ثبوتُ الحدِّ بتناول المُسكر ولو من غير طريق الشرب
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
لو تناول المكلَّفُ الخمر أوشيئاً ولكن من غير طريق الشرب فهل يثبتُ عليه الحدُّ؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لا فرق في ثبوت الحدِّ بين تناول الخمر من طريق الشرب أو من طريقٍ آخر لا يصدقُ عليه عنوان الشرب، فإنَّ الروايات وإنْ ذكرت أنَّ موضوع وجوب الحدِّ هو الشرب للخمر إلا أنَّ المتفاهم العرفي من هذه الخطابات هو أنَّ موضوع وجوب الحدِّ هو تناول الخمر وإدخاله في الجوف سواءً كان ذلك من طريق الشرب كما هو الغالب أو كان من طريقٍ آخر كما لو صيَّر الخمر جامداً فأكله أو ابتلعه أو وضع الخمر في قنينةٍ قابلةٍ للبلع وابتلعها، وكذلك لو صبغ الخبز بالخمر مثلاً أو غمسَه في الخمر وأكله فإنَّه يصدقُ في تمام هذه الأمثلة التناول للخمر والمُسكر والذي هو موضوع وجوب الحدِّ بحسب ما هو المتفاهم عرفاً من الروايات، إذ لا نحتمل أنَّ لعنوان الشرب خصوصيَّة.
على أنَّ ثمة عدداً من الروايات لم تأخذ عنوان الشرب في موضوع وجوب الحدِّ بل أفادت أنَّ الموضوع لوجوب الحدِّ هو الخمر والنبيذ المسكر كصحيحة سليمان بن خالد قال: " كان أميرُ المؤمنين (عليه السلام) يجلدُ في النبيذ المُسكر ثمانين كما يضربُ في الخمر، ويقتلُ في الثالثة كما يقتلُ صاحبَ الخمر"(1).
وموثَّقة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: "كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ والنَّبِيذِ ثَمَانِينَ .."(2).
وموثَّقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: "كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَجْلِدُ الْحُرَّ والْعَبْدَ والْيَهُودِيَّ والنَّصْرَانِيَّ فِي الْخَمْرِ والنَّبِيذِ ثَمَانِينَ .."(3).
فهذه الرواياتُ وشبهها لم تأخذ عنوان الشرب في موضوع وجوب الحدِّ، ولهذا يثبت الحدُّ بتناول الخمر والمسكر وإنْ لم يكن من طريق الشرب.
اشتمال الطعام أو الشراب على شيء من المُسكر:
نعم يقع الإشكال في فرض جعل الخمر أو المسكر ضمن طعامٍ أو شرابٍ بنحو يُصبح فيه الخمرُ مستهلكاً كما لو وضع مقداراً يسيراً من الخمر في كرٍّ من الماء أو عُجن مقداراً يسيراً من الخمر في الخبز أو غيره الأطعمة بحيث لا يصدقُ على متناول هذا الشراب أو هذا الطعام أنَّه قد تناولَ المُسكر ففي هذا الفرض قد يُقال بعدم وجوب الحدِّ وإن كان التناول لمثل هذا الطعام أو هذا الشراب محرَّماً.
أمَّا الحرمة فلأنَّ موضوعَها هو تناول الخمر وتناول ما فيه الخمر كما دلَّت على ذلك مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: استأذنتُ لبعض أصحابنا على أبي عبد الله (عليه السلام) -إلى أنْ قال:- فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام، فقال له الرجل: فأكسرُه بالماء؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): لا، وما للماء يحلّل الحرام، اتّقِ الله ولا تشربْه" (4) وكذلك رواية عُمَرَ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) مَا تَرَى فِي قَدَحٍ مِنْ مُسْكِرٍ يُصَبُّ عَلَيْه الْمَاءُ حَتَّى تَذْهَبَ عَادِيَتُه، ويَذْهَبَ سُكْرُه؟ فَقَالَ: لَا واللَّه ولَا قَطْرَةٌ تَقْطُرُ مِنْه فِي حُبٍّ إِلَّا أُهَرِيقَ ذَلِكَ الْحُبُّ"(5) فثبوتُ الحرمة لما اشتمل عليه الخمر والمسكر -وإنْ كان مستهلكاً- ممَّا لا إشكال فيه.
وأمَّا الحدُّ فقد يُقال بعدم ثبوته في مثل هذا الفرض، وذلك لأنَّ موضوع وجوب الحدِّ هو تناولُ الخمر أو المسكر، والواضح أنَّ مَن تناولَ طعاماً أو شراباً مشتملاً على الخمر أو المسكر وكان مستهلكاً فيه لا يصدقُ عليه أنَّه قد تناول الخمر أو المسكر. نعم هو تناول طعاماً أو شراباً محرَّماً لاشتماله على الخمر ولكنَّه لم يتناول خمراً والذي هو موضوع وجوب الحدِّ.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
9 / جمادى الأولى / 1447ه
1 / نوفمبر / 2025م
1- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص97، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص236
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص215، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص214.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص215، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص217.
4- الكافي- الكليني- ج6 / ص410، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج25 / ص339.
5- الكافي- الكليني- ج6 / ص410، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج25 / ص341.