إقامة الحدود في عصر الغَيْبة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يجوز للفقيه الجامع للشرائط إقامة الحدود والتعزيرات في عصر الغَيْبة أو أنَّ الجواز مختصٌّ بالإمام المعصوم (ع) ومَن ينصِّبه الإمام (ع) لذلك بالتنصيب الخاص؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- هو جواز إقامة الحدود في عصر الغيبة للفقيه الجامع للشرائط، وأفاد رحمه الله أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك إلا ما يُنسب لابن زهرة وابن إدريس، وأفاد بأنَّ النسبة ليست مُحرزة بل لعلَّ المُحرز خلافُه، واستغرب رحمه الله من توقُّف المحقِّق في الشرائع والعلامة -في بعض كتبه- في البناء على ما عليه المشهور من جواز إقامة الحدود للفقيه الجامع للشرائط(2).

مستند المشهور:

واستُدلَّ لما عليه المشهور بعددٍ من الوجوه منها:

الوجه الأول: التمسُّك بإطلاقات الأدلَّة الآمرة بإقامة الحدود والنهي عن تعطيلها كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾(3) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(4) فإنَّ مقتضى إطلاق أدلة الأمر بإقامة الحدود هو عدم اختصاصها بزمان دون زمان وأنَّ موضوع الأمر بإقامة الحدِّ هو ارتكاب موجبه، فمتى ما تحقَّق الموضوع خارجاً ترتَّب عليه فعلية الحكم دون أن يكون للزمن دخل في ترتب الحكم وفعليته بمقتضى الإطلاق.

الوجه الثاني: إنَّ من المُحرز المقطوع به هو أنَّ تشريع الحدود والتعزيرات وجعلها كان بملاك قطع مادَّة الفساد، والحيلولة دون شيوع المنكرات والفواحش، وحفظ النظام عن أنْ يكون في معرض الاختلال، ومن الواضح أنَّ هذه الملاكات الشرعيَّة لا تختصُّ بزمانِ الحضور دون زمانِ الغيبة، فإنَّ أحكام الله تعالى قائمة إلى قيام الساعة.

فإقامة الحدود والتعزيرات مشروع وثابت دون ريب في عمود الزمان، غايته أنَّه ليس لكلِّ أحد التصدِّي لإقامة الحدود وإلا لترتَّب على ذلك نقض الغرض وهو حفظ النظام، إذ أن تشريع إقامة الحدود لكلِّ أحد يُفضي إلى اختلال النظام وشيوع الهرج والمرج وهو من أعظم الفساد الذي شُرِّعت الحدود لغرض القطعِ لمادته، وقد نصّت بعض الروايات على أنَّه ليس لكلِّ أحد التصدِّي لإقامة الحدود كصحيحة دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ (ص) قَالُوا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتَ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِكَ رَجُلاً مَا كُنْتَ صَانِعاً بِه؟ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُه بِالسَّيْفِ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه (ص) فَقَالَ: مَا ذَا يَا سَعْدُ؟! قَالَ سَعْدٌ: قَالُوا: لَوْ وَجَدْتَ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِكَ رَجُلاً مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِه فَقُلْتُ: أَضْرِبُه بِالسَّيْفِ فَقَالَ: يَا سَعْدُ وكَيْفَ بِالأَرْبَعَةِ الشُّهُودِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه بَعْدَ رَأْيِ عَيْنِي وعِلْمِ اللَّه أَنَّه قَدْ فَعَلَ قَالَ: إِي واللَّه بَعْدَ رَأْيِ عَيْنِكَ وعِلْمِ اللَّه أَنَّه قَدْ فَعَلَ لأَنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدّاً وجَعَلَ لِمَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ حَدّاً"(5).

ومن ذلك يتبيَّن أنَّ إقامة الحدود إنَّما هي لمن له الأمر والقدر المتيقن منه هو الفقيه الجامع للشرائط كما أفادت ذلك مثل معتبرة إسحاق بن يعقوب قال: سألتُ محمد بن عثمان العمري أنْ يُوصل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أمَّا ما سألتَ عنه أرشدك الله وثبتك -إلى أنْ قال:- وأمَّا الحوادثُ الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجتي عليكم وأنَّا حجة الله .."(6) ولا إشكال في أنَّ مسائل القضاء وفصل الخصومات وإقامة الحدود والتعزيرات التي فرضتها الشريعة لكلِّ زمانٍ ومكانٍ هي من أجلى مصاديق الحوادث الواقعة والتي أرجع الإمام(ع) أمرها إلى الفقهاء، فإنَّهم المقصودون برواة حدينا بمقتضى مناسبات الحكم والموضوع .

وكذلك يُمكن تأييد أنَّه ليس لأيِّ أحد إقامة الحدود وأنَّ إقامتها إنَّما هي لمن له الحكم، يمكن تأييد ذلك برواية حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلتُ: من يُقيم الحدود؟ السلطان؟ أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"(7).

والقدر المتيقَّن ممَّن له الحكم هو الفقيه الجامع كما نصَّت على ذلك معتبرة محمد بن إسحاق المتقدِّمة، ومقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:".. ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامَنا فليرضوا به حاكما، فانِّي قد جعلتُه عليكم حاكماً .."(8).

ومعتبرة أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ ولَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوه بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُه قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْه"(9).

مناقشة رواية الدعائم والأشعثيات:

وأمَّا ما رويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن عليٍّ (عليهم السلام) أنَّه قال:" لا يصلحُ الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام"(10) فمضافاً إلى ضعف رواية الدعائم بالإرسال، وضعف رواية الأشعثيات لعدم ثبوت أنَّ ما بأيدينا هو ذاته كتاب محمّد بن محمّد الأشعث المروي عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه إسماعيل عن أبيه عن آبائهم (عليهم السلام) فمضافاً لذلك هو منافاة ما اشتملت الرواية لما هو معلوم من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) أنَّ للفقيه الجامع للشرائط الحكم وما نصَّت عليه الروايات من أنَّ للعدل أو لا أقل الفقيه العدل الإقامة للجمعة، وعليه فلا يبعد أنَّ المراد من الرواية هو أنَّ الحكم والحدود والجمعة هي من مناصب الإمام (ع) وأنَّه لا يسوع التقمُص لهذه المناصب دون إذن منه بالإذن الخاص أو العام.

والحمد لله ربِّ العالين

الشيخ محمد صنقور

21 / ربيع الآخر / 1447ه

14 / أكتوبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج21 / ص394.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج21 / ص394.

3- سورة النور / 1.

4- سورة المائدة / 38.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص176، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص14.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص140.

7- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص72، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص300. 

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص412، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص300. 

9- الكافي -الكليني- ج7 / ص412، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج27 / ص14.

10- دعائم الإسلام -القاضي النعمان المغربي - ج1 / ص182، الاشعثيات مستدرك الوسائل -النوري- ج17 / ص402.