حكم النبَّاش إذا سرق الكفن

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا نبش أحدٌ قبرَ ميِّت وسرق أكفانه فهل يستحقُّ بفعله حدَّ السرقة؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء شهرةً عظيمة هو استحقاق النبَّاش لحدِّ السرقة بل نُسب لعددٍ من الأعلام -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- التصريح بالإجماع على الاستحقاق للقطع، وفي المقابل نُسب للشيخ الصدوق رحمه الله في المقنِع والفقيه البناء على عدم الاستحقاق للقطع إلا في فرض تكرر النبش منه مراراً، وقد وصف صاحبُ الجواهر القول بعدم القطع إلا في فرض التكرار وصفه بالشذوذ، واحتمل أنَّ مراد الشيخ الصدوق من ذلك هو بيان حكم من تكرَّر منه النبش دون السرقة(2).

مستند المشهور في استحقاق النبَّاش للقطع:

وكيف كان فمُستند المشهور -مضافاً إلى عموم ما دلَّ على وجوب القطع على مَن سرق من حرزٍ بعد هتكه- عددٌ من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):

منها: صحيحة حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ حَدُّ النَّبَّاشِ حَدُّ السَّارِقِ"(3).

أقول: هذه الرواية ظاهرة أن منشأ ثبوت الحدِّ على النباش هو أنَّه سارق فيثبت عليه حدُّ السارق.

ومنها: موثقة إسحاق بن عمَّار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنَّ عليَّاً (عليه السلام) قطع نبَّاش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: إنا نقطع لأمواتنا كما نقطعُ لأحيائنا"(4).

أقول: الرواية ظاهرة في أنَّه إنَّما استحقَّ النبَّاش القطع لكونه سارقاً، وأنَّه لا فرق بين مَن سرق الأحياء ومن سرق الأموات، وفي ذلك دلالة على أنَّه يستحقُّ القطع وإنْ لم يتكرر منه الفعل تماماً كما هو حكم مَن سرق من حيٍّ.

ومنها: صحيحة عيسى بن صبيح قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطرَّار والنبَّاش والمختلس؟ قال: "يُقطع الطرَّار والنبَّاش، ولا يُقطع المُختلس"(5).

ومنها: صحيحة مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: "يُقْطَعُ النَّبَّاشُ والطَّرَّارُ، ولَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ"(6).

ومنها: رواية زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: أُخِذَ نَبَّاشٌ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لأَصْحَابِه: مَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: تُعَاقِبُه وتُخَلِّي سَبِيلَه، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: مَا هَكَذَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ: ومَا فَعَلَ؟ قَالَ: فَقَالَ: "يُقْطَعُ النَّبَّاشُ، وقَالَ: هُوَ سَارِقٌ وهَتَّاكٌ لِلْمَوْتَى"(7).

ومنها: رواية عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) وجَاءَه كِتَابُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي رَجُلٍ نَبَشَ امْرَأَةً فَسَلَبَهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا هَاهُنَا، فَطَائِفَةٌ قَالُوا: اقْتُلُوه، وطَائِفَةٌ قَالُوا: أَحْرِقُوه؟ فَكَتَبَ إِلَيْه أَبُو جَعْفَرٍ (ع): "إِنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِّ، حَدُّه أَنْ تُقْطَعَ يَدُه لِنَبْشِه وسَلْبِه الثِّيَابَ، ويُقَامَ عَلَيْه الْحَدُّ فِي الزِّنَى إِنْ أُحْصِنَ رُجِمَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ أُحْصِنَ جُلِدَ مِائَةً"(8).

ومنها: ما رواه الشيخ المفيد في كتاب (الاختصاص) عن عليِّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه قال: "لمَّا مات الرضا (عليه السلام) حججنا فدخلنا على أبي جعفرٍ الجواد (عليه السلام) وقد حضر خلقٌ من الشيعة -إلى أنْ قال:- فقال أبو جعفرٍ (عليه السلام): سُئل أبي عن رجلٍ نبش قبرَ امرأةٍ فنكحها؟ فقال أبي: "يقطع يمينه للنبش، ويُضرب حدَّ الزنا، فإنَّ حرمة الميِّتة كحرمة الحيَّة"(9).

مستند الشيخ الصدوق:

وأمَّا مستند ما نُسب إلى الشيخ الصدوق -من عدم استحقاق النبَّاش للقطع إلا مع فرض التكرار منه لهذا الفعل مراراً- فروايات:

منها: رواية عليِّ بن سعيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألتُه عن رجلٍ أُخذ وهو ينبش؟ قال: لا أرى عليه قطعاً إلا أن يؤخذ وقد نبش مراراً فاقطعه"(10).

ومنها: رواية أخرى لعليِّ بن سعيد قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبَّاش؟ قال: إذا لم يكن النبش له بعادةٍ لم يُقطع، ويُعزر"(11).

ومنها: صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "النباش إذا كان معروفاً بذلك قطع"(12).

ومنها: مرسلة ابن بكير، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في النبَّاش إذا أُخذ أول مرَّةٍ عُزِّر، فإنْ عاد قُطع"(13).

مناقشة ما نُسب للشيخ الصدوق:

إلا أنَّ ما يرد على الاستدلال بهذه الروايات هو أنَّ روايتي عليِّ بن سعيد وإنْ كانتا ظاهرتين فيما بنى عليه الشيخ الصدوق رحمه الله إلا أنَّهما فاقدتان للحجيَّة، وذلك للجهل بحال علي بن سعيد، وكذلك هو الشأن في مرسلة ابن بكير، على أنَّها غير مطابقة لما أفتى به الصدوق فإنَّ مقتضى ظهورها هو استحقاق النبَّاش للقطع في المرَّة الثانية إذا تمَّ تعزيره في المرَّة الأولى.

وأمَّا صحيحة الفضيل فأورد عليها السيِّد الخوئي رحمه الله(14) بأنَّ مفادها هو أنَّ الاستحقاق للقطع منوطٌ بما إذا كان النباش معروفاً بذلك، وهذا العنوان لا يلازم تكرار النبش مراراً والذي جعله الشيخ الصدوق مناطاً لاستحقاق القطع، فقد يتكرَّر النبش من أحدٍ ولا يكون معروفاً بهذا الفعل، وعليه لا يوجد عاملاً بهذه الرواية، فتكون فاقدة للحجيَّة لذلك.

إلا أنَّه قد يُقال إنَّ مستند الشيخ الصدوق هو هذه الرواية وإنْ كان استظهاره إرادتها للتكرار من عنوان المعروفيَّة في غير محلِّه، وبذلك لا يتمُّ ما قيل من أنَّه لا يُوجد عامل بالرواية فتسقط عن الحجيَّة لذلك، فالرواية بناءً على ذلك غير معرَضٍ عنها وإنْ كان ما استظهره الصدوق منها في غير محلِّه، فيمكن البناء على أنَّ النباش لا يستحقُّ القطع ما لم يكن معروفاً بذلك استناداً لهذه الصحيحة.

لكنه رغم عدم إحراز إعراض الشيخ الصدوق عن العمل بهذه الصحيحة فإنَّ من المُحرز -ظاهرا- إعراض مشهور القدماء عن العمل بها وهو كافٍ لسقوطها عن الاعتبار.

على أنَّ الرواية معارِضة لموثَّقة إسحاق والتي أفادتْ أنَّ استحقاق النبَّاش للقطع نشأ عن كونه سارقاً وأنَّه لا فرق في وجوب القطع بين السرقة من الأحياء والسرقة من الأموات، وحيث إنَّ استحقاق القطع في السرقة من الأحياء لا يُعتبر فيه التكرار فكذلك هو الشأن في السرقة من الأموات، وبذلك تكون موثقة إسحاق معارِضة لصحيحة الفضيل، والظاهر أنَّ الترجيح لموثقة إسحاق بناءً على أنَّ الشهرة من المرجِّحات، ولو بُني على عدم وجود ما يرجِّح موثقة إسحاق فإنَّ كلا الروايتين تسقطان عن الحجيَّة بالتعارض فيكون المرجع هو إطلاق ما دلَّ على وجوب قطع يد السارق.

التعليق على صحيحتي عيسى بن صبيح:

بقي الكلام في صحيحة عيسى بن صبيح الثانية قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطرَّار والنباش والمختلس؟ قال: لا يقطع"(15) فإنَّها منافية لصحيحته الأخرى والتي اشتملت على قوله (ع): "يُقطع الطرَّار والنبَّاش، ولا يقطع المختلس" وقد احتمل الشيخ الطوسي قويَّاً وقوع السقط فيها قال:" فيُوشك أن يكون قد سقط من الخبر شيءٌ، لأنَّه قد روى هذا الخبر بعينه، وقال: سألته عن هؤلاء الثلاثة فقال: يُقطع الطرَّار والنبَّاش، ولا يُقطع المختلس"(16).

فإمَّا أنْ يُبنى على وقوع السقط أو يسقطان معاً عن الاعتبار لعدم إحراز أيِّهما الصادر عن الإمام (ع) ومع البناء على أنَّ كلاً منهما خبر مستقل فهما متعارضان فيسقطان عن الحجيَّة بالتعارض، ويكون المرجع هو ما دلَّ على وجوب الحدِّ على مطلق السارق، هذا مع قطع النظر عن مرجِّحات باب التعارض فإنَّها مقتضية لترجيح الخبر الأول القاضي بوجوب الحدِّ على النبَّاش فإنَّ نفي القطع مناسبٌ لمقتضيات التقية حيث نسب لأبي حنيفة والثوري القول بعدم القطع لأنَّ القبر لا يُعد حرزاً بنظرهما، وعليه يتعيَّن حمل الخبر الثاني عليها، هذا مضافاً إلى أنَّ الخبر الأول هو ما يفتي به المشهور فبناءً على أنَّ الشهرة من المرجِّحات فإنَّ ذلك يكون مرجحاً آخر للخبر الأول.

يُشترط في قطع النبَّاش بلوغ ما سرقه للنصاب: 

والمتحصل ممَّا ذكرناه أنَّ الصحيح هو ما عليه المشهور من استحقاق مَن نبش قبراً وسرق أكفان الميِّت للقطع، نعم إنَّما يستحقُّ القطع إذا كان ما سرقه يبلغُ النصاب المقرَّر شرعاً، فلا يسوغ قطعه لو كان مقدار ما سرقه أقلَّ من مقدار النصاب المعتبر نعم عقوبة مثله التعزير، وهذا هو ما عليه المشهور خلافاً لما نسب للشيخ الطوسي، والقاضي ابن البراج، وابن إدريس في آخر كلامه والعلامة في الإرشاد، فقد نُسب إليهم -كما أفاد صاحب الجواهر(17)- القول باستحقاق النبَّاش للقطع وإنْ لم يبلغ ما سرقه مقدار النصاب وذلك استناداً إلى إطلاق الروايات حيث لم تُقيد الاستحقاق للقطع ببلوغ المسروق مقدار النصاب. إلا أنَّه يكفي للبناء على التقييد ما دلَّ على عدم استحقاق السارق للقطع ما لم يبلغ ما سرقه مقدار النصاب فإنَّ هذه الروايات صالحة لتقييد إطلاقات الأمر بقطع يد النباش وذلك لظهور هذه الروايات -كموثقة إسحاق- في أنَّ استحقاق النباش للقطع نشأ عن كونه سارقاً، والسارق لا يُقطع ما لم يبلغ ما سرقَه مقدارَ النصاب.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور

21 / جمادى الآخر / 1447ه

13 / ديسمبر / 2025م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي-ج41 / ص515. 516

2-جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي-ج41 / ص516.

3- الكافي -الكليني- ج7/ 228، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28/ 278.

4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص117، وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج28/ 281.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص116، وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج28 / ص281.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص271.

7- الكافي -الكليني- ج7 / ص229، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص280.

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص228، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص279.

9- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص280.

10- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص118، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص281.

11- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص117، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص281.

12- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص117، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص2. 

13- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص117، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص282. 

14- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص360.

15- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص117، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص271.

16- تهذيب الأحكام -الطوسي-ج10 / ص118.

17- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص517.