حدُّ شارب الخمر وكيفيَّة إقامته
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو مقدار حدِّ شارب الخمر؟ وكيف يُقام عليه الحدُّ؟ وما هو الحكم لو تكرَّر منه الشرب للخمر؟
الجواب:
أمَّا مقدار حدِّ شارب الخمر فالمشهور شهرةً عظيمة كادت تكون إجماعاً -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- هو ثمانون جلدة سواءً كان رجلاً أو امرأة، وسواءً كان مسلماً أو كافراً، وسواءً كان حرَّاً أو عبداً.
والمستند في ذلك رواياتٌ مستفيضة عن أهل البيت (ع):
منها: موثقة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ والنَّبِيذِ ثَمَانِينَ الْحُرَّ والْعَبْدَ والْيَهُودِيَّ والنَّصْرَانِيَّ قُلْتُ: ومَا شَأْنُ الْيَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا شُرْبَه يَكُونُ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ"(2).
ومنها: موثقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَجْلِدُ الْحُرَّ والْعَبْدَ والْيَهُودِيَّ والنَّصْرَانِيَّ فِي الْخَمْرِ والنَّبِيذِ ثَمَانِينَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْيَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ؟ فَقَالَ: إِذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ فِي مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ لأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا شُرْبَهَا"(3).
ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنْ يُجْلَدَ الْيَهُودِيُّ والنَّصْرَانِيُّ فِي الْخَمْرِ والنَّبِيذِ الْمُسْكِرِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِذَا أَظْهَرُوا شُرْبَه فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وكَذَلِكَ الْمَجُوسِيُّ ولَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ إِذَا شَرِبُوهَا فِي مَنَازِلِهِمْ وكَنَائِسِهِمْ حَتَّى يَصِيرُوا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ"(4).
توجيه ما دلَّ على الخلاف:
وفي مقابل ذلك ورد ما يقتضي البناء على أنَّ حدَّ المملوك أربعون جلدة وهي صحيحة بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ قَذَفَ حُرّاً قَالَ: يُجْلَدُ ثَمَانِينَ هَذَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ فَإِنَّه يُضْرَبُ نِصْفَ الْحَدِّ قُلْتُ: الَّذِي مِنْ حُقُوقِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا زَنَى أَوْ شَرِبَ خَمْراً فَهَذَا مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي يُضْرَبُ فِيهَا نِصْفَ الْحَدِّ"(5).
فالتعارض بين هذه الرواية والروايات السابقة مستقرٌّ، ولهذا يكون المرجع هو مرجِّحات باب التعارض وهي تقتضي ترجيح الروايات الدالَّة على المساواة في مقدار الحدِّ بين الحرِّ والمملوك، وذلك لموافقة صحيحة الحضرمي لفقه بعض العامة فتُحمل على التقية، هذا مضافاً إلى كونها ساقطة عن ااعتبار في نفسها بقطع النظر عن معارضتها للروايات المستفيضة وذلك لشذوذها وإعراض الأصحاب عن العمل بمضمونها، فالتعارض بينها وبين الروايات الأخرى من تعارض الحجَّة مع اللاحجَّة.
وأمَّا رواية يحيى بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان أبى يقول: حدُّ المملوك نصف حدِّ الحر"(6).
ومعتبرة حمَّاد بن عثمان قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: التعزير كم هو؟ فقال: دون الحدِّ، قال: قلتُ: دون ثمانين؟ قال: لا ولكنَّها دون الأربعين فإنَّها حدُّ المملوك"(7).
فهما مطلقتان تُقيَّدان بغير حدِّ شرب الخمر حيث نصَّت الروايات على أنَّ المملوك يُحدُّ في شرب الخمر كما يُحدُّ الحرُّ بثمانين جلدة. ولو بني على تعارض معتبرة حمَّاد للروايات السابقة تعارضاً مستقرَّاً فالترجيح للروايات الدالة على المساواة في مقدار الحد بين الحر والمملوك وذلك لموافقة مفاد معتبرة حماد لفقه العامَّة فتحمل على التقية كما أفاد الشيخ الطوسي رحمه الله.
كيفية إقامة الحدِّ على شارب الخمر:
وأمَّا كيفية إقامة الحدِّ على شارب الخمر فهو جلده مجرَّداً من ثيابه كما نصَّت على ذلك صحيحة قَالَ: قَالَ: حَدُّ الْيَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ والْمَمْلُوكِ فِي الْخَمْرِ والْفِرْيَةِ سَوَاءٌ وإِنَّمَا صُولِحَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْرَبُوهَا فِي بُيُوتِهِمْ قَالَ: وسَأَلْتُه عَنِ السَّكْرَانِ والزَّانِي؟ قَالَ: يُجْلَدَانِ بِالسِّيَاطِ مُجَرَّدَيْنِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، فَأَمَّا الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ فَيُجْلَدُ عَلَى ثِيَابِه ضَرْباً بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ"(8).
وأمَّا المرأة فتُجلد بثيابها لأنَّ موضوع الأمر بالتجريد في النص المذكور هو الرجل، وقاعدة الاشتراك لا تجري في مثل المقام، وذلك لأنَّ جريانها منوطٌ بعدم احتمال الخصوصيَّة والمقام ليس كذلك، فإنَّ احتمال الخصوصيَّة بل الظن بها قائم. هذا مضافاً إلى ما دلَّ على أنَّ جسد المرأة عورة فيجب ستره.
الحكم فيما لو تكرر من المكلَّف شرب الخمر:
وأمَّا الحكم فيما لو تكرَّر من المكلَّف شرب الخمر، فإنْ تكرَّر منه قبل أنْ يقام عليه الحدُّ فلا يستحقُّ سوى حدٍّ واحد دون خلاف كما أفاد صاحب الجواهر(9) وهو مقتضى العمومات، وأمَّا إذا شرب الخمر فأُقيم عليه الحدُّ ثم شرب الخمر فأُقيم عليه الحدُّ ثن شرب في المرَّة الثالثة بعد أنْ أقيم عليه الحدٌّ مرَّتين فحدُّه في المرَّة الثالثة هو القتل كما نصَّت على ذلك صحيحة يونس عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: أصحاب الكبائر كلها إذا أُقيم عليهم الحدُّ مرَّتين قُتلوا في الثالثة"(10).
وكذلك وردت روايات خاصة في حدِّ شارب الخمر:
منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: "كان أميرُ المؤمنين (عليه السلام) يجلدُ في النبيذ المُسكر ثمانين كما يضربُ في الخمر، ويُقتلُ في الثالثة كما يقتلُ صاحبَ الخمر"(11).
ومنها: صحيحة أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوه فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوه فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوه"(12).
ومنها: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّه (ص) إِذَا أُتِيَ بِشَارِبِ الْخَمْرِ ضَرَبَه، ثُمَّ إِنْ أُتِيَ بِه ثَانِيَةً ضَرَبَه، ثُمَّ إِنْ أُتِيَ بِه ثَالِثَةً ضَرَبَ عُنُقَه"(13).
والروايات في ذلك مستفيضة وعليها بنى المشهور شهرةً عظيمة كما أفاد صاحب الجواهر، ونسب إلى الغنية دعوى الإجماع(14) إلا أنَّه في مقابل المشهور نُسب إلى الشيخ في الخلاف والمبسوط وكذلك المقنع للشيخ الصدوق أنَّ شارب الخمر يُقتل في الرابعة ونُسب ذلك(15) أيضاً للعلامة وابنه فخر المحقِّقين والشهيد وتمسَّكوا في ذلك بوجوه، منها أنَّه أوفق بالاحتياط في الدماء، ومنها أنَّ الزاني يُقتل في الرابعة كما نصَّت على ذلك الروايات، والزنى أعظم إثماً من شرب الخمر، ولذلك يُجلد فاعلُه مائة جلدة، وكذلك استدلَّ الشيخ أو قل أيَّد ذلك في الخلاف(16) بما رُوي عن النبيِّ الكريم (ص) من طرق العامَّة قال: "من شربَ الخمر فاجلدوه، ثم إنْ شرب فاجلدوه، ثم إنْ شربَ فاجلدوه، ثم إنْ شرب فاقتلوه"(17).
إلا أنَّ شيئاً من ذلك لا يصحُّ الاستناد إليه، فالرواية المنسوبة للنبيِّ الكريم (ص) فاقدة للحجيَّة لضعفها، فلا تصلح لمعارضة الروايات المستفيضة والمعتبرة سنداً، ولا موضع للتمسُّك بالأولوية في حدِّ الزنى، إذ أن ذلك إنما يتمُّ لو لم تتصدّ الروايات الصحيحة والمستفيضة لبيان حكم من تكرَّر منه شرب الخمر وأقيم عليه الحدُّ مرَّتين، وكذلك لا موضع للتمسُّك بالاحتياط إذ لا يُصار إليه بعد افتراض قيام الدليل الاجتهادي على خلافة.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
11 / جمادى الأولى / 1447ه
3 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص459.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص215، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص224.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص215، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص227.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص239، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص228.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص237، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص181.
6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص93، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص230.
7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص92، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص229.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص216، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص228 .
9- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص461.
10- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص37، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص19.
11- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص97، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص236.
12- الكافي -الكليني- ج7 / ص218، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص234 .
13- الكافي -الكليني- ج7 / ص218، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص234.
14- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص461.
15- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص461.
16- الخلاف -الشيخ الطوسي- ج5 / ص473.
17- السنن الكبرى -النسائي- ج8 / ص313. وروى بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم قال في الرابعة فاضربوا عنقه" وفي سنن الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" ج2 / ص450.