مقدار النصاب في المسروق المُوجب للقطع

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو مقدارُ المال الذي يستحقُّ مَن سرقَه مِن حرزٍ حدَّ السرقة؟

الجواب:

المشهورُ شهرةً عظيمة أنَّ نصاب القطع ربع دينار من الذهب الخالص أو ما يبلغُ قيمةَ الربع من سائر الأموال، فلا تُقطع يدُ السارق ما لم تبلغ قيمة ما سرقه ربع دينار من الذهب الخالص، فهذا هو ما عليه مشهور الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بل نُسب للشيخ في الخلاف والاستبصار وإلى ابن زهرة في الغنية وإلى ابن إدريس في السرائر دعوى الإجماع على ذلك(1).

وقد اختلفت الروايات في ذلك، ويُمكن تصنيفها -كما أفاد السيد الخوئي(2)- إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى: أفادت أنَّ المقدار الذي تقطع بسرقته يد السارق هو ربع الدينار.

فمن ذلك: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي كَمْ يُقْطَعُ السَّارِقُ؟ فَقَالَ: فِي رُبُعِ دِينَارٍ قَالَ: قُلْتُ لَه: فِي دِرْهَمَيْنِ؟ فَقَالَ: فِي رُبُعِ دِينَارٍ بَلَغَ الدِّينَارُ مَا بَلَغَ قَالَ: فَقُلْتُ لَه: أرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ هَلْ يَقَعُ عَلَيْه حِينَ سَرَقَ اسْمُ السَّارِقِ؟ وهَلْ هُوَ عِنْدَ اللَّه سَارِقٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ؟ فَقَالَ: كُلُّ مَنْ سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ شَيْئاً قَدْ حَوَاه وأَحْرَزَه فَهُوَ يَقَعُ عَلَيْه اسْمُ السَّارِقِ، وهُوَ عِنْدَ اللَّه سَارِقٌ ولَكِنْ لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ، ولَوْ قُطِعَتْ أَيْدِي السُّرَّاقِ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ لأَلْفَيْتَ عَامَّةَ النَّاسِ مُقَطَّعِينَ"(3).

ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "لَا يُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي شَيْءٍ تَبْلُغُ قِيمَتُه مِجَنّاً، وهُوَ رُبُعُ دِينَارٍ"(4).

ومنها: موثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَطَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي بَيْضَةٍ قُلْتُ: ومَا بَيْضَةٌ؟ قَالَ: بَيْضَةٌ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ، وقُلْتُ: هُوَ أَدْنَى حَدِّ السَّارِقِ؟ فَسَكَتَ"(5).

أقول: هذه الرواية تدلُّ على أنَّ مَن سرق ما قيمتُه ربع دينار فإنَّه يستحقُّ القطع لكنَّها لا تنفي استحقاق مَن سرق ما هو دون هذه القيمة للقطع، وذلك لأنَّ الإمام (ع) لما سُئل عن أنَّ الربع هل هو أدنى ما يقطع به السارق سكت ولم يجب.

الطائفة الثانية: أفادت أنَّ المقدار الذي تقطع بسرقته يدُ السارق هو خُمس الدينار.

فمن ذلك: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "أَدْنَى مَا يُقْطَعُ فِيه يَدُ السَّارِقِ خُمُسُ دِينَارٍ"(6).

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال أبو جعفر (عليه السلام):"أدنى ما تُقطع فيه يدُ السارق خمسُ دينار، والخُمس آخر الحدِّ الذي لا يكون القطع في دونه، ويُقطع فيه وفيما فوقه"(7).

ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "يُقطع السارقُ في كلِّ شيءٍ بلغ قيمتُه خمس دينار، إنْ سرقَ من سوقٍ أو زرع أو ضرعٍ أو غير ذلك"(8).

ومنها: موثَّقة إسحاق بن عمَّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلٍ سرقَ مِن بستانٍ عذقاً قيمتُه درهمان؟ قال: "يُقطع به"(9).

أقول: هذه الرواية تدلُّ على استحقاق القطع بسرقة خمس الدينار بناءً على أنَّ الدينار يُساوي عشرة دراهم كما هو المتعارف سابقاً.

ومنها: صحيحة عليِّ بن جعفرٍ عن أخيه الإمام موسى بن جعفر (ع) قال: سألتُه عن حدِّ ما يُقطع فيه السارق؟ فقال: "قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): بيضةُ حديدٍ بدرهمين أو ثلاثة"(10).

أقول: هذه الرواية تدلُّ على استحقاق القطع بسرقة خمس الدينار، وأنَّه أدنى ما يُقطع فيه السارق، فذلك هو مقتضى كون الإمام (ع) بصدد البيان لحدِّ ما يُقطع فيه السارق.

الطائفة الثالثة: أفادت أنَّ المقدار الذي تقطع به يد السارق هي ثلثُ الدينار.

فمن ذلك: موثَّقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قطع أميرُ المؤمنين عليه السلام رجلاً في بيضة قلتُ: وأيُّ بيضة؟ قال: بيضةُ حديدٍ قيمتُها ثلثُ دينار، فقلتُ: هذا أدنى حدِّ السارق؟ فسكت"(11).

ومنها: موثَّقة سماعة قال: سألتُه على كم يُقطعُ السارق؟ قال: أدناه على ثلثِ دينار"(12).

أقول: الرواية الأولى وإنْ لم تكن صريحةً في أنَّ الثلث للدينار هو أدنى ما يُقطع به يد السارق، إذ أنَّ استحقاق القطع بسرقة هذا المقدار لا ينفي استحقاق من سرق دون هذا المقدار للقطع، وسكوتُ الإمام (ع) بعد سؤاله عن أنَّ الثلث هل هو أدنى ما يُقطع به السارق ليس ظاهراً في الإيجاب كما هو واضح، وعليه فالراوية الأولى ليست ظاهرةً في أنَّ الثلث هو أدنى ما يُقطع به السارق، ولكنَّ الرواية الثانية وهي موثَّقة سماعة صريحةٌ أو هي شديدة الظهور في أنَّ نصاب القطع هو الثلث، فسرقةُ ما دونه لا تُوجب القطع.

الطائفة الرابعة: أفادت أنَّ المقدار الذي تقطع به يد السارق هو عشرة دراهم تمام الدينار.

فمن ذلك: صحيحة أبي حمزة الثمالي قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) في كم يُقطع السارق؟ فجمع كفَّيه ثم قال: في عددِها من الدراهم"(13).

فقولُه (ع): "في عددها من الدراهم" معناه في عدد أصابع كفَّيه من الدراهم، فيكون بناءً على ذلك نصابُ القطع عشرةَ دراهم وهي بمقدار الدينار كما هو المتعارف سابقاً من أنَّ الدينار من الذهب يُساوي عشرة دراهم من الفضة.

مناقشة الطائفة الثالثة والرابعة:

والظاهر أنَّ هذه الصحيحة هي مستند العماني والذي نُسب إليه الفتوى بأنَّ أدنى ما يُقطع فيه السارق هو تمام الدينار(14). إلا أنَّه يتعيَّن البناء إمَّا على طرح هذه الرواية لمنافاتها مع ما هو المقطوع به من أنَّ حدَّ السرقة يثبتُ بسرقة ما هو دون الدينار أو حمل الرواية على التقيَّة لأنَّ ذلك هو مذهب بعض العامَّة كما أفاد ذلك الشيخ الطوسي في الاستبصار(15).

وكذلك هو الشأن في الطائفة الثالثة من الروايات والتي أفادت أنَّ أدنى ما يُقطع فيه السارق هو ثلثُ الدينار، فإنَّه لم ينسب لأحدٍ من الفقهاء العمل بمضمونها كما أفاد صاحبُ الجواهر(16) فهي منافية لما هو المقطوع به من أنَّ استحقاق الحدِّ يثبتُ بما هو دون الثلث للدينار، وقد احتمل أو لم يستبعد السيد الخوئي حملها على التقية، وذلك لأنَّ ثلث الدينار يُساوي تقريباً ثلاثة دراهم وهو مذهبُ جماعة من فقهاء العامة(17).

معالجة التعارض بين روايات الرُبع وروايات الخُمس للدينار:

فيبقى البحث حول الطائفتين الأوليين وهي الربع والخمس، والواضح أنَّهما متعارضتان ولا يُمكن الجمع بينهما فالمتعيَّن هو الرجوع إلى مرجِّحات باب التعارض وهي تقتضي كما أفاد السيد الخوئي(18) ترجيح روايات الخمس لموافقتها لظاهر الكتاب المجيد، والموافقةُ لظاهر الكتاب المجيد هي أولُ المرجِّحات كما هو معلوم، وأما منشأ كونها موافقةً للكتاب المجيد فهو أنَّ القرآن حكم بقطع يد السارق مطلقاً بقطع النظر عن مقدار ما سرقه قليلاً كان أو كثيراً، وحيث إنَّنا نعلم بأنَّه لا قطع فيما دون خمس الدينار فنرفعُ اليد عن إطلاق الآية بهذا المقدار، فيكون القطع للسارق فيما زاد على هذا المقدار موافقاً لإطلاق الآية وعليه يكون الحكم بعدم القطع في الربع مخالفاً لظاهر الكتاب.

وبتعبير آخر: إنَّ إطلاق الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(19) يقتضي وجوب القطع سواءً كان المسروق بمقدار خُمسِ الدينار أو كان المسروق بمقدار ربعِ الدينار، وحيث إننا نعلم بأنَّ إطلاق الآية غير مرادٍ فيما دون خُمس الدينار لذلك يتعيَّن رفع اليد عن إطلاق الآية في مقدار خمس الدينار، وأمَّا الربع وما دونه فلم يثبت عدم إرادة إطلاق الآية له لمعارضته مع روايات الخُمس للدينار، فيكون مقتضى إطلاق الآية هو وجوب القطع فيما زاد الخمس لمنافاته لإطلاق الآية أي مخالفته لظاهر الكتاب.

إلا أنَّ الصحيح هو أنَّ كلاً من روايات خُمس الدينار، وروايات رُبع الدينار مخالفة لإطلاق الآية، نعم، نعلم إنَّ إطلاق الآية غير مرادٍ في مقدار معيَّن ولكنَّ هذا المقدار مرددٌ بين الخُمس والرُبع، ومنشأ التردُّد هو اختلاف الأخبار، وليس العلم الخارجي بقطع النظر عن الأخبار، والأخبارُ متعارضة في أنَّ الخارج عن إطلاق الآية هل هو الخُمس أو هو الرُبع، فلا يصحُّ القول بترجيح أخبار الخُمس على أخبار الربع بدعوى أنَّ أخبار الربع معارضة لظاهر الكتاب، لأنَّ كلاً من الطائفتين مخالفٌ لظاهر الكتاب، ولا يصحُّ القول بترجيح روايات خُمس الدينار لأنَّها موافقة لظاهر الكتاب، إذ أنَّها ليست موافقة لظاهر الكتاب بل هي مخالفة لإطلاق الآية كما هو اضح. وعليه فالقول بترجيح روايات خُمس الدينار لموافقتها لظاهر الكتاب لا يتمُّ.

نعم يُمكن القول بترجيح روايات خُمس الدينار بالمرجِّح الجهتي، فيُبنى على أنَّ روايات رُبع الدينار صادرةٌ تقيةً لموافقتها لمذهب مشهور العامَّة. هذا بناءً على القبول بأنَّ روايات خُمس الدينار واجدة للحجيَّة في نفسِها لولا التعارض، فقد يُقال بعدم حجيَّتها في نفسها، وذلك لإعراض الأصحاب عن العمل بمضمونها، إذ لم يُنسب لأحدٍ من الفقهاء العمل بروايات خُمس الدينار إلا للشيخ الصدوق وهو ما يمنع من مكافئتها لروايات الرُبع دينار التي عليها عمل عامَّة الفقهاء. 

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

19 / جمادى الآخر / 1447ه

11 / ديسمبر / 2025م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص496.

2- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص355.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص221، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص243.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص221، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص243.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص221، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص244.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص221، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص244.

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص102، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص247.

8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص102، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص246.

9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص128، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص247.

10- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص248.

11- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص101، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص246.

12- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10/ 101، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص246.

13- الاستبصار -الطوسي- ج4 / ص239، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص245.

14- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص497.

15- الاستبصار -الشيخ الطوسي- ج4 / ص239.

16- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص497.

17- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص358.

18- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص359.

19- سورة المائدة / 38.