كيفيَّة جلدِ القاذف الحدَّ

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يجرَّد القاذف حين جلده الحدَّ كما هي كيفية جلد الزاني أو يجلد في ثيابه؟

الجواب:

الظاهر عدم الخلاف بين الفقهاء(1) في أنَّ القاذف يُجلد الحدَّ بثيابه، فلا يُجرَّد منها، واستظهر الفاضل الهندي في كشف اللثام اتَّفاق الفقهاء على ذلك(2).

مستندُ المشهور للبناء على أنَّ القاذف يُجلد بثيابه:

والمستند في ذلك روايات مستفيضة عن أهل البيت (ع):

منها: موثقة إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (ع) عَنِ الزَّانِي كَيْفَ يُجْلَدُ؟ قَالَ: أَشَدَّ الْجَلْدِ قُلْتُ: فَمِنْ فَوْقِ ثِيَابِه؟ قَالَ: بَلْ يُخْلَعُ ثِيَابُه قُلْتُ: فَالْمُفْتَرِي؟ قَالَ: يُضْرَبُ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ يُضْرَبُ جَسَدُه كُلُّه فَوْقَ ثِيَابِه"(3).

ومنها: موثَّقة أخرى لإِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ: "الْمُفْتَرِي يُضْرَبُ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ يُضْرَبُ جَسَدُه كُلُّه فَوْقَ ثِيَابِه"(4).

ومنها: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ: حَدُّ الْيَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ والْمَمْلُوكِ فِي الْخَمْرِ والْفِرْيَةِ سَوَاءٌ، وإِنَّمَا صُولِحَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْرَبُوهَا فِي بُيُوتِهِمْ قَالَ: وسَأَلْتُه عَنِ السَّكْرَانِ والزَّانِي؟ قَالَ: يُجْلَدَانِ بِالسِّيَاطِ مُجَرَّدَيْنِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، فَأَمَّا الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ فَيُجْلَدُ عَلَى ثِيَابِه ضَرْباً بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ"(5).

ومنها: معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) "أَمَرَ رَسُولُ اللَّه (ص) أَنْ لَا يُنْزَعَ شَيْءٌ مِنْ ثِيَابِ الْقَاذِفِ إِلَّا الرِّدَاءُ"(6) ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن الشعيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام)(7).

المناقشة في دلالة صحيحة محمد بن قيس:

فهذه الروايات ظاهرة في عدم مشروعيَّة تجريد القاذف من ثيابه حين جلده الحدَّ إلا أنَّه وردتْ في مقابل ذلك صحيحة لمحمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: "قضى أميرُ المؤمنين عليه السلام في المملوك يدعو الرجل لغير أبيه قال: أرى أنْ يعرَّى جلده قال: وقال في رجلٍ دُعي لغير أبيه. أقمْ بينتَك أُمكِّنكَ منه، فلمَّا أتى بالبيِّنة قال: إنَّ أمَّه كانت أمةً قال: ليس عليك حدٌّ، سبَّه كما سبَّك، واعفُ عنه إنْ شئت"(8).

فقوله: "أرى أنْ يعرَّى جلده" قد يُستظهر منه جواز تعرية القاذف حين جلده الحدَّ إلا أنَّ الوارد في نسخة التهذيب التي لدى صاحب كتاب الوافي "أرى أنْ يفري جلده"(9) وكذلك أشار صاحب الجواهر(10) إلى اختلاف نسخ التهذيب، وعليه فمِن غير المُحرز ما هو الصادر عن الإمام (ع) لو صحَّت الرواية، وهي لا تصحُّ متناً لاشتمالها على ما لا يقبل التصديق فقد اشتمل ذيلها على أمر الإمام (ع) للمقذوف بقذف مَن قذفَه أي تسويغ ذلك له مقابل قذفه لأمِّه، وهو ما لا يجوز القبول بصدوره عن الإمام (ع) لمنافاته لظاهر القرآن المجيد الذي نهي عن القذف، فالقاذف إمَّا أن يكون مستحقَّاً للحدِّ أو التعزير إذا انتفت بعض شرائط ما يوجب الحدِّ، ووظيفة الإمام (ع) بعد مطالبة المقذوف بحقِّه هو إقامة الحدِّ أو التعزير أو النصح لذي الحقِّ بالعفو، وأمَّا الأمر له بسبِّه وقذفه فهو ما لا يقبل التصديق بصدوره عن الإمام (ع) لمنافاته لظاهر القرآن.

ولهذا أفاد الشيخ الطوسي رحمه الله في التهذيب تعليقاً على الخبر المذكور بقوله: "هذا الخبر ضعيف مخالفٌ لما قدمناه من الأخبار الصحيحة ولظاهر القرآن، فلا ينبغي أنْ يعمل عليه، على أنَّ فيه ما يضعِّفه وهو أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام أمر الخصم أن يسبَّ خصمَه كما سبَّه، ولا يجوز منه عليه السلام أنْ يأمر بذلك، بل الذي إليه أنْ يأخذ له بحقِّه من خصمه بانْ يُقيم عليه الحدَّ إنْ كان ممَّن وجب عليه ذلك أو يُعزِّره إنْ لم يكن، فأمَّا أنْ يأمره بالسباب فذلك ممَّا لا يجوز على حال"(11).

توجيه صحيحة محمد بن قيس:

هذا بناءً على استظهار الأمر بالقذف من قوله: "سبَّه كما سبَّك، واعفُ عنه إنْ شئت" إلا أنَّه يمكن أنْ يقال -كما قيل- أنَّ مفاد الرواية أنَّ رجلاً ادَّعى على آخر أنَّه نسبه إلى غير أبيه يعني أنَّه رمى أمَّه بالزنا فطلب منه الإمام (ع) البيِّنة، فلما جاء بالبيِّنة شهدتْ أنَّ الرجل قال للمدَّعي أمُّك أمةٌ ولم يشهدوا أنَّه نسبه لغير أبيه كما ادَّعى فجاء جواب الإمام (ع) أنَّه ليس على المدَّعى عليه حدٌّ فهو إنَّما تنقَّص من المدَّعي فله أنْ يتنقَّص منه، وله أن يعفو. وبناءً على ذلك لا تكون الرواية مشتملة على المحذور المتقدم.

نعم لا يصحُّ الاستدلال بصدرها على جواز تعرية القاذف حين إقامة حدِّ الجلد عليه، وذلك لاختلاف نسخ الرواية. فالمتعيَّن هو ما نصَّت عليه الروايات المستفيضة من عدم مشروعيَّة تجريد القاذف حين جلده الحدَّ، وكذلك فإنَّه يُضرب وسطاً بين الحدَّين كما نصَّت عليه مثل موثقة إسحاق بن عمار وصحيحة أبي بصير.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

30 / ربيع الآخر / 1447ه

23 / أكتوبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص429.

2- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص536.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص213، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص92.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص183، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص197. 

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص216، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص231.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص183، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص197.

7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص197.

8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ص88.

9- الوافي -الفيض الكاشاني- ج15 / ص378.

10- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص416. 429.

11- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص88.