عقوبة المُختلِس والمُستلِب والطرَّار
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا سلب أحدٌ من آخر مالاً أو اختلسه من يده أو محفظته وكان بمقدار النصاب أو يزيد فهل يكون مستحقاً لحدِّ القطع؟
الجواب:
المشهور بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم أنَّه لا قطع على المُستلب وهو الذي يأخذ المال جهراً ويهرب على أنْ لا يكون مُحاربِاً، وكذلك لا قطع على المُختلس وهو الذي يأخذُ المال من غير حِرز خلسة وخفية وعلى وجه السرعة، وكذلك لا قطع على الطرَّار وهو الذي يقطع الكُم أو الكيس من الثوب أو يشقُّه ويسرقُ ما فيه من المال، ويدلُّ على عدم استحقاق هؤلاء لحدِّ القطع مضافاً إلى عدم تحقُّق شرط الاستحقاق للحدِّ في موردهم وهو الهتك للحرز والذي نصَّت الروايات على أنَّه شرطٌ في الاستحقاق لحدِّ القطع، يدلُّ عليه مضافاً لذلك العديد من الروايات :
منها: موثَّقة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَسْتَلِبُ قَطْعٌ، ولَيْسَ عَلَى الَّذِي يَطُرُّ الدَّرَاهِمَ مِنْ ثَوْبِ الرَّجُلِ قَطْعٌ"(1).
ومنها: موثَّقة إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "لَا أَقْطَعُ فِي الدَّغَارَةِ الْمُعْلَنَةِ، وهِيَ الْخُلْسَةُ ولَكِنْ أُعَزِّرُه"(2).
أقول: الدغارة والدغرة هو أخذ الشيء خلسة على وجه السرعة، وأفاد الزمخشري في كتاب الفائق في غريب الحديث أنَّ عليَّاً (ع) قال:"لا قطعَ في الدغْرة" وعلَّق عليه بقوله: "هي الخلسة -وهي الدفع- لأنَّ المختلس يدفع نفسه على الشيء(3) ليختلسه، والدغْرة هي الاستلاب، وأفاد الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين، قال: الدغر: "الاقتحام من غير تثبُّت"(4) وقال أبو عبيدة كما في غريب الحديث هو:"توثُّب المختلِس ودفعه نفسَه على المتاع ليختلسَه"(5).
ومنها: معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أُتِيَ بِرَجُلٍ اخْتَلَسَ دُرَّةً مِنْ أُذُنِ جَارِيَةٍ قَالَ: "هَذِه الدَّغَارَةُ الْمُعْلَنَةُ، فَضَرَبَه وحَبَسَه"(6).
ومنها: موثَّقة سَمَاعَةَ قَالَ: قَالَ: "مَنْ سَرَقَ خُلْسَةً اخْتَلَسَهَا لَمْ يُقْطَعْ ولَكِنْ يُضْرَبُ ضَرْباً شَدِيداً"(7).
التفصيل في الطرَّار:
فهذه الروايات، وكذلك غيرها تدلُّ على عدم استحقاق المُستلب والمُختلس والطرَّار لحدِّ القطع، نعم يستحق الطرار لحدِّ القطع إذا طرَّ الكيس الواقع في الثياب الداخلية، لأنَّه بذلك يكون قد هتك حرزاً، وقد نصَّت على ذلك معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِطَرَّارٍ قَدْ طَرَّ دَرَاهِمَ مِنْ كُمِّ رَجُلٍ قَالَ: فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ طَرَّ مِنْ قَمِيصِه الأَعْلَى لَمْ أَقْطَعْه وإِنْ كَانَ طَرَّ مِنْ قَمِيصِه الدَّاخِلِ قَطَعْتُه"(8).
وكذلك ورد التفصيل المذكور في رواية مِسْمَعٍ أَبِي سَيَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أُتِيَ بِطَرَّارٍ قَدْ طَرَّ مِنْ رَجُلٍ مِنْ رُدْنِه دَرَاهِمَ قَالَ: "إِنْ كَانَ طَرَّ مِنْ قَمِيصِه الأَعْلَى لَمْ نَقْطَعْه، وإِنْ كَانَ طَرَّ مِنْ قَمِيصِه الأَسْفَلِ قَطَعْنَا"(9).
وعلى هذا التفصيل تُحمل صحيحة مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: "يُقْطَعُ النَّبَّاشُ والطَّرَّارُ، ولَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ"(10) فإنَّها وإنْ دلَّت بإطلاقها على استحقاق الطرَّار للقطع مطلقاً إلا أنَّه يتعيَّن تقييدها بما دلَّ على عدم استحقاق الطرَّار للقطع إذا طرَّ من القميص الأعلى بحسب ما أفادته معتبرة السكوني، وعلى هذا التفصيل بنى المشهور بل في كشف اللِّثام أنَّ الأصحاب قاطعونَ بالتفصيل المزبور(11) ونسب لغيره -كما أفاد صاحب الجواهر- نفيُ الخلاف ونُسب للشيخ الطوسي وابن زهرة الإجماع على ذلك(12).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / جمادى الآخر / 1447ه
4 / ديسمبر / 2025م
1- الكافي -الكليني- ج7 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص 225، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
3- غريب الحديث -الزمخشري- ج1 / ص371، النهاية -ابن الأثير- ج2 / ص123.
4- كتاب العين -الخليل بن أحمد الفراهيدي- ج4 / ص391.
5- غريب الحديث -ابن سلام- ج1 / ص29.
6- الكافي -الكليني- ج7 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
7- الكافي -الكليني- ج7 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
9- الكافي -الكليني- ج7 / ص226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص270.
10- الكافي -الكليني- ج7/ 226، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص271.
11- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص599.
12- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص505.