الإعلام بإقامة الحدِّ وحكم الحضور

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا ثبت على أحدٍ حدٌّ من الحدود هل يجب إعلام الناس حين إرادة الإقامة للحدِّ عليه أو أنَّه يجوز إقامة الحدِّ عليه دون إعلام؟ وهل يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(1) على لزوم أن يحضر جماعة من المؤمنين في موقع الإقامة للحد؟

الجواب:

أمَّا إعلام الناس بإقامة الحدِّ على مَن ثبت عليه الحدُّ فالظاهر أنَّه لم يقع خلافٌ بين الفقهاء في عدم وجوبه(2) ولكنَّه مستحب وراجح كما يظهر ذلك ممَّا ورد في الروايات من أنَّ أمير المؤمنين(ع) قد فعله، فمن ذلك ما رواه الشيخ الصدوق بسندٍ معتبر عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: إنَّ امرأة أتتْ أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالتْ: يا أمير المؤمنين إني زنيتُ فطهرني -إلى أن قال- ثم قام (عليه السلام) فصعد المنبر فقال: يا قنبر نادِ في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غصَّ المسجدُ بأهله فقال: أيُّها الناس إنَّ إمامكم خارجٌ بهذه المرأة إلى الظَهر ليُقيم عليها الحدَّ إنْ شاء الله .."(3)

ومنه: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتاه -أمير المؤمنين (عليه السلام)- رجلٌ بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي زنيتُ فطهّرني، وذكر أنّه أقرّ أربع مرّات -إلى أنْ قال:- ثمّ نادى في الناس: يا معشر المسلمين، اخرجوا ليُقام على هذا الرجل الحدُّ .."(4).

فإنَّ المستظهر من فعل أمير المؤمنين (ع) -بحسب الروايتين- هو الرجحان والاستحباب، فإنَّ ذلك هو مقتضى تصدِّيه (ع) للأمر بجمع الناس لإعلامهم كما في معتبرة الأصبغ وتصدِّيه لمخاطبة معاشر المسلمين كما في صحيحة أبي بصير، فإنَّ المُستظهَر من العناية وبذل المؤنة في ذلك هو رجحان هذا الفعل شرعاً، وأمَّا الوجوب فلا يُمكن استظهارُه من فعله (ع) إذ أنَّ صدور الفعل من المعصوم (ع) يجتمعُ مع كلٍّ من الوجوب والاستحباب كما هو واضح.

حكم الحضور لموقع الإقامة للحدِّ:

وأمَّا الحضور لموقع الإقامة للحدِّ فنُسب للشيخ الطوسي رحمه الله وجماعةٌ من الفقهاء القول باستحبابه بل نُسبت للشيخ الطوسي في المبسوط وكتاب الخلاف دعوى نفي الخلاف - كما في الجواهر(5) وفي المقابل نُسب للعلامة الحلِّي رحمه الله وجماعةٌ القول بالوجوب، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ اللام في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ هي لام الأمر، والأمرُ ظاهرٌ في الوجوب كما هو واضح، نعم مورد الآية المباركة هو حدُّ الزنا إلا أن المُستظهر من معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾(6) قال: في إقامة الحدود وفى قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة واحدٌ"(7) المستظهَر منها عدم اختصاص الحكم بحدِّ الزنا.

عدد مَن يجبُ عليهم الحضور 

وأمَّا عدد مَن يجب عليهم الحضور كفايةً فاختُلف في تحديده فقيل أقلُّه عشرة، وقيل أقلُّه ثلاثة، وقيل غير ذلك، وقيل إنَّ المناط في تحديد ذلك هو العرف(8) إلا أنَّه ونظراً لتصدِّي الإمام (ع) في معتبرة غياث لبيان أنَّ الأمر بحضور الطائفة يتحقَّق بالواحد لذلك يتعيَّن الالتزام بذلك والبناء على أنَّ أقلَّ ما يتحقَّقُ به الامتثال للأمر هو الواحد، فقوله (ع): "الطائفة واحد" إمَّا أنْ يستظهر منه إفادة أنَّ الطائفة تصدق عرفاً بالواحد أو يستظهر منه إفادة أنَّ مراد الآية من الطائفة هو الواحد أو يُستظهر منه إفادة أنَّ الشارع قد نزَّل الواحد في المقام منزلةَ الطائفة، وفي تمام هذه الاحتمالات يتعيَّن الالتزام بتحقُّق الامتثال بالواحد.

ويُؤيِّد ما ورد في معتبرة غياث ما أرسله الشيخُ الطبرسي رحمه الله في تفسير مجمع البيان عن أبي جعفرٍ الباقر (ع) قال: "أقلُّه رجلٌ واحد"(9).

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

16 / ربيع الآخر / 1447ه

9 / أكتوبر / 2025م

 


1- سورة النور / 2.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي-ج41 / ص353.

3- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص33، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص54.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص55.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص353.

6- سورة النور / 2.

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص150، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص93.

8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص354.

9- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج7 / ص220.