إقامة الحدود استناداً إلى علم القاضي

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يجوز للحاكم أن يقيم الحدود المتَّصلة بحقوق الناس استناداً إلى علمه أو أنَّ ذلك منوط بمطالبة مَن له الحق؟

الجواب:

لا إشكال في أنَّه يجوز للحاكم الشرعي أنْ يُقيم الحدود المصنَّفة على أنَّها من حقوق الله تعالى -كحدِّ الزنا وحدِّ شرب الخمر وحدِّ السرقة- استناداً إلى علمه، وذلك لإطلاقات الأدلة الآمرة بإقامة الحدود كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾(1) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(2) فإذا علم الحاكم الشرعي أنَّ زيداً زنى أو سرق صار مُخاطباً بإقامة الحدِّ عليه، وإن لم يكن ثمة شهودٌ أو مطالبٌ بإقامة الحدِّ عليه، فمقتضى إطلاق الأمر والعلم بتحقُّق موضوعه خارجاً هو جواز أو وجوب إقامة الحدِّ عليه.

وكذلك فإنَّ ما دلَّ على الأمر بالحكم بالعدل يدلُّ على جواز إقامة الحدِّ مستحقه في فرض علم الحاكم باستحقاقه وهو من الحكم بالعدل، فصدق عنوان الحكم بالعدل لا يتوقَّف على المطالبة أو شهادة الشهود، فهو متحقِّق حتى في فرض علم الحاكم باجتراح هذا المكلف بمُوجب الحد. فإذا قضى وأقام الحاكم الحدِّ على مستحقِّه استناداً إلى علمه فقد حكم بالعدل.

إقامة الحد في حقوق الناس منوطٌ بالمطالبة:

هذا فيما يتَّصلُ بالحدود المصنَّفة على أنَّها من حقوق الله تعالى، وأمَّا الحدودُ المصنَّفة على أنَّها من حقوق الناس فكذلك يسوغُ للحاكم الشرعي أن يحكم فيها استناداً إلى علمه لأنَّه من الحكم بالعدل والواقع إلا أنَّه ليس للحاكم إقامة الحدِّ على مستحقِّه دون مطالبة ذي الحقِّ، والظاهر عدم الخلاف بين الفقهاء في ذلك كما أفاد ذلك صحاب الرياض(3) وقد نصَّت عليه العديدُ من الروايات:

منها: صحيحة الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ: "مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِه عِنْدَ الإِمَامِ بِحَقِّ أَحَدٍ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْه الْحَدَّ الَّذِي أَقَرَّ بِه عِنْدَه حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ حَقِّ الْحَدِّ أَوْ وَلِيُّه فَيَطْلُبَه بِحَقِّه"(4).

ومنها: صحيحة أخرى للفضيل بن يسار قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حدود الله مرّة واحدة حرّاً كان أو عبداً أو حرّة كانت أو أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه -إلى أنْ قال:- إذا أقرَّ على نفسه عند الإمام بسرقةٍ قطعه، فهذا من حقوق الله، وإذا أقرَّ على نفسه أنّه شرب خمراً حدّه، فهذا من حقوق الله، وإذا أقرّ على نفسه بالزنا وهو غير مُحصن، فهذا من حقوق الله. قال: وأمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفريةٍ لم يحدّه حتى يحضر صاحبُ الفرية أو وليُّه، وإذا أقرَّ بقتل رجلٍ لم يقتله حتى يحضرَ أولياءُ المقتول فيطالبوا بدمِ صاحبهم"(5).

ومنها: رواية الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: الْوَاجِبُ عَلَى الإِمَامِ إِذَا نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَزْنِي أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْه الْحَدَّ، ولَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ مَعَ نَظَرِه لأَنَّه أَمِينُ اللَّه فِي خَلْقِه، وإِذَا نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَسْرِقُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْه أَنْ يَزْبُرَه ويَنْهَاه، ويَمْضِيَ ويَدَعَه، قُلْتُ: كَيْفَ ذَاكَ قَالَ: لأَنَّ الْحَقَّ إِذَا كَانَ لِلَّه فَالْوَاجِبُ عَلَى الإِمَامِ إِقَامَتُه، وإِذَا كَانَ لِلنَّاسِ فَهُوَ لِلنَّاس"(6).

فهذه الرواية وإن كانت منافية لصحيحة الفضيل من جهة اعتبارها حدَّ السرقة من حقوق الناس خلافاً لما أفادته صحيحة الفضيل والتي صرَّحت أنَّه من حقوق الله تعالى إلا أنَّ ذلك لا يضرُّ بدلالتها على أنَّ الحدود المصنَّفة على أنَّها من حقوق الناس لا يجوز للحاكم إقامة الحد على مستحقه دون مطالبة ذي الحق.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

20 / ربيع الآخر / 1447ه

13 / أكتوبر / 2025م


1- سورة النور / 1.

2- سورة المائدة / 38.

3- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص489.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص220، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص57.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص8، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص57.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص262، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص58.