حكم السرقة من المال المشترك
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا سرق الرجل من المال المشترك بينه وبين شريكه فهل يكون مستحقاً لحدِّ السرقة؟
الجواب:
لهذه المسألة عددٌ من الفروض:
الفرض الأول: أن يأخذ من المال المشترك بتوهُّم أنَّه يسوغ له ذلك دون إذن الشريك، ففي مثل هذا الفرض لا يكون مستحقَّاً لحدِّ السرقة، لأنَّ فعله نشأ عن شبهةٍ، لذلك يُدرأُ عنه الحدُّ للشبهة حتى لو فُرض أنَّه أخذ ما يزيد على حصَّته بما يبلغ نصاب الحدِّ. فإنَّ صدق عنوان السارق على مثله غير متحقِّق، نعم قد يعدُّ خائناً فيعزَّر ولكنَّه لا يعدُّ سارقاً إذا كان يتوهَّم أنَّ كونه شريكاً يُصحح له الأخذ للمال المشترك دون إذن الشريك، والظاهر أنَّه لم يقع خلافٌ في ذلك(1).
الفرض الثاني: أن يسرق من المال المشترك وهو يعلم أنَّه لا يسوغ له ذلك دون إذنِ شريكه إلا أنَّ ما سرقَه كان دون نصيبه من المال المشترك أو كان بمقدار نصيبه، وفي هذا الفرض لا يكون مستحقاً لحدِّ السرقة وإنْ كان ما فعله حراماً لعلمه بعدم جواز الأخذ من المال المشترك دون إذن الشريك.
ويدلُّ على عدم استحقاقه لحدِّ السرقة العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) ".. فِي رَجُلٍ أَخَذَ بَيْضَةً مِنَ الْمَغْنَمِ -المقسم- وقَالُوا قَدْ سَرَقَ اقْطَعْه، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَقْطَعْ أَحَداً لَه فِيمَا أَخَذَ شِرْكٌ"(2).
هذه الرواية تدلُّ على أنَّه لا حدَّ على من أخذ من مالٍ له فيه شرك، ومقتضى إطلاقها عدم الاستحقاق للحدِّ حتى في فرض تجاوز ما أخذه لحصَّته إلا أنَّ هذا الإطلاق مقيَّد بما سيأتي من الروايات.
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلتُ له: رجلٌ سرق من المغنم ايُّ شيء الذي يجب عليه أيُقطع؟ قال: ينظرُ كم الذي يصيبه -نصيبه-، فإنْ كان الذي أخذ أقلَّ من نصيبه عُزِّر ودُفع إليه تمام مالِه، وإنْ كان أخذ مثل الذي له فلا شيءَ عليه، وإن كان أخذ فضلاً بقدر ثمن مجن وهو ربع دينار قُطع"(3).
ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلتُ له: رجلٌ سرقَ مِن الفيء؟ قال: بعدما قُسِّم؟ أو قبل؟ قلتُ: أجبني فيهما جميعاً، قال: إنْ كان سرقَ بعد ما أخذَ حصته منه قُطع، وإنْ كان سرق قبل أنْ يُقسَّم لم يقطع حتى ينظر ما له فيه، فيدفع إليه حقُّه منه، فإنْ كان الذي أخذ أقلَّ ممَّا له، أُعطي بقية حقِّه، ولا شيءَ عليه إلا أنَّه يُعزَّر لجرأته، وإنْ كان الذي أخذ مثل حقِّه أُقرَّ في يدِه وزِيد أيضاً، وإن كان الذي سرق أكثر ممَّا له بقدر مجن قُطع وهو صاغر -وثمن مجن ربع دينار-"(4).
وهذه الرواية والتي سبقتها تدلُّ على عدم استحقاق السارق من المال المشترك للحدِّ إذا كان ما سرقه أقلَّ من نصيبه أو كان بمقدار نصيبه، ويكون مستحقَّاً للحدِّ لو كان مقدار ما سرقه يزيدُ على مقدار نصيبه من المال المشترك، وبذلك يُحمل إطلاق عدم القطع في صحيحة محمد بن قيس على إرادة ما إذا لم يتجاوز ما سرقه مقدار ما له من نصيب في المال المشترك.
وكذلك يُحمل على صحيحتي ابن سنان إطلاق نفي القطع عمَّن سرق من الغنيمة في معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): أَرْبَعَةٌ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ الْمُخْتَلِسُ والْغُلُولُ، ومَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وسَرِقَةُ الأَجِيرِ فَإِنَّهَا خِيَانَةٌ"(5) فنفي القطع عمَّن سرق من الغنيمة محمول على ما إذا كان مقدار ما سرقه أقلَّ أو مساوياً لمقدار نصيبه من الغنيمة.
الفرض الثالث: أنْ يسرق من المال المشترك وهو يعلم أنَّه لا يسوغ له الأخذ منه دون إذن الشريك، ويكون مقدار ما سرقه يزيد على مقدار نصيبه وهنا يكون مستحقَّاً لحدِّ السرقة إذا بلغ مقدار الزيادة النصاب وهو ربع دينار من الذهب، وأما إذا لم يبلغ مقدار النصاب فليس عليه سوى التعزير، وتدلُّ على هذا التفصيل صحيحة عبد الله بن سنان الأولى والثانية وكذلك غيرهما. وقد نُسب البناء على هذا التفصيل إلى الإسكافي والشيخ الطوسي والقاضي والفاضل في التحرير وغيرهم، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر(6).
وعلى ذلك تحمل موثقة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن البيضة التي قطَع فيها أميرُ المؤمنين عليه السلام؟ فقال: كانت بيضةَ حديدٍ سرقَها رجلٌ من المغنم فقطعَه"(7) فبقرينة مثل صحيحتي عبد الله بن سنان يتعيَّن حملُ موثقة عبد الرحمن على أنَّ ثمن البيضة المسروقة يزيدُ على مقدار نصيب السارق بما يصلُ أو يزيدُ على نصاب حدِّ السرقة وهو ربع دينار. أو حمل الموثقة على فرض أنَّ السارق للبيضة لم يكن ممَّن له نصيبٌ في المَغنم.
التعليق على صحيحة يزيد بن عبد الملك:
بقي الكلام حول التعليق على صحيحة يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر وأبى عبد الله وأبي الحسن عليهم السلام وعن المفضل بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا سرقَ السارقُ من البيدر من امامٍ جائرٍ فلا قطعَ عليه إنَّما أخذ حقَّه، فإذا كان مع إمامٍ عادل عليه القتل"(8).
فإنَّ الظاهر من البيدر أنَّه من المغنم أو من أموال الخراج والمقاسمة أو من أموال الزكاة فأفادت الرواية أنَّه لا يقطع السارق من البيدر إذا كان الإمام على الناس جائراً، وأمَّا إذا كان إماماً عادلاً فحكم مَن سرق من البيدر هو القتل، وذلك منافٍ لما ثبت من أنَّ حدَّ السارق هو القطع إذا تجاوز ما سرقه مقدار نصيبه إلى مقدار نصاب الحدِّ، ولهذا استظهر صاحب الجواهر(9) وكذلك الفيض الكاشاني في الوافي(10) وقوع التصحيف وأنَّ كلمة القتل الواردة في الرواية مصحَّفة عن القطع.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
11 / جمادى الآخر / 1447ه
3 / ديسمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص481.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص223، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص288.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص106، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص289.
4- تهذيب الأحكام- الطوسي- ج10 / ص129، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص290.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص268.
6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص483.
7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص105، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص288.
8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص128، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص289.
9- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص493.
10- الوافي -الفيض الكاشاني- ج15 / ص423.