صاحب الجواهر(4) وقد نصَّت عليه رواياتٌ عديدة عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيُّما رجلٍ اجتمعتْ عليه حدودٌ فيها القتل يُبدأُ بالحدود التي هي دون القتل، ثم يُقتل بعد ذلك"(5).
ومنها: موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السّلام) في الرجل يُؤخذُ وعليه حدودٌ، أحدها القتل؟ قال: كان عليٌّ (عليه السّلام) يُقيم عليه الحدَّ ثمّ يقتلُه، ولا نخالف عليّاً (عليه السّلام)"(6).
ومنها: صحيحة حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْه الْحُدُودُ مِنْهَا الْقَتْلُ؟ قَالَ: تُقَامُ عَلَيْه الْحُدُودُ ثُمَّ يُقْتَلُ"(7).
ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ وابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عَلَيْه حُدُودٌ فِيهَا الْقَتْلُ؟ قَالَ: يُبْدَأُ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ دُونَ الْقَتْلِ ثُمَّ يُقْتَلُ بَعْدُ"(8).
الفرض الثالث: أنْ يجتمع على مكلَّف حدُّ الرجم وحدُّ القتل بالسيف كما لو قامت البيِّنة على مُحصنٍ أنَّه زنى وقامت عليه البيِّنة أنَّه زنى بأخرى ذاتِ محرم ففي مثل هذا الفرض تكون الإقامة لأحدِ الحدَّين مُوجبة لفوات القدرة على امتثال الآخر، فيقع التزاحم لدى الحاكم بين التكليفين -التكليف بالرجم والتكليف بالقتل بالسيف- وذلك لضيق قدرته على امتثالهما معاً، وبذلك يكون مخيَّراً ما لم يكن ثمة ما يوجب الترجيح لأحدهما.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / ربيع الآخر/ 1447ه
5 / أكتوبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص345.
2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص24.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص250، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص36.
4-جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص345.
5- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص71، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص34.
6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص45، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص34.
7- الكافي -الكليني- ج7 / ص250، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص35.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص250، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص35.