الحدُّ في السِّحاق
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حدُّ السَّحق؟ وهل يختلفُ حدِّ المُحصنة عن غير المحصنة؟
الجواب:
حدُّ السحق من غير المحصنة:
حدُّ السَّحق من غير المحصنة هو الجلد مائة جلدة تماماً كما هو حدُّ الزانية غير المُحصنة دون خلافٍ(1) ظاهراً في غير المُحصنة، وتدلُّ عليه رواياتٌ عديدة:
منها: موثقة إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلَتْنِي امْرَأَةٌ أَنْ أَسْتَأْذِنَ لَهَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ ومَعَهَا مَوْلَاةٌ لَهَا .. فَقَالَتْ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوَاتِي مَعَ اللَّوَاتِي مَا حَدُّهُنَّ فِيه؟ قَالَ: حَدُّ الزِّنَا، إِنَّه إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُؤْتَى بِهِنَّ قَدْ أُلْبِسْنَ مُقَطَّعَاتٍ مِنْ نَارٍ وقُنِّعْنَ بِمَقَانِعَ مِنْ نَارٍ، وسُرْوِلْنَ مِنَ النَّارِ .."(2).
ومنها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وهِشَامٍ وحَفْصٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَنَّه دَخَلَ عَلَيْه نِسْوَةٌ، فَسَأَلَتْه امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَنِ السَّحْقِ فَقَالَ: حَدُّهَا حَدُّ الزَّانِي، فَقَالَتِ: الْمَرْأَةُ مَا ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: بَلَى قَالَتْ: وأَيْنَ هُوَ قَالَ: هُنَّ أَصْحَابُ الرَّسِّ"(3).
فإنَّ حدَّ الزنا لغير المُحصنة هو الجلد مائة جلدة، وعليه يكون حدُّ المساحِقة غير المُحصنة هو الجلد مائة جلدة بمقتضى ما أفادته الروايتان. ويؤيدُه مرسلة الدعائم عن أمير المؤمنين(ع) أنَّه قال: "السَّحق في النساء كاللواط في الرجال، ولكنَّ فيه جلدَ مائة، لأنَّه ليس فيه إيلاج"(4).
حدُّ السَّحق من المُحصنة:
وأما حدُّ السحق من المحصنة فالمشهور - كما في الرياض(5)- هو الجلد كذلك مائة جلدة، ونَسب الفاضلُ الهندي في كشف اللثام هذا القول إلى الأكثر(6) ونسَبه صاحبُ السرائر إلى أصحابنا وهو ما يُشعر بدعوى الإجماع كما أفاد صاحب الجواهر(7) بل نُسب إلى السيِّد المرتضى التصريح بدعوى الإجماع(8).
دليل المشهور:
ويُمكن أن يستدلَّ لذلك بموثقة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) قَالَ:"السَّحَّاقَةُ تُجْلَدُ" فإنَّ مقتضى إطلاقها هو عدم الفرق بين المُحصنة وغير المُحصنة بل إنَّ قوله: "السَّحَّاقَةُ تُجْلَدُ"(9) مشعِرٌ إنْ لم يكن ظاهراً في أنَّ الإمام (ع) بصدد بيان أنَّ حدَّ السحق هو الجلد في مقابل الرجم الذي هو حدُّ الزانية، ويُؤيد الإطلاق مرسلة الدعائم عن أمير المؤمنين (ع) قال: "السَّحقُ في النساء كاللِّواط في الرجال، ولكنَّ فيه جلدَ مائة، لأنَّه ليس فيه إيلاجٌ "(10) فإنَّ التعليل يقتضي استظهار إرادة الأعم من المُحصنة وغير المحصنة فكلا الموردين ليس فيه إيلاج.
نعم لا يصحُّ الاستدلال بموثقة إسحاق وصحيحة محمد بن أبي حمزة لأنَّهما أفادتا أنَّ حدَّ المساحِقة هو حدُّ الزاني، وحدُّ الزاني وإنْ كان هو الجلد لغير المُحصنة ولكنَّ حدَّ الزانية المُحصنة هو الرجم، وعليه قد يقال إنَّ الروايتين صالحتان للدلالة على أنَّ حدَّ المساحقة المحصنة هو الرجم. إلا أنْ يُقال إنَّ موثقة زرارة صالحة لتفسير المراد من الروايتين بأنْ يُقال إنَّ المراد من قوله في الروايتين: حدُّ المساحقة حدُّ الزاني هو حدُّ الجلد بقرينة قوله في موثقة زرارة: "السَّحَّاقَةُ تُجْلَدُ" أي لا تُرجم، فمعنى حدُّها حدُّ الزاني هو الحدُّ الذي نصَّ عليه القرآن المجيد وهو الجلد.
الدليل على أنَّ حدَّ المحصنة هو الرجم:
وكيف كان فهذا ما يُمكن أن يستدلَّ بها لفتوى المشهور بأنَّ حدَّ المساحقة هو الجلد مطلقاً، وفي المقابل نُسب للشيخ الطوسي في النهاية والقاضي ابن البرَّاج وابن حمزة القول بأنَّ حدَّ المساحقة المحصنة هو الرجم(11) ويدلُّ على ذلك العديد من الروايات:
منها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وأَبَا عَبْدِ اللَّه ع يَقُولَانِ بَيْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِي مَجْلِسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) إِذْ أَقْبَلَ قَوْمٌ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَدْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ: ومَا حَاجَتُكُمْ قَالُوا أَرَدْنَا أَنْ نَسْأَلَه عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ: ومَا هِيَ تُخْبِرُونَا بِهَا فَقَالُوا: امْرَأَةٌ جَامَعَهَا زَوْجُهَا فَلَمَّا قَامَ عَنْهَا قَامَتْ بِحُمُوَّتِهَا، فَوَقَعَتْ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَسَاحَقَتْهَا فَأَلْقَتِ النُّطْفَةَ فِيهَا فَحَمَلَتْ فَمَا تَقُولُ فِي هَذَا فَقَالَ الْحَسَنُ (ع) مُعْضِلَةٌ وأَبُو الْحَسَنِ لَهَا وأَقُولُ فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللَّه ثُمَّ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنْ نَفْسِي فَأَرْجُو أَنْ لَا أُخْطِئَ إِنْ شَاءَ اللَّه، يُعْمَدُ إِلَى الْمَرْأَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهَا مَهْرُ الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ لأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا حَتَّى تُشَقَّ فَتَذْهَبَ عُذْرَتُهَا، ثُمَّ تُرْجَمُ الْمَرْأَةُ لأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ ثُمَّ يُنْتَظَرُ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ويُرَدُّ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيه صَاحِبِ النُّطْفَةِ، ثُمَّ تُجْلَدُ الْجَارِيَةُ الْحَدَّ قَالَ فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِ الْحَسَنِ (ع) فَلَقُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَقَالَ: مَا قُلْتُمْ لأَبِي مُحَمَّدٍ ومَا قَالَ لَكُمْ؟ فَأَخْبَرُوه فَقَالَ: لَوْ أَنَّنِي الْمَسْؤُولُ مَا كَانَ عِنْدِي فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا قَالَ ابْنِي"(12)
ومنها: معتبرة المعلَّى بن خنيس قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن رجلٍ وطئ امرأة فنقلت ماءه إلى جاريةٍ بكر فحملت الجارية فقال: الولد للرجل، وعلى المرأة الرجم، وعلى الجارية الحد"(13).
ومنها: رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أتى رجل امرأة فاحتملت ماءه فساحقتْ به جاريةً فحملت، رجمت المرأة، وجلدت الجارية، والحق الولد بأبيه"(14).
وعليه فالمتعيِّن هو التفصيل بين المُحصنة وغير المُحصنة، ودعوى إعراض المشهور عن هذه الروايات لا تصحُّ بعد أن أفتى بمضمونها عددٌ من أعلام القدماء، وأمَّا موثقة زرارة فهي مطلقة، ولذلك تكون هذه الروايات صالحة لتقييدها، وأمَّا دعوى ظهورها في نفي الرجم فلا تصحُّ، فإنَّ أقصى ذلك هو الإشعار، ولو سلِّم ظهورها بدواً فإنَّه يتعيَّن رفع اليد عنه لتصريح هذه الروايات في أنَّ حدَّ المُساحِقة المُحصنة هو الرجم وهو ما يكشف عن عدم إرادة نفي الرجم من موثقة زرارة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / جمادى الأولى / 1447ه
16 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص388، جامع المدارك -السيد الخونساري- ج7 / ص83.
2- الكافي -الكليني- ج5 / ص552، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج20 / ص345.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص202، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص165.
4- دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج3 / ص456، مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص86.
5- رياض المسائل -السيد الطبأطبائي- ج13 / ص508.
6- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص501.
7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص388
8- رياض المسائل -السيد الطبأطبائي- ج13 / ص508.
9- الكافي -الكليني-ج7/ 202، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص165.
10- دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج3 / ص456، مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص86.
11- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص389.
12- الكافي -الكليني- ج7 / ص203، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص168.
13- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص48، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص169.
14- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص44، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص170.