قذفَ جماعةً بلفظٍ واحد

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

لو أنَّ رجلاً امرأة قذفَ أو قذفتْ جماعةً بلفظٍ واحد كما لو قال هؤلاءِ زناة أو أنتم زناة، فهل يتعدَّد الحدُّ بعدد أفراد الجماعة أو لا يلزم القاذف سوى حدٍّ واحد عن المجموع؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم هو التفصيل بين ما إذا أخذوه للقضاء مجتمعين وبين ما أذا طالب كلُّ فرد من المجموع على حدة بحقِّه في إقامة الحد عليه ففي الفرض الأول لا يستحقُّ القاذف سوى حدٍّ واحدٍ عن المجموع، وفي الفرض الثاني يُضرب القاذف الحدَّ عن كلِّ فرد من المجموع طالب بحقِّه في إقامة الحدِّ عليه، فهذا هو ما عليه المشهور بل أفاد صاحب الجواهر(1) أنَّه لا خلاف معتدٌ به في ذلك، ونسب إلى ابن زهرة في الغنية وإلى ابن إدريس الحلِّي في السرائر دعوى الإجماع على التفصيل المذكور

مستند المشهور على التفصيل:

والمُستند في ذلك هو صحيحة جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ افْتَرَى عَلَى قَوْمٍ جَمَاعَةً قَالَ: "إِنْ أَتَوْا بِه مُجْتَمِعِينَ ضُرِبَ حَدّاً وَاحِداً، وإِنْ أَتَوْا بِه مُتَفَرِّقِينَ ضُرِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدّاً"(2).

فالرواية صريحة في التفصيل المذكور ومفروضها أنَّ القاذف افترى على قوم جماعة، وظاهر ذلك أنَّه افترى عليهم بجملة واحدة، فذلك هو المستظهَر من قوله: "افْتَرَى عَلَى قَوْمٍ جَمَاعَةً" إذ لو كان المراد من ذلك أنَّه افترى على كلِّ واحدٍ على حدة لم يكن معنى لقوله: "جماعة" أذ يكفي أنْ يقول "افترى على قوم" فكلمة جماعة متعلق بالافتراء فيكون مفاد العبارة أنَّه وجَّه فرية واحدة لقوم .

وكذلك يُمكن الاستدلال بمعتبرة مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ وموثقة سماعة عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ افْتَرَى عَلَى قَوْمٍ جَمَاعَةً؟ قَالَ: فَقَالَ: "إِنْ أَتَوْا بِه مُجْتَمِعِينَ ضُرِبَ حَدّاً وَاحِداً، وإِنْ أَتَوْا بِه مُتَفَرِّقِينَ ضُرِبَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَدّاً"(3).

وأمَّا موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قضى أميرُ المؤمنين عليه السلام في رجلٍ افترى على نفرٍ جميعاً فجلده حدَّاً واحداً"(4) فتُحمل -كما أفاد الشيخ الطوسي (5)-على ما أذا قذفهم بلفظ واحد وأتوا به مجتمعين، وذلك لأنَّها مطلقة فتكون صحيحة جميل ومعتبرة حمران وسماعة مقتضيتان لتقييدها.

وأمَّا رواية بريد عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يقذفُ القوم جميعاً بكلمة واحدة قال له: إنْ لم يسمِّهم فإنَّما عليه حدٌّ واحدٌ، وإنْ سمَّى فعليه لكلِّ رجل حد"(6) فإنَّ مقتضى إطلاق قوله: "وإنْ سمَّى فعليه لكلِّ رجل حدٌّ" هو أنَّ عليه لكلِّ رجل حدَّاً سواءً جاؤوا به مجتمعين أو متفرقين، وحيث أن الرواية متصدية للتفصيل لذلك تكون منافية للروايات السابقة لذلك يتعيَّن طرحها لإعراض المشهور عن العمل بها بل لا يبعد كونها شاذة، على أنَّ سندها لا يخلو من إشكال، وذلك لاشتمالها في بعض نسخ التهذيب على أبي الحسن الشامي الذي لم يرد فيه توثيق، نعم لو صحَّ ما في بعض النسخ من أنَّه أبو الحسن السائي وهو علي بن سويد فإنَّ الرواية تكون معتبرة سنداً إلا أنَّه لم يثبت ما هو الصحيح من النسخ .

قذف جماعة كلاً على حدة:

هذا فيما لو كان الفرض أنَّه قذف جماعة من الناس بلفظٍ واحد، وأمَّا لو قذف جماعة مجتمعين كلاً على حدة بأن سمَّى كلَّ فردٍ منهم وقذفه أو أشار لكلِّ واحدٍ ثم قذفه فهنا يكون لكلِّ واحدٍ حدٌّ سواءً جاؤوا به مجتمعين أو متفرِّقين، والظاهر عدم الخلاف بين الفقهاء في ذلك -كما أفاد صاحب الجواهر(7)- إلا ما ينسب للإسكافي من القول بالتفصيل بين ما إذا جاؤوا به مجتمعين وما إذا جاؤوا به متفرقين.

ومستند المشهور في ذلك -مضافاً إلى أنَّ ذلك هو مقتضى القاعدة وهي تعدُّد الحكم بتعدد الموضوع- هو صحيحة الْحَسَنِ الْعَطَّارِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): رَجُلٌ قَذَفَ قَوْماً؟ قَالَ: قَالَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ، يُضْرَبُ حَدّاً وَاحِداً، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَذْفِ ضُرِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدّا"(8).

فقوله (ع): "فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَذْفِ ضُرِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدّا" ظاهرٌ في أنَّه مستحِقٌّ عن كلِّ واحدٍ قذفَه حدٌّ سواءً جاؤوا به مجتمعين أو متفرِّقين، ولا يصحُّ تقييد الإطلاق بمثل صحيحة جميل لاختلاف مفروض الروايتين، فمفروض صحيحة جميل هو القذف بلفظٍ واحد، وأما مفروض صحيحة العطار فهو تعدُّد القذف.

نعم صدر الصحيحة هو القذف بكلمة واحدة، ولهذا يتعيَّن تقييدها بصحيحة جميل بأنْ يقال إنَّ قوله: "يُضْرَبُ حَدّاً وَاحِداً" محمول على ما إذا جاؤوا به مجتمعين.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

27 / ربيع الآخر / 1447ه

20 / أكتوبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص421.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص209، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص192.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص210، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص192.

4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص69، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص193.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص69.

6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص69، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص193.

7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص420.

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص210، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص192.