وراثة حدِّ القذف

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قذف أحدهم رجلاً أو امرأة ومات المقذوف دون أن يعفو أو يستوفي حقَّه ممن قذفه فهل لأوليائه المطالبة بحقِّه في إقامة الحد على القاذف؟

الجواب:

الظاهر هو عدم الخلاف -كما أفاد صاحب الجواهر- في استحقاق أولياء المقذوف للمطالبة بحق وليِّهم في إقامة الحد على القاذف بل أفاد صاحب الجواهر أنَّ الإجماع بقسميه منعقد على ذلك(1).

والمستند في ذلك موثقة عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: إِنَّ الْحَدَّ لَا يُورَثُ كَمَا تُورَثُ الدِّيَةُ والْمَالُ والْعَقَارُ ولَكِنْ مَنْ قَامَ بِه مِنَ الْوَرَثَةِ فَطَلَبَه فَهُوَ وَلِيُّه، ومَنْ تَرَكَه فَلَمْ يَطْلُبْه فَلَا حَقَّ لَه، وذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ قَذَفَ رَجُلاً ولِلْمَقْذُوفِ أخٌ (أَخوَان) فَإِنْ عَفَا عَنْه أَحَدُهُمَا كَانَ لِلآخَرِ أَنْ يَطْلُبَه بِحَقِّه، لأَنَّهَا أُمُّهُمَا جَمِيعاً والْعَفْوُ لَهُمَا جَمِيعاً"(2).

وكذلك موثقة عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ الثانية قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ يَعْنِي الزِّنَى، وكَانَ لِلْمَقْذُوفِ أَخٌ لأَبِيه وأُمِّه فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنِ الْقَاذِفِ وأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَدِّمَه إِلَى الْوَالِي ويَجْلِدَه أكَانَ ذَلِكَ لَه فَقَالَ: ألَيْسَ أُمُّه هِيَ أُمَّ الَّذِي عَفَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَفْوَ إِلَيْهِمَا جَمِيعاً إِذَا كَانَتْ أُمُّهُمَا مَيِّتَةً فَالأَمْرُ إِلَيْهِمَا فِي الْعَفْوِ، فَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً فَالأَمْرُ إِلَيْهَا فِي الْعَفْوِ"(3).

ودلالتهما على المطلوب واضحة ولا يعارضهما ما ورد في معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: الْحَدُّ لَا يُورَثُ"(4) فإنَّ المراد -بقرينة موثقتي عمار- من قوله (ع): "الحدُّ لا يورث" هو أنَّ وراثته ليست على حدِّ وراثة المال، فإنَّ ورثة المال لو أسقط أحدهم حقه فإنَّه ليس للوارث الآخر المطالبة بأكثر من حصته، وأما وراثة الحدِّ فإنَّ بعض الورثة لو عفا وأسقط حقه كان للوارث الآخر الحقُّ في المطالبة باستيفاء الحدِّ كاملاً، وهذا هو معنى قوله (ع): "إِنَّ الْحَدَّ لَا يُورَثُ كَمَا تُورَثُ الدِّيَةُ والْمَالُ والْعَقَارُ ولَكِنْ مَنْ قَامَ بِه مِنَ الْوَرَثَةِ فَطَلَبَه فَهُوَ وَلِيُّه، ومَنْ تَرَكَه فَلَمْ يَطْلُبْه فَلَا حَقَّ لَه" وقوله (ع): ".. فَإِنْ عَفَا عَنْه أَحَدُهُمَا كَانَ لِلآخَرِ أَنْ يَطْلُبَه بِحَقِّه، لأَنَّهَا أُمُّهُمَا جَمِيعاً".

فإنْ تمَّ حمل ما ورد في معتبرة السكوني على هذا المعنى وإلا فهي معارضة لموثقتي عمار ويكون الترجيح للموثقتين وذلك لموافقة نفي الوراثة للحد ما عليه فتوى بعض العامَّة كما أفاد صاحب الجواهر(5) أو يقال بأن موثقة السكوني ساقطة في نفسها عن الحجيَّة لإعراض المشهور شهرة عظيمة عن العمل بمضمونها هذا إذا لم نقل بشذوذها. فمعارضتها لموثقتي عمار من معارضة الحجَّة مع اللا حجَّة.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

29 / ربيع الآخر / 1447ه

22 / أكتوبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص424.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص255، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص45.

3- الكافي -الكليني- ج7/ 253، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص208.

4- الكافي -الكليني- ج7/ 255، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص45.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص424.