إلحاق العصير العنبيِّ بالخمر في وجوب الحد؟

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

العصير العنبي الذي لم يذهب ثلثاه هل هو ملحقٌ بالخمر من جهة وجوب الحد على من شربه؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم هو إلحاق العصير العنبي -إذا غلى ولم يذهب ثلثاه- بالخمر من جهة الحرمة والنجاسة ووجوب الحدِّ بل أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك(1) وأفاد الشهيد الثاني في المسالك أنَّ: "مذهب الأصحاب أنَّ العصير العنبيَّ إذا غلى بأنْ صار أسفلُه أعلاه يحرم، ويصيرُ بمنزلة الخمر في الأحكام. ويستمرُّ حكمه كذلك إلى أنْ يذهبَ ثلثاه، أو ينقلبَ إلى حقيقةٍ أخرى"(2) وأفاد صاحب الرياض أنَّ ثبوت الحدِّ باستعمال العصير العنبيِّ إذا غلى ولم يذهب ثلثاه كأنَّه اجماعيٌّ بينهم حتى لو كان المقدار المستعمل قليلاً غير مسكرٍ، وأفاد بأنَّ صاحب التنقيح وغيره قد صرَّح بذلك أي صرَّح بقيام الإجماع على ذلك ثم أفاد بأنَّه لم أقف على حجّة معتدّة بها سواه أي سوى دعوى الإجماع(3).

الاستدلال على الإلحاق بموثقة عمار:

والظاهر -كما أفاد السيد الخوئي(4)- أنَّ عمدة ما يُمكن الاستدلال به على إلحاق العصير العنبي بالخمر مطلقاً أي في الأحكام الثلاثة هو موثقة معاوية بن عمار قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طُبخ على الثلث وأنا أعرفه أنَّه يشربُه على النصف؟ فقال: خمرٌ لا تشربْه، قلتُ: فرجلٌ من غير أهل المعرفة ممَّن لا نعرفُه يشربُه على الثلث، ولا يستحلُّه على النصف يُخبرنا أنَّ عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقيَ ثلثُه يُشربُ منه؟ قال: نعم " (5)

فقوله (ع) -بحسب الرواية-: "خمرٌ لا تشربْه" ظاهرٌ في تنزيل العصير العنبي المغليِّ الذي لم يذهب ثلثاه منزلة الخمر وهو ما يقتضي ترتُّب جميع أحكام الخمر عليه، وهي الحرمة والنجاسة، ووجوب الحدِّ على شاربِه.

جواب السيد الخوئي على الاستدلال بالموثقة ومناقشته:

وأجاب السيد الخوئي رحمه الله(6) عن ذلك بأنَّ الفقرة المذكورة وإن كانت ظاهرةً في تنزيل العصير العنبي منزلة الخمر ولكنَّها ليست ظاهرة في التنزيل المُطلق ومن تمام الجهات، فغاية ما تدلُّ عليه الفقرة المذكورة هو التنزيل مِن جهة الحرمة، فالعصير العنبي خمرٌ لكونه مثله في الحرمة، فهذا هو مفاد قوله: "خمرٌ لا تشربه" حيث رتَّب على التنزيل النهي عن شربه، نعم لو قال: العصير العنبي خمرٌ فلا تشربه أو قال: لا تشرب العصير العنبي لأنَّه خمر لكان ذلك ظاهراً في التنزيل المطلق ومن تمام الجهات، لأنَّه في الفرض الأول جاء بفاء التفريع والتي تقتضي استظهار أنَّ النهي عن الشرب إنَّما كان باعتباره من الأمور المتفرِّعة عن كون العصير منزَّلاً منزلة الخمر، أي أنَّ الفقرة تكون ظاهرةً في أنَّ ثمة كبرى قد فُرغ عنها وهي أنَّ العصير خمرٌ ثم جاءت فاء التفريع لتُعبِّر عن أنَّ من الأمور المتفرِّعة على التنزيل المذكور هو الحرمة لا أنَّ الحرمة هي تمام ما يقتضيه التنزيل بل هي أحد الآثار المترتِّبة على التنزيل، ففاء التفريع كشفتْ عن أنَّ التنزيل مطلق والحرمة هي أحدُ آثاره.

وكذلك لو قال: لا تشرب العصير لأنَّه خمرٌ فإنَّ ظاهر هذه الفقرة هو إطلاق التنزيل وأنَّ النهي عن الشرب إنَّما نشأ عن ذلك أي لأنَّ العصير منزَّل شرعاً منزلة الخمر لذلك فأنت منهيٌّ عن شربه لا أنَّ العصير منزلٌ منزلة الخمر من جهة النهي عن شربه وحسب. فالتعليل الوارد في المثال يكشفُ عن أنَّ التنزيل مطلق، وأنَّ النهي عن الشرب واحد من آثاره، وهذا بخلاف قوله: "خمر لا تشربه" فإنَّه ليس ظاهراً في أكثر من أنَّ التنزيل إنَّما هو بلحاظ الحرمة، فجملة لا تشربه بمثابة الخبر الثاني للعصير، فكانَّه قال: العصير العنبي خمر ثم فسَّره بجملةٍ ثانية فقال العصير العنبي لا تشربه، فهو قد فسَّر التنزيل بجملة لا تشربه، فيكون ذلك ظاهراً في أنَّ التنزيل إنَّما هو من جهة الحرمة وحسب أو لا أقل مِن عدم ظهور الفقرة في أكثر من ذلك.

إلا أنَّه قد يقال إنَّ جملة: "خمرٌ لا تشربه" وإن لم تكن مشتملة على فاء التفريع ولكنَّ ظاهرها هو أنَّ قوله: "لا تشربه" متفرِّعٌ على التنزيل أي أنَّ ظاهر الجملة هو أنَّ العصير منزَّلٌ شرعاً منزلة الخمر، والتحريم هو أحدُ آثاره وليس هو تمام الأثر المترتِّب على التنزيل، ولو كان المقصود من سَوق الجملة هو إفادة التحريم وحسب لكن قوله هو خمر ثم النهي عن شربه تطويل بلا طائل فكان المناسب أنْ يقال ابتداءً لا تشربه، وبه يتحقق المطلوب وهو إفادة الحرمة، فقوله أولاً العصير خمرٌ ثم اردافه بقوله لا تشربه ظاهرٌ أنَّ للتنزيل آثاراً وأنَّ من آثاره هو التحريم، فذكر هذا الأثر دون غيره إنَّما نشأ عن أنَّ ذلك هو موردُ السؤال، فكأنَّ الإمام (ع) أراد التعليل لجوابه فقدَّم لذلك ببيان العلَّة فأفاد بأنَّ العصير نظراً لكونه منزَّل شرعاً منزلة الخمر لذلك لا تشربْه فهو محرَّم، هذا هو المستظهَر من جملة "خمرٌ لا تشربه".

مناقشة أخرى على الاستدلال بالموثَّقة:

نعم يرد على الاستدلال بالرواية -كما أفاد السيد الخوئي(7)- أنَّ الشيخ الكليني(8) نقلها خاليةً من كلمة "خمر" وعليه تكون رواية الشيخ الطوسي معارضة برواية الكليني، والمقام وإنْ كان من موارد المعارضة بين الزيادة والنقيصة والتي تقتضي تقديم الزيادة لأنَّ أصالة عدم الغفلة في طرف الزيادة أقوى لدى العقلاء من أصالة عدم الغفلة في طرف النقيصة، فالأمر وإن كان كذلك إلا أنَّه يمنع من تقديم رواية الزيادة ما هو المعروف من أضبطيَّة الكليني في النقل وهو ما يسلب الوثوق بصدور الزيادة الواردة في رواية الشيخ.

هذا مضافاً إلى أنَّ الظاهر هو اختلاف نسخ التهذيب، فبعضُها مشتمل على الزيادة وبعضُها خالٍ منها كما في نسخة الوافي، والنسخة التي كانت لدى صاحب الوسائل(9) حيث نقلا الرواية عن التهذيب خاليةً من كلمة "خمر" واقتصر على نقل جملة "لا تشربه" والتعارض بين نسخ الكتاب الواحد من تعارض الحجَّة باللاحجة لذلك تسقط الرواية في محل التعارض عن الحجيَّة لعدم احراز ما الذي رواه الشيخ عن الإمام (ع). وبه تبقى رواية الشيخ الكليني الخالية من كلمة الخمر بلا معارض.

والنتيجة هو أنَّه لا دليل لدينا على أكثر من حرمة العصير العنبي الذي لم يذهب ثلثاه، وأمَّا النجاسة ووجوب الحدِّ فثبوتهما متوقف على ثبوت أنَّ العصير منزَّلٌ منزلة الخمر شرعاً ولم يثبت ذلك من الرواية. فالمرجع هو الأصول المؤمِّنة.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

11 / جمادى الأولى / 1447ه

3 / نوفمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -السيد الخوئي- ج41 / ص453.

2- مسالك الأفهام -الشهيد الثاني- ج14 / ص459.

3- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص546.

4- التنقيح في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج3 / ص97.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج9 / ص122.

6- التنقيح في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج3 / ص100، 101.

7- التنقيح في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج3 / ص99.

8- الكافي -الكليني- ج6 / ص421.

9- الوافي -الكاشاني- ج20 / ص655، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج25 / ص293.