اعتبار الهتك للحِرز في استحقاق السارق للحدِّ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو الوجه في اعتبار الهتك للحرز في استحقاق السارق لحدِّ السرقة؟
الجواب:
الوجهُ في ذلك هو ما نًّصَّت عليه الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) من أنَّه لا حدَّ على السارق ما لم يهتك حِرزاً ويُخرجُ المال المسروق منه، أمَّا لو سرق المال من موضع لم يكن مُحرَزاً كما لو سرقه من الأماكن العامَّة كالمساجد والحانات وقت فتحها فإنَّه يكون خائناً مستحقَّاً للتعزير دون الحدِّ، وكذلك لو سرق من موضعٍ مأذونٍ له الدخول إليه كما لو سرق من بيت أبيه أو بيت قريبه أو صديقه وكان مأذوناً له الدخول إليه فإنَّه لا يقطع في مثل هذا الفرض، وكذلك لو سرق الزوج من مال زوجته غير المُحرز بالنسبة له أو سرقت الزوجة من مال زوجها مع افتراض أنَّ المال لم يكن مُحرزاً بالنسبة لها، وكذلك لا يقطع المستأمَن إذا سرق من المال الذي استؤمن عنده وهكذا هو الشأن فيما يُشبه هذه الفروض. والظاهر أنَّه لم يقع في ذلك خلاف بل أدعي عليه الإجماع بقسميه كما أفاد صاحب الجواهر رحمه الله(1).
وأما الروايات التي نصَّت على ذلك فمنها: معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: "لا يقطع الا من نقب بيتا أو كسر قفلاً"(2).
ومنها: معتبرة أخرى للسكوني عن جعفر عن أبيه عن عليٍّ عليه السلام قال: "كلُّ مدخل يُدخل فيه بغير إذنٍ يسرقُ منه السارق فلا قطع عليه، يعني الحمَّام والأرحية"(3).
مفاد الرواية أنَّ المواضع التي يتمُّ الدخول إليها بغير إذن كالحمامات العامَّة والأرحية- مواضع طحن الحبوب- هذه المواضع لو سرق منها أحدُ المرتادين مالاً فإنَّه لا يُقطع وذلك لأنَّه لم يهتك حرزاً ولم يسرق من حرز.
ومنها: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع) عَنْ قَوْمٍ اصْطَحَبُوا فِي سَفَرٍ رُفَقَاءَ فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مَتَاعَ بَعْضٍ فَقَالَ: هَذَا خَائِنٌ، لَا يُقْطَعُ، ولَكِنْ يُتْبَعُ بِسَرِقَتِه وخِيَانَتِه، قِيلَ لَه: فَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَنْزِلِ أَبِيه فَقَالَ: لَا يُقْطَعُ لأَنَّ ابْنَ الرَّجُلِ لَا يُحْجَبُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى مَنْزِلِ أَبِيه، هَذَا خَائِنٌ، وكَذَلِكَ إِنْ سَرَقَ مِنْ مَنْزِلِ أَخِيه وأُخْتِه إِذَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لَا يَحْجُبَانِه عَنِ الدُّخُول"(4).
وفي هذه الرواية يُبيِّن الإمام (ع) منشأ الحكم بعدم استحقاق الرجل للقطع إذا سرق من منزل أبيه أو أخيه أو أخته وهو أنَّه غير محجوبٍ عن الدخول، ومعنى ذلك أنَّه حين سرق لم يهتك حرزاً، لأنَّه كان مأذوناً له في الدخول للمنزل الذي سرق منه، وبه يتبيَّن أنَّ مناط الاستحقاق للقطع هو السرقة للمال المُحرز بالنسبة للسارق والتي لا تتحقَّق إلا بالهتك للحرز، وعليه فلو فُرض أنَّ الابن أو الأخ كان محجوباً فدخل دون إذنٍ فسرق فإنَّه يكون مستحقَّاً للقطع، وكذلك لو كان مأذوناً له في الدخول فسرق مِن موضعٍ كان مُحرزاً وغير مأذونٍ له الدخول إليه فإنَّه يكون مستحقَّاً للقطع، فالمناط في الاستحقاق للقطع هو ما لو وقعت السرقة مِن حرز بعد الهتك له بقطع النظر عن هويَّة السارق. فكونه ابناً أو أخاً للمسروق منه لا ينفي عنه الاستحقاق للقطع إذا سرق المال مِن حرزٍ بعد الهتك له.
ومنها: صحيحة سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ أَجِيراً فَيَسْرِقُ مِنْ بَيْتِه هَلْ تُقْطَعُ يَدُه؟ قَالَ: "هَذَا مُؤْتَمَنٌ لَيْسَ بِسَارِقٍ هَذَا خَائِنٌ"(5). فعدم استحقاقِه للقطع نشأ عن أنَّ سرقته لم تكن مِن حرزٍ قد هتكه. لافتراض أنَّه سرق من المال الذي كان مأذوناً في الوصول إليه.
ومنها: موثقة سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَأَخَذَ الأَجِيرُ مَتَاعَه فَسَرَقَه؟ فَقَالَ: "هُوَ مُؤْتَمَنٌ، ثُمَّ قَالَ: الأَجِيرُ والضَّيْفُ أُمَنَاءُ لَيْسَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ حَدُّ السَّرِقَةِ"(6).
ومنها: صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "لا يُقطع الأجير والضيف إذا سرقا، لأنهما مؤتمنان"(7) أي أنَّ السرقة منهما لا تكونُ عن هتكٍ لحرز.
ومنها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَنَّه قَالَ: فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَأَقْعَدَه عَلَى مَتَاعِه فَسَرَقَه؟ قَالَ: هُوَ مُؤْتَمَنٌ .."(8) أي أنَّه لا يُقطع لأنَّه سرق المال المأذون في وضع اليد عليه لإصلاحه أو تثميره.
ومن ذلك يتَّضح أنَّ نفيَ القطع عن الأجير والضيف والابن والأخ لم تنشأ عن خصوصيَّة لهذه العناوين بل نشأت عن افتراض عدم تحقُّق شرط الاستحقاق للحدِّ وهو السرقة من حِرزٍ بعد هتكه فلو فرض تحقق هذا الشرط في الابن والضيف والأجير فإنَّهم يكونون مستحقِّين للحدِّ شأنُهم في ذلك غيرهم إذا وقعت منهم السرقة من حرز بعد هتكه.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / جمادى / 1447ه
4 / ديسمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص486.
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص109، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص277.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص109، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص276.
4- الكافي -الكليني- ج 7 / ص228، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص276.
5- الكافي -الكليني- ج 7 / ص227، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص272
6- الكافي -الكليني- ج 7 / ص228، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص272.
7- علل الشرائع -الصدوق- ج2 / ص535، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص273.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص227، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص272.