هل يستحقُّ الأبُ الحدَّ بقذف ابنه

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يستحقُّ الأبُ حدَّ القذف إذا قذف ابنه بالفاحشة؟

الجواب:

إذا قذف الأبُ ابنَه فقد فعل حراماً ويستحقُّ لذلك التعزير بما يراه الحاكم الشرعي ولكنَّه لا يسحقُّ حدَّ القذف كما نصَّت على ذلك صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَذَفَ ابْنَه بِالزِّنَى؟ قَالَ: لَوْ قَتَلَه مَا قُتِلَ بِه، وإِنْ قَذَفَه لَمْ يُجْلَدْ لَه، قُلْتُ: فَإِنْ قَذَفَ أَبُوه أُمَّه؟ فَقَالَ: إِنْ قَذَفَهَا وانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا تَلَاعَنَا، ولَمْ يُلْزَمْ ذَلِكَ الْوَلَدَ الَّذِي انْتَفَى مِنْه، وفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ولَمْ تَحِلَّ لَه أَبَداً، قَالَ: وإِنْ كَانَ قَالَ لِابْنِه وأُمُّه حَيَّةٌ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ ولَمْ يَنْتَفِ مِنْ وَلَدِهَا جُلِدَ الْحَدَّ لَهَا ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، قَالَ: وإِنْ كَانَ قَالَ لِابْنِه: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وأُمُّه مَيِّتَةٌ ولَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَأْخُذُ بِحَقِّهَا مِنْه إِلَّا وَلَدُهَا مِنْه فَإِنَّه لَا يُقَامُ عَلَيْه الْحَدُّ لأَنَّ حَقَّ الْحَدِّ قَدْ صَارَ لِوَلَدِه مِنْهَا، وإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِه فَهُوَ وَلِيُّهَا يُجْلَدُ لَه، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِه وكَانَ لَهَا قَرَابَةٌ يَقُومُونَ بِأَخْذِ الْحَدِّ جُلِدَ لَهُمْ"(1).

فقوله (ع): ".. وإِنْ قَذَفَه لَمْ يُجْلَدْ لَه .." دلَّ على أنَّ الأب لا يجلد الحدَّ بقذف ابنه، ثم تصدَّت الرواية لبيان الحكم لو قذف الأب أمَّ ولده كما لو قال لولده يا ابن الزانية فإنَّ لذلك فروضاً:

الفرض الأول: أنْ يقذفها وينتفي من ولدها، وهنا يتعيَّن عليه ملاعنتها، فإنْ لاعنها انتفى من ولدها وفِّرِّق بينه وبينها، فلا تحلُّ له أبداً، وإنْ لم يُلاعنها لم يفرَّق بينهما، ويكون مستحقَّا لحدِّ القذف، رعايةً لحقِّها دون الولد فذلك هو مفاد قوله (ع): "إِنْ قَذَفَهَا وانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا تَلَاعَنَا، ولَمْ يُلْزَمْ ذَلِكَ الْوَلَدَ الَّذِي انْتَفَى مِنْه، وفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ولَمْ تَحِلَّ لَه أَبَداً، قَالَ: وإِنْ كَانَ قَالَ لِابْنِه وأُمُّه حَيَّةٌ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ ولَمْ يَنْتَفِ مِنْ وَلَدِهَا جُلِدَ الْحَدَّ لَهَا ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا".

الفرض الثاني: أنْ يقذف أمَّ ولده بعد موتها فإذا لم يكن لها ولدٌ من غيره ولم يكن لها قرابةٌ يقومون بحقِّها لم يكن لولدها المطالبة بالحدِّ، لأنَّ حقَّها قد صار لولدها، فيسقط لأنَّ القاذف أبوه.

الفرض الثالث: أنْ يقذف الأب أمَّ ولده الميِّتة ويتَّفق أن يكون لهذه الأم ولدٌ من غيره، فهنا يستحقُّ هذا الابن المطالبة بحقِّ أمِّه لأنَّ القاذف ليس أباً له وإنَّما هو أبٌ لأخيه، لذلك فهو يستحقُّ المطالبة بحق أمِّه في إقامة الحدِّ على مَن قذفها، وهذا هو معنى قوله (ع): "وإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِه فَهُوَ وَلِيُّهَا يُجْلَدُ لَه".

الفرض الرابع: أنْ لا يكون للأم الميِّتة المقذوفة ولدٌ من غير القاذف إلا أنَّ لها قرابة، ففي مثل هذا الفرض يكون لهم حقُّ المطالبة بإقامة الحدِّ على مّن قذف قريبتهم، وهذا هو مفاد قوله (ع): "وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِه وكَانَ لَهَا قَرَابَةٌ يَقُومُونَ بِأَخْذِ الْحَدِّ جُلِدَ لَهُمْ".

وخلاصة القول: إنَّ الأب لا يُجلد الحدَّ بقذف ولده، وكذلك لا يجلد لو قذف أمَّه الميِّتة لو لم يكن لها من قرابتها سوى ولدها، وذلك لأنَّ حقَّها صار إلى ولدها، والولد لا يستحقُّ الحدَّ على أبيه.

شمول الحكم للجد من جهة الأب:

ثم إنَّ الأب هل يختصُّ بالمباشر أو يشمل الجدَّ من جهة الأب، فلو قذف الجدُّ من جهة الأب ولد ابنه هل يكون له حقُّ المطالبة بإقامة حدِّ القذف على جدِّه؟

استقرب صاحب الجواهر(2) -وفاقاً للعلامة في التحرير والشهيد في القواعد- عدم اختصاص الحكم بالمباشر، وذلك لصدق عنوان الأب عرفاً ودون عناية على الجد من جهة الأب، فولد الولد ولدٌ للجد حقيقة وعرفاً، فيشمله قول الإمام (ع): "وإِنْ قَذَفَه لَمْ يُجْلَدْ لَه" ويُؤكد ذلك أنَّه لا يُقتل به، وأنَّه مساوٍ للأب المباشر في الحرمة.

ثم إنَّ الولد لو قذف أباه أو جدَّه أو أحداً من أقربائه فإنَّه يكون مستحقَّاً لحدِّ القذف دون إشكال، وذلك للعمومات(3) الدالَّة على أنَّ كل من قذف مُحصناً فعليه حدُّ الفِرية، وليس من دليلٍ يقتضي استثناء هذا المورد كما هو الشأن في قذف الأب لولده.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

16 / ربيع الآخر / 1447ه

19 / أكتوبر / 2025م


1- الكافي -الكليني- ج7 / ص213، وسائل الشيعة -الحرُّ العاملي- ج28 / ص196.

2- جواهر الكلام -الشخ حسن النجفي- ج41 / ص419.

3- مثل صحيحة عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الفرية ثلاث -يعني: ثلاث وجوه:- إذا رمى الرجل الرجل بالزنا، وإذا قال: إن أمه زانية، وإذا دعا لغير أبيه، فذلك فيه حدٌّ ثمانون" وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج28 / ص176، ومثل صحيحة حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: القاذف يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أبدا إلا بعد التوبة أو يكذب نفسه .." وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص177.