ما يثبتُ به حدُّ فاحشةِ اللِّواط

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

بم يثبتُ حدَّ فاحشة اللِّواط؟

الجواب:

يثبت حدُّ اللِّواط بالإقرار أربع مرَّات كما قطع بذلك الأصحاب -بحسب أفاده صاحب الجواهر(1)- ولا يثبتُ بدون ذلك إلا أنَّه يعزَّر لو أقرَّ بما دون الأربع مرَّات، ويثبت كذلك بقيام البيِّنة وهي أربع شهادات بالمعاينة من رجالٍ عدول بلا خلافٍ بين الفقهاء في ذلك كما أفاد صاحب الرياض(2) ولا يثبتُ بدون الأربع شهادات بالمعاينة.

مدرك ثبوته بالإقرار أربع مرَّات:

ويدلُّ على ذلك صحيحة مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي مَلأٍ مِنْ أَصْحَابِه إِذْ أَتَاه رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَدْ أَوْقَبْتُ عَلَى غُلَامٍ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ لَه: يَا هَذَا امْضِ إِلَى مَنْزِلِكَ لَعَلَّ مِرَاراً هَاجَ بِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ عَادَ إِلَيْه فَقَالَ لَه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَوْقَبْتُ عَلَى غُلَامٍ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ لَه: يَا هَذَا امْضِ إِلَى مَنْزِلِكَ لَعَلَّ مِرَاراً هَاجَ بِكَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثاً بَعْدَ مَرَّتِه الأُولَى، فَلَمَّا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ لَه: يَا هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّه (ص) حَكَمَ فِي مِثْلِكَ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ فَاخْتَرْ أَيَّهُنَّ شِئْتَ قَالَ: ومَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ فِي عُنُقِكَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ أَوْ إِهْدَاءٌ مِنْ جَبَلٍ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أَوْ إِحْرَاقٌ بِالنَّارِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّهُنَّ أَشَدُّ عَلَيَّ؟ قَالَ: الإِحْرَاقُ بِالنَّارِ قَالَ: فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: خُذْ لِذَلِكَ أُهْبَتَكَ فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِي تَشَهُّدِه فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَتَيْتُ مِنَ الذَّنْبِ مَا قَدْ عَلِمْتَه وإِنِّي تَخَوَّفْتُ مِنْ ذَلِكَ فَجِئْتُ إِلَى وَصِيِّ رَسُولِكَ وابْنِ عَمِّ نَبِيِّكَ (ص) فَسَأَلْتُه أَنْ يُطَهِّرَنِي فَخَيَّرَنِي بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْعَذَابِ اللَّهُمَّ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ أَشَدَّهَا، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِي وأَنْ لَا تُحْرِقَنِي بِنَارِكَ فِي آخِرَتِي ثُمَّ قَامَ وهُوَ بَاكٍ حَتَّى جَلَسَ فِي الْحُفْرَةِ الَّتِي حَفَرَهَا لَه أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وهُوَ يَرَى النَّارَ تَتَأَجَّجُ حَوْلَه قَالَ: فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وبَكَى أَصْحَابُه جَمِيعاً فَقَالَ لَه أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): قُمْ يَا هَذَا فَقَدْ أَبْكَيْتَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ ومَلَائِكَةَ الأَرْضِ، فَإِنَّ اللَّه قَدْ تَابَ عَلَيْكَ فَقُمْ ولَا تُعَاوِدَنَّ شَيْئاً مِمَّا قَدْ فَعَلْتَ"(3).

فهذه الرواية تدلُّ على أنَّ حدَّ اللِّواط يثبتُ بالإقرار أربع مرَّات، وتدلُّ على أنَّه لا يثبت بما دون الأربع إقرارات وإلا لأقام الإمام (ع) عليه الحدَّ بعد إقراره الأول لو كان يثبت بالأول أو الثاني لو كان يثبت بالثاني.

مدرك ثبوته بأربع شهادات:

وأمَّا أنَّه يثبت بأربع شهاداتٍ فلأنَّ الإقرار بمنزلة الشهادة كما نصَّت على ذلك صحيحة الأصبغ بن نباتة حيث ورد فيها أنَّ المرأة حين أقرَّت بالزنا في المرَّة الأولى قال أمير المؤمنين (ع): "اللهمَّ إنَّها شهادة" أو "اللهمَّ هذه شهادة" وعند الإقرار الثاني قال (ع): اللهمَّ إنَّهما شهادتان" وعند الإقرار الثالث: قال(ع): "اللهمَّ هذه ثلاثُ شهادات" وعند الإقرار الرابع قال (ع):" اللهمَّ إنَّه قد ثبتَ عليها أربع شهادات"(4) فنزَّل الإقرارت الأربعة منزلة الأربع شهادات، فإذا كان حدُّ اللواط لا يثبت إلا بأربعة إقرارات وهي بمنزلة الأربع شهادات فهو إذن لا يثبت بما دون الأربع شهادات.

هذا مضافاً إلى أنَّ المعلوم جزماً أنَّ الإقرار أقوى من الشهادة، ولذلك تثبت الدعاوى المالية مثلاً بالإقرار مرَّة واحدة ولا تثبت إلا بشهادتين، وعليه فإذا كان حدُّ اللواط لا يثبت إلا بأربع إقرارات فهو لا يثبت بما دون الأربع شهادات من طريقٍ أولى.

ويمكن تأييد ذلك برواية محمّد بن عبدالرحمن العرزمي عن أبيه عبدالرّحمن عن أبي عبدالله عن أبيه (عليهما السلام) قال: "اُتي عمر برجلٍ قد نُكح في دبره، فهمَّ أنْ يجلده، فقال للشهود: رأيتموه يُدخله كما يُدخل الميل في المكحلة؟ قالوا: نعم، فقال لعليٍّ (عليه السلام): ما ترى في هذا؟ .. فقال عليٌّ (عليه السلام): أرى فيه أنْ تضرب عنقَه .."(5).

وراوية أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِرَجُلٍ وامْرَأَةٍ قَدْ لَاطَ زَوْجُهَا بِابْنِهَا مِنْ غَيْرِه وثَقَبَه، وشَهِدَ عَلَيْه بِذَلِكَ الشُّهُودُ فَأَمَرَ بِه أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَضُرِبَ بِالسَّيْفِ حَتَّى قُتِلَ وضُرِبَ الْغُلَامُ دُونَ الْحَدِّ وقَالَ: أَمَا لَوْ كُنْتَ مُدْرِكاً لَقَتَلْتُكَ لإِمْكَانِكَ إِيَّاه مِنْ نَفْسِكَ بِثَقْبِكَ"(6).

وتقريبُ الاستدلال بهما أو قل التأييد -كما أفاد السيِّد الخوئي- هو أنَّ الروايتين عبَّرتا عن البينة التي ثبت بها الحدُّ بالشهود وعليه لا دليل على الثبوت بالشهادتين، وليس من شيءٍ يثبتُ من الحدود بالثلاثة شهود فيتعيَّن أنَّ الشهود الذين ثبت بهم الحدُّ لا يقلُّون عن الأربعة .

وأمَّا ثبوت التعزير بالإقرار بما دون الأربعة إقرارات فلأنَّه يكون من الإقرار بالفسق وارتكاب الكبيرة، وهي تثبت بالإقرار ولو لمرَّة واحدة ولذلك يكون مستحقَّاً للتأديب والتعزير.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

25 / جمادى الأولى / 1447ه

17 / نوفمبر / 2025م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص376.

2- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص496.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص201، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص161.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص103.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص158.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص199، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص156.

7- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص279.