عفو المقذوف ورجوعه عن عفوه

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمد

المسألة:

إذا عفا المقذوف عمَّن قذفَه فهل له أنْ يرجع عن عفوه ويُطالب بإقامة الحدِّ عليه؟

الجواب:

لا إشكال في سقوط الحدِّ عن القاذف بعفو المقذوف، وذلك لأنَّ مثل هذا الحدِّ من حقوق الناس، ولهذا تكون قابلةً للسقوط بالإسقاط من ذي الحقِّ كما نصَّت على ذلك مثل صحيحة ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: لَا يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّه دُونَ الإِمَامِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حَقِّ النَّاسِ فِي حَدٍّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْفَى عَنْه دُونَ الإِمَامِ"(1).

ومقتضى إطلاق الصحيحة وكذلك مقتضى إطلاق موثقتي سماعة الآتيتين عدم الفرق -في تحقق السقوط بالإسقاط- بين وقوع العفو قبل المرافعة أو بعدها إلا أنَّه ورد في مقابل ذلك ما يظهرُ منه عدم السقوط بالعفو بعد المرافعة، وهي معتبرة حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ نِصْفَ جَارِيَتِه ثُمَّ قَذَفَهَا بِالزِّنَى؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَى عَلَيْه خَمْسِينَ جَلْدَةً، ويَسْتَغْفِرَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ مِنْ فِعْلِه، قُلْتُ: أرَأَيْتَ إِنْ جَعَلَتْه فِي حِلٍّ مِنْ قَذْفِه إِيَّاهَا وعَفَتْ عَنْه؟ قَالَ: لَا ضَرْبَ عَلَيْه إِذَا عَفَتْ عَنْه مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْفَعَه"(2).

فلو تمَّت هذه الرواية فإنَّها تقتضي عدم سقوط الحدِّ لو كان العفو بعد المطالبة لدى الحاكم الشرعي بإقامة الحدِّ على القاذف إلا أنَّ الرواية فاقدة -ظاهراً- للاعتبار لإعراض المشهور عن العمل بها.

وهل للمقذوف الحقُّ في الرجوع عن عفوه؟

الظاهر هو عدم استحقاقه للرجوع عن عفوه كما نصَّت على ذلك موثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ فَيَعْفُو عَنْه ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَجْلِدَه بَعْدَ الْعَفْوِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَه أَنْ يَجْلِدَه بَعْدَ الْعَفْوِ"(3).

وكذلك نصَّت عليه موثقة سَمَاعَةَ الأخرى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَقْذِفُ الرَّجُلَ بِالزِّنَى فَيَعْفُو عَنْه ويَجْعَلُه مِنْ ذَلِكَ فِي حِلٍّ ثُمَّ إِنَّه بَعْدُ يَبْدُو لَه فِي أَنْ يُقَدِّمَه حَتَّى يَجْلِدَه؟ قَالَ: فَقَالَ: لَيْسَ لَه حَدٌّ بَعْدَ الْعَفْوِ، فَقُلْتُ لَه: أرَأَيْتَ إِنْ هُوَ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ فَعَفَا عَنْه وتَرَكَ ذَلِكَ لِلَّه؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ أُمُّه حَيَّةً فَلَيْسَ لَه أَنْ يَعْفُوَ، الْعَفْوُ إِلَى أُمِّه مَتَى شَاءَتْ أَخَذَتْ بِحَقِّهَا قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ أُمُّه قَدْ مَاتَتْ فَإِنَّه وَلِيُّ أَمْرِهَا يَجُوزُ عَفْوُه"(4).

ومقتضى إطلاق الموثقتين هو عدم الفرق بين الرجوع قبل المرافعة أو بعدها ففي كلا الفرضين لا يحقُّ للمقذوف الرجوع عن عفوه، ولو رجع لم يكن لرجوعه اعتبار، كما هو الواضح من مثل قوله (ع): "لَيْسَ لَه حَدٌّ بَعْدَ الْعَفْوِ" وهذا هو ما عليه مشهور الفقهاء إلا ما يُنسب للشيخ الطوسي ويحيى بن سعيد -كما في الجواهر(5)- من استثناء عفو الزوجة إذا وقع بعد المرافعة فإنَّه ليس لها أنْ تعفو، واستُدل لذلك بصحيحة محمد بن مسلم قال: سألتُه عن الرجل يقذفُ امرأته؟ قال: يُجلد، قلتُ: أرأيتَ إنْ عفتْ عنه؟ قال: لا، ولا كرامة"(6).

إلا أنَّ ظاهر الصحيحة هو عدم نفوذ عفو الزوجة مطلقاً بعد المرافعة أو قبلها، فلا وجه لتخصيص عدم نفوذ العفو بما بعد المرافعة. وعليه لو كان مستند الاستثناء هو هذه الرواية لكان مقتضاها هو أنَّ للمقذوف الحقَّ في العفو عمَّن قذفه إلا الزوجة فإنَّه ليس لها أنْ تعفو عن زوجِها إذا قذفها مطلقاً قبل المرافعة وبعدها. ولهذا نُسب للشيخ الصدوق البناء على عدم نفوذ عفو الزوجة مطلقاً(7).

وقد أُجيب عن الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم على عدم نفوذ عفو الزوجة بأنَّ الرواية مجملة فقوله (ع): "لا، ولا كرامة" كما يحتمل إرادة أنَّه لا حقَّ لها في العفو كذلك يُحتمل أنَّه لا حقَّ لها في جلده بعد أنْ عفتْ عنه.

وبتعبير آخر: حين سأل ابن مسلم الإمام (ع) عن الرجل يقذفُ امرأته أجابه الامام(ع) بقوله: "يجلد" وحين سأله وماذا لو عفت عنه أجابه الإمام (ع) بقوله: "لا" ومعنى "لا" يحتمل أنَّه لا يُجلد ولا كرامة لها بعد أن أسقطت حقَّها، ويحتمل أنَّه ليس لها أنْ تعفو، ولا كرامة لقاذف زوجته.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

28 / ربيع الآخر / 1447ه

21 / أكتوبر / 2025م


1- الكافي -الكليني- ج7 / ص252، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص40.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص208، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج23 / ص100.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص253، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص207.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص252، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص41. 

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص425.

6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص80، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص207.

7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص426.